منفذ الضربة الجويّة الأولى بحرب 94م.. نسر الجو العقيد طيّار مقاتل خالد عمر الهتاري.. أرعب القطاعات العسكرية للغزاة وسطّر صورة حيّة للبطولة


تقرير/ شايف الحدي


12 - أكتوبر - 2017 , الخميس 06:00 صباحا
الطيار خالد الهتاري على سلم طائرته في بداية حرب 94
*أُسطورة حيّة
إِنّه لمن دواعي الفخر والسرور أن أساهم ومن خلال صحيفة «الأيام» في تسجيل ذكريات البطولة والمجْد لطياريّ سلاح الجو الجنوبي في حرب صيف 1994م، ومنهم العقيد الطيّار مقاتل / خالد عمر الهتاري، واحد من أكفأ وأمهر الطيّارين المدربين بسلاح القوات الجويّة الجنوبيّة في اللواء 15 طيران مقاتل - قاذف، حيث كان أحد طياري السرب الخامس هجوم أرضي وقائداً للرف الثاني، وكان طيارًا مقاتلا يحمل شارة الدرجة الأولى، وهي شارة تعني أن حاملها يتميز بقدرات طيرانية وقتالية فائقة، وأنه قد اجتاز منظومة تمارين وتدريبات متكاملة تؤهله لهذه الدرجة، ومؤهل للاشتباكات الجويّة والتحليق في ظروف الجو الصعبة والتحليق والقصف ليلا ونهارا، وكانت لديه قصّة عشق مع الطيران منذ وقتٍ مبكر، ويُعدّ من أشهر طياري المقاتلة الهجومية سوخوي الحديثة (Sukhoi Su-22 M-4)، التي كان لها تنفيذ المهام الجويّة القتالية في حرب صيف 1994م في جبهات الشريط الحدودي سناح ـ الضالع والعديد من الجبهات، وكان هذا الطيار يسابق نسور الجو البواسل لتنفيذ المهمات القتالية منذ الوهلة الأولى لتلك الحرب المشؤومة على الجنوب.. فقد أرعب هذا الطيار القطاعات العسكرية للغزاة في تلك الجبهات وقذف حمم طائرته على مدار عشرة أيام من الحرب، وسطّر صورة حيّة للبطولة والشجاعة.
ورغم مرور 23 عامًا على حرب 1994م، لم يُمْحَ من الذاكرة ما قام به هذا الطيّار الفدائيّ من ملاحم بطولية وفدائية.
*صاحب الطلعة الأولى
يروِي العميد مهندس طيران/ عبدالجليل عبدالله قاسم، المسؤول عن قسم تجهيز الصواريخ باللواء 15 طيران بقاعدة بدر الجويّة في العاصمة عدن عن الطيار الفدائيّ خالد الهتاري بالقول: “كان من أبرز الطيّارين المدربين والمحترفين”، وتابع قائلا: “في اليوم الأوّل من حرب 94م وقبل بزوغ الفجر أقلع العقيد طيار/ خالد الهتاري بطائرته ضمن طلعة الطيران الأوّلى مستهدفاً مطار صنعاء، وانطلق البطل الطيّار ضمن تشكيل مكون من طائرتين، وكانت المهمة قصف مطار صنعاء لشل الحركة فيه حتى لا تقلع منه طائرات، بعدها شارك بطلعات مكثفة في جبهة دوفس وجبهة كرش قبل أن يتم تكليفه بمهام قتالية بجبهة الشريط الحدودي سناح/الضالع مع ثلاثة من أكفأ الطيّارين وأبلى بلاءً حسنًا في هذه الجبهة.
وأكّد العميد عبدالجليل أن طلعاته الجويّة في اليوم الواحد كانت من (3 - 4) أو حسب المهمة الموكلة إليه، وكان من بين الطيّارين الأكثر تنفيذًا للمهمات القتالية.
*أربعة طيارين ضد خمسة ألوية
كلفت قيادة اللواء 15 طيران، العميد ركن طيار/ صالح أحمد عبدالملك اليافعي، والعقيد خالد عمر الهتاري والعقيد خالد أحمد ناشر المفلحي والنقيب عبدالسلام عُبيد صالح، في مهمات قتالية بجبهات الشريط الحدودي سناح، وكانوا أيضًا يشاركون في جبهات أخرى حسب المهام الموكلة إليهم، وقد سطّر هؤلاء النسور أروع البطولات والضربات الموجعة للعدو في هذه الجبهة الواسعة، والتي تمركز بها أكثر من خمسة ألوية شمالية معادية من ضمنها لواء (المجد) و(اللواء الثاني مدرع) و(اللواء السادس مشاة) و(اللواء الرابع مدفعية) وأحد ألوية الحرس الجمهوري (لواء ميكانيكي)، في المقابل لم يكن هناك اي ألوية جنوبية في هذه الجبهة، بل اقتصر الأمر على مقاومة من المواطنين المتطوعين إلى جانب بعض العسكريين، حيث كان الثقل النيراني كله معتمدا على هؤلاء الطيارين الأربعة، وأبلوا بلاءً حسنًا في التصدي لتقدم القوات الغازية وحققوا خلال طلعاتهم الجويّة إعاقة واضحة لتقدم جحافل العدو، وكان كما وصفها البعض حينها بأنها كانت جبهة مواجهة بين أربعة طيارين جبابرة وخمسة ألوية.
