الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

القياس في النحو العربي

9 مارس 2015 الساعة 09:00
**القياس لغة واصطلاحًا:

القياس في اللغة: التقدير، جاء في الصحاح: “قست الشيء بالشيء: قدَّرتُه على مثاله” .. أما في الاصطلاح فقد حدَّه علي بن عيسى الرماني بأنَّه: “الجمع بين أول وثان، يقتضيه في صحة الأول صحة الثاني، وفي فساد الثاني فساد الأول”.

وقال الدكتور مهدي المخزومي في تعريفه بأنَّه: “حمل مجهول على معلوم، وحمل ما لم يُسْمَع على ما سُمِعَ، وحمل ما يجدّ من تعبير على ما اختزنته الذاكرة، وحفظته ووعته من تعبيرات وأساليب كانت قد عُرِفَتْ أو سُمِعَتْ”.

هذه التعاريف وغيرها متقاربة من حيث جعل المسموع أصلاً في القياس على ما يجدُّ في العربية من ألفاظ وتراكيب، وبفضل القياس استطعنا أن نحمل ما لم يُسْمَع على ما سُمِعَ، فلم نأخذ العربية جميعها بالسَّماع.

كأن نقول: (طِباعة وصِحافة)، على مثال قول العرب: (تِجارة وزِراعة)، وكأن ترفع في كلامك ما يستحق أن يكون فاعلاً، وأن تنصب ما يستحق أن يكون مفعولاً به ... وهلم جرًّا، وإن لم يكن ذلك منقولاً عنهم، وذلك لأنه كما يقول الأنباري: “لما كان غير منقول عنهم من ذلك في معنى المنقول، كان محمولاً عليه، وكذلك كل مَقيسٍ في صناعة الإعراب”.

**أركان القياس:

ولما كان القياس الحمل على المسموع فيما لم يسمع، فلا بدَّ له من أركان أربعة يجب توافرها حتى تصح عملية القياس، وفي هذا يقول الأنباري: “ولا بد لكل قياس من أربعة أشياء: أصل، وفرع، وعِلَّة، وحكم، وذلك مثل أن تركب قياسًا في الدلالة على رفع ما لم يسمَّ فاعله، فتقول: اسم أسند الفعل إليه مقدمًا عليه، فوجب أن يكون مرفوعًا قياسًا على الفاعل، فالأصل هو الفاعل، والفرع هو ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، والعِلَّة الجامعة هي الإسناد، والحكم هو الرفع، والأصل في الرفع أن يكون للأصل الذي هو الفاعل، وإنما أُجري على الفرع الذي هو ما لم يُسَمَّ فاعله بالعِلَّة الجامعة التي هي الإسناد، وعلى هذا النحو تركيب قياس كلِّ قياس من أقيسة النحو”.

**نشأته وتطوره:

القياس قديم في العربية، لجأ إليه النحاة منذ وضعوا أسس علم النحو وبدأ التأليف فيه بعد أن أصبح علمًا قائمًا بذاته، فيروي ابن سلام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء ما نصه: “وكان أول من أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها: أبو الأسود الدؤليّ”، وذكر ابن سلام أيضًا أنَّ عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي: “كان أول من بَعَجَ النَّحوَ ومَدَّ القياس والعلل”.

ثم جاء من بعدهما الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي قيل عنه: إنَّه: “كان الغاية في استخراج مسائل النحو، وتصحيح القياس فيه”، وقد عدَّه ابن جني “سَيِّد قومه، وكاشف قناع القياس في علمه”.

ولا ريب أنَّ النحاة بعد الخليل، بصريَّهم وكوفيَّهم، قد نهلوا من معين علمه، وعَبّوا من بحر فكره وعقله، فهذا سيبويه تلميذه الذي يمثل أنموذجًا على ذلك، إذ اعتدَّ بالقياس اعتدادًا كبيرًا، وكتابه خير دليل على ذلك.

وفيه يقول ابن جني: “ولما كان النحويون بالعرب لاحِقين، وعلى سَمْتهم آخذين، وبألفاظهم متحلِّين، ولمعانيهم وقصودهم آمِّين، جاز لصاحب هذا العلم الذي جمع شعاعَه، وشرع أوضاعه، ورسم أشكاله، ووسم أغفاله، وخلج أشطانه، وبعج أحضانه، وزمَّ شوارده، وأفاء فوارده، أن يرى فيه نحوًا مما رأوا، ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا، وأن يعتقد في هذا الموضع نحوًا مما اعتقدوا في أمثاله، لا سيما والقياس إليه مُصْغ، وله قابل، وعنه غير متثاقل”.

