تململ التحالف العربي ومسعى إيران الجديد للعودة إلى الجنوب.. هل تعيد عاصفة الحزم صياغة أهدافها لإقناع فصائل جنوبية بالتخلي عن إيران؟


تحليل/ وهيب الحاجب


13 - نوفمبر - 2017 , الإثنين 06:00 صباحا
التحالف العربي و إيران و الجنوب
منعطفٌ خطيرٌ دلفتْ إليه القضيةُ الوطنية لجنوب اليمن، الذي يناضل منذُ نحو عقدين لاستعادة دولته، ونفقٌ ربما هو الأكثر تعقيداً أُدخل إليه شعبَ الجنوب بانعقادِ المؤتمر العام الثاني للمجلس الأعلى لتحرير واستقلال الجنوب وما صدر عن هذا المؤتمر من بيانٍ وربما وثائقٌُ لاحقةٌ ستغيّرُ كثيراً من المعطيات على الأرض.
جناحُ القيادي حسن أحمد باعوم الذي يبدو أنه مختطفٌ ومستغل في يد "المراهق السياسي" فادي باعوم يعيدُ اليوم للواجهةِ تحالفاتٍ سياسيةً أثبتتْ فشلَها قبل العام 2014م، تحالفات حاولت اللعب عليها كثيرٌ من القوى الجنوبية للدفع بمطالب فك الارتباط إلى الأفق الدولي الأقليمي والضغط على أطراف لاتزال تعارض المشروع الجنوبي حتى اليوم، بيد أن تلك التحالفاتِ ضاعتْ وسط كومٍ كبير من التعقيدات بالصراع الإيراني السعودي والخليجي بشكل عام، وكانت - أي التحالفات - بالنسبة لإيران مجرّدَ ورقة تلعب عليها لتمرير مشروعها في المنطقة العربية بخلق حالة من الفوضى في خليج عدن وباب والمندب وممرات الملاحة الدولية بالتوازي مع إغلاق مضيق هرمز لتضييق الخناق أكثر على السعودية والخليج العربي، وبالتالي المضي بمشروع التمدد الفارسي بالمنطقة.
*إيران واللعب الإقليمي بالجنوب
بمعنى أن إيران لم تكنْ لتفكر في التعاطي مع القضية الجنوبية آنذاك لولا حسابات الربح السياسي والخسارة قبل العام 2014 وأثنائه، بدليل دعم الحركة الحوثية في حربها لاجتياح الجنوب العام 2015م بعد أن عجزت إيران عن تحقيق أي إنجاز لصنعِ تقارب بين الحراك في الجنوب والحوثيين في الشمال، وبالتالي خلق نزعة مذهبية طائفية في الشمال وحركة انفصالية في الجنوب لتشكلا معا "بُعبع" لتهديد الأمن القومي العربي بالدرجة الأساسية، ثم أداة لمشاغبة ومشاغلة السعودية على حدودها مع اللعب على ورقة تهديد خطوط الملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن في حال استطاعت طهران كسب ولاء الحراك الجنوبي أو زرع نوع من الفوضى وعدم الاستقرار في هذه المنطقة على الأقل، وكلتا الحالتين هما في صالح إيران وسياساتها وتوجاتها بالمنطقة العربية ككل.
المؤتمر العام الثاني للمجلس الأعلى لتحرير واستقلال الجنوب الذي عُقِد أمس الأول في مدينة المنصورة بعاصمة الجنوب عدن بإشرافٍ مباشر من السياسي "المراهق" فادي باعوم، الذي يقيم بالضاحية الجنوبية في لبنان وبدعم لوجستي من قطر وآلتها الإعلامية(الجزيرة)، هو محاولةٌ لترقيع تلك التحالفات المهترئة مع إيران، وهو محاولة لإعادة اللاعب الإيراني إلى الجنوب بعمل سياسي ربما فيه من المشروعية الجنوبية ما يبررُ لشعبٍ لم تُحترَمْ إرادتُه، وتطلعات لم يُصغَ لها، وتضحيات وشهداء ودماء لم يكن لها مكان في عاصفة الحزم، وهزيمة مشروع إيران.. لهذا فمجلسُ تحرير واستقلال الجنوب - على خطيئته بالعودة لإيران - هو اليوم صاحبُ حقٍ في إعادة رسم المشروع الوطني الجنوبي والمضي به نحو تحقيق أهدافه في فك الارتباط واستعادة الدولة بالرجوع للإرادة الشعبية داخل الجنوب، والعمل بمنهجيةٍ سياسية تتكاملُ فيها كل القوى الجنوبية السابقة واللاحقة التي أنتجتها عاصفةُ الحزم وأفرزتها نتائج الحرب وفي طليعتها المجلس الانتقالي الجنوبي وفصائلُ المقاومة المسلحة بكل أشكالها وتكويناتها الجيوسياسية.