خالد في كابينة طائرته ببزة الطيران كاملة

*امتطى طائرته ليصنع المجد
في صباح اليوم العاشر للحرب أقلع الطيّار الهتاري من قاعدة بدر الجويّة بعدن فجرا وهبط سالماً بعد تنفيذ ضربته الجوية، في جبهة سناح/قعطبة، وبين الساعة العاشرة والحادية عشرة صباحًا أقلع لتنفيذ مهمة أخرى ضد قطاعات العدو المتقدمة في سناح من خلال الانقضاض عليها من فوق سلسلة جبال حرير والشعيب إلى أسفل نقطة في مناطق لكمة لشعوب ومرفد وخوبر بالشريط الحدودي سناح، وكان مندفعاً ويطير على علو منخفض جدا يقل أحيانا عن 100 متر، بل أن بعض سكان المنطقة يقولون إنه كان ينخفض أحيانا إلى درجة تطاير الغبار والأشجار خلف طائرته حتى لا يرصده العدو وليفاجئهم بضربة لا يعلمون بها إلا في ساعة حدوثها، مستخدماً مناوراته الصعبة للوصول إلى مدرعات العدو، وفي إحدى الطلعات وبعد تدميره للهدف طلبت منه (السيطرة الجوية) العودة للقاعدة، إلا أنه أبلغهم بأن هناك أهدافاً واضحة ولازالت معه الذخيرة الكافية لتنفيذ مناورة أخرى وتدميرها، وبالفعل اختفى في السماء لدقائق وعاد منقضاً عليها ودمرها، وأثناء تنفيذه لمناورة الخروج من الهدف أُصيبت طائرته فوق أجواء قرية خوبر بالشريط الحدودي سناح واستطاع القفز بالمظلة قبل أن تنفجر الطائرة، وهو ما أكّده الكثيرون ممن كانوا في المنطقة حينما أُصيبت طائرته وهي بعلو منخفض وانقذف كرسي الطيّار وشوهد وهو معلق بالمظلة والطائرة تحترق وهي مشطورة إلى نصفين، نصف مؤخرتها سقط بين قرية خوبر وبلدة سناح والنصف الآخر (المقدمة) واصل الانطلاق شمالا وسقط في أراضي القوات المعادية، وهكذا أسدل الستار عن قصّة هذا الطيّار الفدائيّ الذي كان للبطولة رجُلا، وعنه كل كلمات المجد تُقال، ليكتنف مصيره الغموض منذُ ذلك التاريخ.
*قالوا عن الطيار
العميد الركن علي مثنى هادي قائد القوات الجويّة والدفاع الجوي بجمهورية اليمن الديمقراطية سابقًا قال: “الحديث عن الطيّار خالد عمر الهتاري، وكل شهداء سلاح الجو الجنوبي حديث ذو شجون، فقد عاشوا رجالا أوفياء لوطنهم وماتوا أبطالا، ليس أمامنا سوى أن نستحضر عظمتهم باستمرار، وأن نكون أوفياء للمبادئ التي عاشوا وماتوا من أجلها”.
وأضاف: “كان العقيد الطيّار/ خالد الهتاري طيارا مقاتلا شجاعا في السيطرة الجوية، وكان مكلفا بتدريب بعض الطيّارين حديثي الطيران على المهارات القتالية العالية”. واختتم حديثه: “الطيّار خالد الهتاري من خيرة طياريّ سلاح الجو الجنوبي، وقد عرفته عن قرب بانضباطه العسكري والتزامه بواجباته القتالية، وإذا كان لايزال حيًّا نتمنى له العودة إلى أهله وإذا كان قد قضى نحبه نسأل الله أن يتقبله في الشهداء وحُسن أولئك رفيقا”.
أما اللواء طيّار ركن/ محسن علي سويدان الملقب بـ(الأمريكي) طيار فذ متمرس بسلاح الجو، والذي كان يوما مدربا له قال: “العقيد طيّار/خالد عمر الهتاري، أحد صقور الجو المميزين في اللواء 15 طيران والقوات الجويّة لما يمتلك من قدرات وخبرات عالية والفهم والاستيعاب كطيار/مقاتل - قاذف على طائرة سوخوي Sukhoi Su-22 M-4 الروسية”، ويضيف: “تميّز الطيّار/ خالد الهتاري، بمهارة عالية ودقة في تنفيذ المهام الطيرانية في مجال التدريب والقتال ووصل مستواه الطيراني الأوّل بتجهيزه كمدرب نهارًا وليلا في كل الظروف، وقد عُرف بالانضباط العملي وقوة الشخصيّة، وكان طيارًا ماهراً ذا كفاءة عالية وقدرة قتالية ولياقة جسمية وذهنية وانضباط عملي، و شارك مع زملائِه في مناورات كثيرة مع القوات المسلحة للدول الصديقة، وكانت الطلعات القتالية التي يقوم بتنفيذها ناجحة وممتازة، وما من طائرة سوخوي ضغط على زنادها مرّة إلا وأصابت الهدف”.