وقد جاء بعد سيبويه نحاة اهتموا بالقياس، وأَوْلَوْهُ عنايتهم، ومنهم أبو الحسن الأخفش الذي لازم سيبويه وتتلمذ له، وأخذ عنه، وألف في القياس كتاب (المقاييس في النحو)، ومنهم أبو عثمان المازني الذي كان يقول: “ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم”، وليس كتابه (التصريف) الذي شرحه ابن جني إلا دليلاً على اعتنائه واهتمامه الكبير بالقياس على كلام العرب، ومنهم: أبو العباس المبرد الذي قال فيه الأزهري: “كان من أعلم الناس بمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه”، وقد وصفه ابن جني بقوله: “يُعَدّ جَبَلاً في العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا، وهو الذي نقلها وقَرَّرَها، وأجرى الفروع والعِلَلَ والمقاييسَ عليها”، وقد عَدَّهُ الدكتور شوقي ضيف آخر أئمة المدرسة البصرية المُهِمِّين.

وكان أبو بكر بن السراج من متأخري المدرسة البصرية الذين اهتموا بأصول العربية وجمعوا مقاييسها، فقد عني بالقياس عناية شديدة جعلته يهاجم من يعتدون بالشواذ والنوادر، داعيًا إلى إسقاطها حتى لا يحدث اضطراب في المقاييس النحوية والصرفية.

ولم يقتصر الاهتمام بالقياس على البصريين فحسب، بل اهتم به النحاة الكوفيون إلا أنَّهم اتسعوا في رواية الأشعار وعبارات اللغة، ولم يقفوا عند القبائل التي احتج البصريون بلغتها وقاسوا عليها، بل تعدوا هذه القبائل ولم يتحرجوا من الأخذ عن سكان الحواضر كما تحرج البصريون.

وممن اهتم بالقياس من الكوفيين الكسائي، فقد اعتد به، واعتمد عليه، وتساهل فيه حتى إنَّه كان يرى أن النحو كله قياس؛ إذ قال:

إِنَّما النَّحْوُ قِياسٌ يُتَّبَعْ

وَبِهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُنْتَفَعْ

وقد سار نحاة الكوفة الذين جاؤوا بعده على خطاه في التساهل في الرواية والقياس على كل مسموع من شعر أو نثر.

وإذا ما بلغنا القرن الرابع بزغ لنا نجم أبي علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، اللذين كان لهما باع طويل في القياس، ونما على أيديهما نماءً كبيرًا، وقد بلغ من اعتزاز أبي علي الفارسي بالقياس أن روى ابن جني عنه مقالة مفادها: "أُخطئ في خمسين مسألة، ولا أخطئ في واحدة من القياس”.

أما ابن جني، فقد حذا حذوه، بل تفوق على أستاذه في تعميم القياس وتوسيع طرق الاشتقاق، وهو القائل: "مسألة واحدة من القياس أنبَلُ وأنبَه من كتاب لغة عند عيون الناس".

ولم تكن الدكتورة خديجة الحديثي مغالية ولا مجانبة للصواب عندما قالت: “استتبت تقسيمات القياس وأنواعه وأركانه وبحوثه على ما نراه عند ابن جني الذي اعتمد على كتبه وآرائه معظمُ من جاء بعده من النحويين واللغويين كابن الأنباري والسيوطي، وعلى كتابه (الخصائص) بوجه أدق حيث كثرت فيه آراء أستاذه أبي علي الفارسي”.

وكان الأنباري من شدة تعلقه بالقياس يقول: “اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقَّق، لأن النحو كلَّه قياس، ولهذا قيل في حدِّه: النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو، ولا نعلم أحدًا من العلماء أنكره؛ لثبوته بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة”.

**أهمية القياس:

للقياس أهمية كبيرة جدًّا لا يمكن لأحد إنكارها، لأنه يغني المتكلم عن سماع كل ما يقوله العرب، وأنه يستطيع أن يصوغ من الألفاظ والعبارات التي لم ترد في المنقول، فهو من أهم الطرق في تنمية الألفاظ، لأنه وثيق الصلة بالوسائل الرامية إلى إغناء اللغة وترقيتها، أما ما سواه من الوسائل الأخرى كالاشتقاق والنحت والتعريب... فتطبيق له.

**قصي جدوع رضا**