*ما بعد العاصفة
فمرحلة ما بعد عاصفة الحزم وانتصار شعب الجنوب بتحرير ترابه أفرزت متغيراتٍ جديدةً وخلقت علاقاتٍ يمكن تسميتها بـ"الدبلوماسية الشعبية" مع عددٍ من دول الخليج وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، وبات من الضروري أن يحافظَ أيُّ عمل سياسي جنوبي على تلك العلاقات وتطويرها وتعزيزها والتأسيس عليها لتصبح "دبلوماسية رسمية" لا أن ينسفها من أساسها ويعتبرها "احتلال". كما أن أي مشروع سياسي جنوبي لن يُكتب له النجاحُ ما لم يراعِ مصالح دول التحالف العربي في حفظ أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها، ولن يكون المشروع ذاته ذا قيمةٍ أن راعى تلك المصالح بالانتقاص من سيادة الجنوب على ترابه، وهو ما يبدو أنه نقطة الخلاف بين المجلس الأعلى للحراك والمجلس الانتقالي الجنوبيَين اللذين يجتمعان عند هدف التحرير والاستقلال واسعادة دولة الجنوب بحدودها الجغرافية والسياسية قبل الوحدة مع العربية اليمنية العام 1990م.
المؤكّد حتى الآن من إعادة تموضع المجلس الأعلى وظهوره بقوة في هذه الظروف وكشف أوراقه صراحة للتعامل مع الوضع القائم في الجنوب وتوصيفه له هو - دون أدنى شك - التعاطي السلبي لدول التحالف العربي مع المشروع الجنوبي، ومطالب الجنوبيين بالانفصال أو فك الارتباط أو التحرير والاستقلال، والأكثر تأكيداً لتصاعد الأصوات ضد التواجد العسكري الخليجي على أرض الجنوب ومكوثه طويلاً هنا هو الدونية التي تتعامل بها دول التحالف مع مطالب شعب الجنوب والتأكيد دوما على الوحدة القسرية وتعزيز مشاريع الضم والإلحاق التي كانت سببا في إشعال الحراك الجنوبي ورفض الوحدة بأي شكلٍ من أشكالها التي لاتعترفُ بحق سيادة الجنوبيين ووصاية الإرادة الشعبية الجنوبية على قرارها دون غيرها.
لذا يبدو أن الاستراتيجية التي تتعامل بها عاصفة الحزم مع الحليف الجنوبي حتى الآن هي المسؤول عن إعادة أو ربما إجبار بعض الأطراف والفصائل الجنوبية على إعادة تحالفات قديمة مع إيران والبحث عن حلفاء آخرين ليدعموا المشروع الوطني الجنوبي بغض النظر عن طبيعة هذا الحليف الجديد وعلاقته ومصالحه بمنطقة الخليج العربي، وهو في الأساس حق مشروع لأي شعب يسعى إلى تقرير مصيره واستعادة حقه وسيادته، بمعنى أن الدونية الخليجية تجاه مشروع تقرير مصير الجنوب سيرشّح مزيداً من تقارب بعض الأطراف المعادية للخليج العربي - كإيران خارجيا والحوثيين والإخوان والنافذين بحكومة الشرعية داخليا - مع مكونات الجنوب، وسيرشح المعطيات على الأرض ربما لصراع فصائل المقاومة الجنوبية مع قوات التحالف العربي المنتشرة على أرض الجنوب.
توجهاتُ المجلس الأعلى رغم خطورتها على الجنوب في المرحلة الحالية إلا أنها تجدد التأكيدَ على فشل أية مشاريع خارج الإرادة الجنوبية ودون تقرير المصير والإصغاء لشعب قدم آلافاً من الشهداء في سبيل استعادة دولته وتطهير ترابه من أي تواجد، لكن الأخطر من ذلك في مراهقة مجلس فادي باعوم واستغلال رمزية أبيه المُقعَد هو المخاوف من إعادة اليد الإيرانية من بوابة الجنوب بعد بترها في غزوة 2015م.
*الجنوب وقطع يد إيران
المطلوب اليوم من عاصفة الحزم هو إعادة صياغة أهدافها ورسم سياساتها في إطارٍ يجعلُ من الجنوب حليفاً رئيساً لمواجهة إيران لا تأهيله لتفريخ مزيدٍ من المكونات والفصائل متعددة الولاءات، والحديث الآن عن دعوة مكونات الجنوب وفصائله للحوار والتقارب حديثٌ أجوف ومفرغ من محتواه وحديث يستخدم دائما للاستهلاك السياسي والمراوغات، فالهدف الجنوبي واحد هو استعادة الدولة والاستقلال وتقرير المصير، وحين تتعاطى عاصفة الحزم مع هذا الهدف وتؤهل أي طرف ليمثله سواء المجلس الانتقالي أو المجلس الأعلى أو غيرهما ستنساق بقية الأطراف خلفه طواعيةً وستلتف حوله وتنضوي تحت لوائه.. فالمشكل ليس في مكونات الجنوب ولا في مشروعه الوطني ولا في حراكه السياسي، المشكل يكمنُ في من بيده القوة والمال ويستأثر بمصير الجنوب ومستقبل قضيته.. فهل من توجهات جديدة لعاصفة الحزم تقطع يد إيران من جنوب اليمن ؟!
تحليل/ وهيب الحاجب