واختتم بالقول: “في حرب صيف 1994م قام بتنفيذ الكثير من الطلعات القتالية بكل ثقة وشجاعة دون تردد وتسابق مع نسور الجو البواسل على طلب المشاركة بتنفيذ الضربات الجويّة، وهو يُعدّ من نخبة الطيّارين الجنوبيين، إلى أن أُصيبت طائرته أثناء حرب صيف 1994م وقفز بالمظلة وأصبح مصيره مجهولاً، ذلك رغم تأكيد الموجِّه الطيراني في تلك الجبهة مشاهدته للطيّار وهو يقفز بالمظلة قبل انفجار الطائرة”.
الطيار خالد وأمامه جالسا الشهيد طيار حسن النقيب الذي اسقطت طائرته فوق لواء العمالقة -أبين

*نكران الجميل
من المعروف أن الطيارين الحربيين الشماليين كانوا لا ينفذون الطيران المسائي وقدراتهم القتالية متواضعة، وفور إعلان الوحدة اليمنية عمل صالح - لغرض في نفس يعقوب - على إرسال بعض من طياريه إلى اللواء 15 طيران وكان خالد الهتاري أحد المدربين الذين علموهم تنفيذ المهام القتالية المتقدمة في النهار والليل بكل تفان وإخلاص، وأثناء الحرب نفذ هؤلاء الطيارون طلعات لقصف بعض الأهداف الجنوبية ومن بينها مدرج مطار عدن الذي تدربوا عليه، وقد يتفوق التلميذ على أستاذه لكن هيهات أن يكون ذلك مع طيارينا، فأسقطوا أحدهم فوق مطار عدن، مع العلم أن طلعات الطيران الشمالي لم تتجاوز في أقصى تقدير 25 % من إجمالي طلعات الطيارين الجنوبيين، على الرغم من اعتماده على طيارين مرتزقة من دول عربية، ورغم ذلك تمكن طيارو الجنوب من السيطرة الجوية شبه الكاملة وتحييد الطيران الشمالي بمرتزقته جانباً.
*بدايته مع الطيران
في بداية الأمر لم يتم قبوله كطيار مقاتل بسبب مشكلة صحية منعت ذلك، لكن تم قبوله كمهندس طيران، وكان شديد الحزن لذلك حتى أن سفره للدراسة كان على غير حماس أو رغبة، لكن شاءت الأقدار أن يكون أحد الطلاب الطيارين الجنوبيين في الاتحاد السوفياتي قد مُنع من دراسة الطيران بسبب عدم لياقته الطبية في الفحوصات المتقدمة وتم تحويله لدراسة هندسة الطيران، وما كان من الشهيد خالد إلا أن سارع بإجراء عملية جراحية لإنهاء المشكلة التي كانت سببا في عدم قبوله كطالب طيار، وتقدم مجدداً للفحوصات الطبية المتقدمة واجتازها، وكان له ما تمنى في دراسة الطيران، وعندما علم والده بذلك الأمر قال قلقاً ومبتسما بنفس الوقت: “ليش يا خالد.. كنت مع الدساميس والسكاريب بالأرض أيش طلعك فوق؟!!”.
*اليوم الأخير
في اليوم الأخير لحياة البطل خالد الهتاري نام في منزل والده بحسب تعليمات صدرت إلى طيارين اللواء بعدم الاستقرار في مكان واحد خوفاً من خلايا اغتيالات قد تتربص بهم، نام يومها ببزة الطيران وكافة معداته على مقربة منه متأهباً لأي اتصال طارئ من قيادة اللواء، وقبل صلاة الفجر كان متأهباً بكامل بدلة الطيران ومعداتها منتظرا وصول سيارة عمليات اللواء لتقله من المنزل للقاعدة، إلا أن الفجر بدأ بالبزوغ والسيارة لم تصل بعد، فما كان منه إلا أن طرق معتذراً باب جارهم الودود العم فؤاد الأغبري طالبا منه على خجل أن يقله للقاعدة، وما كان من العم فؤاد إلا تلبية الطلب بكل ترحاب، وأوصله إلى بوابة قاعدة بدر الجوية، حيث اتصلت حراسة البوابة بعمليات اللواء التي أرسلت سيارة لتقله للداخل، وقبل أن يصعد إلى السيارة ودع الشهيد شقيقه الدكتور ياسر والعم فؤاد الذي كان يدعو له بالسلامة، وكان ذلك اليوم الأخير في حياته.