الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

شعراء قتلهم شعرهم (1)

9 مارس 2015 الساعة 09:00
لقد كان الشعر - في الماضي - الوسيلة الإعلامية الأولى التي تؤثر في الناس، وكان الحكام والسلاطين يستثمرون الشعراء في مدحهم وتحسين صورتهم، والدفاع عن مواقفهم وسياساتهم .. غير أن هناك من الشعراء من شذَّ عن الطريق، وأمعن في هجاء بعض الأفراد، سواء أكانوا أشخاصًا عاديين، أم أمراء، أم سلاطين، وقام بمناصرة فرق وتيارات معادية لبعض الخلفاء وأصحاب النفوذ، حتى قاده شعره ولسانه إلى الموت، فصار صريعًا لشعره، وقتله لسانه !! .. وفي هذا الموضوع (شعراء قتلهم شعرهم) سنتناول حياة (9) شعراء كان شعرهم سببًا في موتهم.

1- هُدْبة بن خَشْرَم

هو شاعر من بني عامر، من بادية الحجاز، وكان شاعرًا متقدمًا فصيحًا، وراوية للحطيئة، وقد بدأ الشعر يرسم نهايته، هو وشاعر آخر من شعراء عصره، وهو زياد بن زيد، وهما من شعراء العهد الأموي، حيث كانا مع رَهْط من قومهم قاصدين الحج، وكان مع هدبة أخته فاطمة، فتغزل بها زياد قائلاً:

عُوجِي عَلَيْنَا وارْبَعِي يا فَاطِمَا

ما دُونَ أنْ يرَى البْعيرُ قَائِما

أَلا تَرَيْنَ الدَّمْعَ مِني ساجِمَا

حِذارَ دارٍ مِنْكِ لَنْ تُلائِمَا

فَعَرَّجَتْ مُطَّرِداً عُراهِما

فَعْماً يَبُذّ القطفَ الرَّوَاسِما

وأطال زياد في قصيدته، فغضب هدبة، ورد عليه بأن تغزل في أخته، وكانت تسمى أم حازم، فقال:

لَقَد أُرَانَي وَالغُلامَ الحازِمَا

نُزْجِي الْمطيَّ ضُمراً سَوَاهِما

متى تَظُنّ القُلَّصُ الرَّوَاسِما

والجّلة النَّاجِية الْعَياهِمَا

يَبْلُغْنَ أمَّ حَازِمٍ وَحَازِمَا

إذَا هَبْطنَ مُستَحيراً قَاتِما

فسبه زياد، ورد عليه هدبة، وطال بينهما ذلك، حتى صاح بهما القوم، فسكت كل منهما على ما في نفسه، ولكن هدبة كان أشد حنَقًا على زياد، ورأى أنه قد غلبه وضامه، فقد تغزل في أخته فاطمة، وهي حاضرة سامعة، بينما تغزل هدبة في أم حازم، وهي غائبة لا تسمع غزله فيها.


ومن هذا اليوم صارت عداوة بين هدبة وزياد، ظهرت بوادرها في المعارضات الشعرية بينهما، ولم يشفِ هدبة ما قاله من الشعر، وتحيَّن الفرصةَ لقتل زياد حتى قتله، فأمسك سعيد بن العاص والي المدينة به، وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان، فأقر أمامه بقل زياد، وحبس بالمدينة ثلاث سنوات، حتى يبلغ (المِسْوَر) ولد زياد الحلم، ويخير بين أخذ الدية أو القصاص.

وبعد أن بلغ الغلام أراد سعيد بن العاص بذل محاولة أخيرة مع عبد الرحمن أخي زياد بأن يقبل دية أخيه ويعفو عن هدبة، ولكن عبد الرحمن أصر على قتله، وقال للوالي: إنه قال بيتًا من الشعر؛ لو لم يقله لقبلت الدية، أو صفحت بغير دية !، والله لو أردت شيئًا من ذلك، لمنعني قوله:

لَنَجْدَعَنَّ بأيدينا أنوفَكم

ويذهَب القَتلُ فيما بينَنَا هَدْرا

فدفع الوالي بهدبة ليقتل، فبدت في عينه حسرة، وما ندم بشر على قول كما ندم هدبة على قوله هذا البيت الذي قاده إلى الموت !، والتفت هدبة إلى قوم زياد وهو مقيد بالحديد قائلاً:

فإِن تَقْتُلُوني في الحَدِيدِ فإِنَّني

قَتَلْتُ أَخاكُمْ مُطْلَقاً لم يُقيَّد

فقال عبد الرحمن: والله لا نقتله إلا مطلقًا من وثاقه، ثم قال:

قَدْ عَلِمَتْ نفسي وأنتَ تَعلَمُهْ

لأَقْتُلَنَّ اليومَ مَنْ لا أَرْحَمُهْ

ودفع السيف إلى (المسور بن زياد) فضرب هدبة ضربتين مات فيهما.