الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الشعراء والذئب (1 - 2)

12 مارس 2015 الساعة 09:00
رسمَ الشعرُ العربيُ القديمُ بامتياز أشكال الصراع المختلفة التي عاشها الإنسانُ العربيّ منذُ وجد نفسه على هذه الأرض؛ من صراعٍ بينَ الإنسان والكائنات المختلفة التي تحيطُ به، إلى صراعٍ بين المخلوقات كلها بما فيها الإنسان والطبيعة، إلى صراعٍ ثالثٍ بين الإنسان وأخيه الذي يقاسمه أسباب الحياة.

ولو عُدنا إلى الشكل الأوّل من أشكال الصراع، أعني صراع الإنسان مع المخلوقات المحيطة بهِ لوجدنا أن للذئبِ حضورًا لافتًا ومتنوّعًا في الشعر المُعبّر عن ذلك، حضورًا يختلفُ باختلاف الشاعِرِ وتكوينِهِ وشجاعتِهِ وحقبتِهِ التاريخيّة، وظرفِهِ الاجتماعي وغيرها من العوامل الذاتيَة والموضوعيّة !

فذئبُ الشنفرى لا يشبّه ذئبَ البُحتري إلا قليلاً مع أنّ الثاني أحدُ أحفاد الأوّل، وذئبُ الفرزدق يكادُ لا يمت بصلة إلى ذئب مالك بن الريب، وذئبُ كعب بن زهير يختلفُ كثيرًا عن ذئبِ حميد بن ثور الهلالي؛ مع أن الشاعرين عاشا المرحلة نفسها وتوفيّا بعد منتصف القرن الأوّل الهجري على الأرجح؛ وأزعمُ أن الذئبَ نفسه لو بَرز لشاعرين مُبدعين؛ فسنرى صورتَهُ عند أولهما لا تماثِلها عند ثانيهما !.

المرقش الأكبر والذئب

المرقّش الأكبر شاعرٌ جاهليٌ فحل، شعرُهُ من الطبقة الأولى، وقد ضاع معظمُه، عُرِف عَنهُ أنّه من متّيمي العرب وعشّاقهم وفرسانهم الشجعان، كان لَهُ موقعٌ في بكر بن وائل وحروبها مع بني تغلب.

وافتتح المُرقّش الأكبر قصيدته بالوقوفِ على أطلال أسماء التي أحبها التي غادرته ناعيًا وحشةَ المكانِ، وتبدّل حالِه وقسوةَ العيش فيه يقدّم لنا صورةً أخّاذة لزيارة الذئب:

ولمّا أضأنا النار عِنْدَ شوائنا

عرانا عليها أطْلَسُ اللون بائسُ

نبذتُ إليهِ حُزَّةً من شِوائنا

حياءً وما فُحشي على مَنْ أُجالسُ

فآضَ بها جذلانَ ينفُضُ رأسَهُ

كما آبَ بالنهبِ الكميّ المحُالِسُ

لقد ترك الشاعِرُ تلك الأطلال ومنزل الضنك وانطلق على ناقتِهِ في ليلٍ موحشٍ تصاعدَت فيه أصواتُ البوم كالنواقيس لينزل عن راحلتِهِ ويشعلُ النار ويعدّ الشواء ، فيستضيفُهُ الذئبُ، ذئبٌ أغبرُ اللون إلى سواد، حزين وبائس، فيحسّ المُضيفُ - وهو ابن الصحراء - بحالِ ضيفه، وتأبى عليهِ عاداتُ قومِه أن ينهرَه، أو يسيءَ مُعاملته وهو على ما هو عليهِ من جوعٍ وسغبٍ وبؤسٍ، فيقتطعُ لَهُ من شوائِهِ حُزَّةً ويرميها إليهِ فيقبضُ عليها، ويرجعُ بها سعيدًا، يهزّ رأسَهُ محبورًا، وأمام هذا المشهد يسترفدُ المرقّش قاموسُ فروسيّته، فيستعيرُ لهذا الذئبِ صورةَ الفارس الشجاعِ يكمي شجاعَتَهُ ويستُرها لوقت الحاجة، فيؤوبُ بغنيمَتِهِ بعدَ أن ثَبتَ في القتالِ واستحقَّ الفوز.

فالشاعِرُ يُعلي من شأن الذئب هنا حين يخلَعَ عليهِ هذا الوصف .. ولو كان لا ينظُرُ إليه باحترامٍ وتقدير لوَجَدَ لهُ وصفًا آخر.

**الشنفرى والذئب**

الشنفرى أحد أهم أغربة العرب وصعاليكها، وقد نشأ في بني سُلامان الذين أسروه صغيرًا وربّوه ليخدمهم، فلّما شبّ وعَرَف حقيقته أقسم أن يقتل منهم مئة رجل.

لقد وَضَعَ الشنفرى الذئبَ القوي السريع في قائمةِ أهلِهِ الجُدد قبلَ النمر والضبع وغيرهما من الوحوش، وذكر صفات هذه العائلة التي جعلته يلتجئ إليها فرارًا من ظلم ذويه وخذلانهم له، لقد بلغَ الرجُلُ من الإحساس بالغربة في مجتمع البشر أن وصفَ نفسه قائلاً:

يرى الوحشةً الأُنسَ الأنيسَ ويهتدي

بحيثُ اهتدت أمّ النجومِ الشوابكِ

للشنفرى قصيدةٌ لاميّة تقعُ في (68) بيتًا، سَمّتها الناسُ فيما بعد (لاميّةَ العرب)، وقد خّصّ الشاعِرُ الذئبَ بعشرة أبياتٍ منها:

وأَغْدُو على القُوتِ الزَهِيدِ كما غَدَا

أَزَلّ تَهَادَاهُ التنَائِفَ أطْحَلُ

غَدَا طَاوِياً يُعَارِضُ الرِّيحَ هَافِياً

يَخُوتُ بأَذْنَابِ الشِّعَابِ ويُعْسِلُ

فَلَما لَوَاهُ القُوتُ مِنْ حَيْثُ أَمَّهُ

دَعَا فَأجَابَتْهُ نَظَائِرُ نُحَّلُ

مُهَرَّتَةٌ فُوهٌ كَأَنَّ شُدُوقَها

شُقُوقُ العِصِيِّ كَالِحَاتٌ وَبُسَّلُ

فَضَجَّ وَضَجَّتْ بالبَرَاحِ كأنَّها

وإيّاهُ نُوحٌ فَوْقَ عَلْيَاءَ ثُكَّلُ

وأغْضَى وأغْضَتْ وَاتَّسَى واتَّسَتْ به

مَرَامِيلُ عَزَّاها وعَزَّتْهُ مُرْمِلُ

شَكَا وَشَكَتْ ثُمَّ ارْعَوَى بَعْدُ وَارْعَوَتْ

وَلَلْصَبْرُ إنْ لَمْ يَنْفَعِ الشَّكْوُ أجْمَلُ

وَفَاءَ وَفَاءَتْ بَادِراتٍ وَكُلّها

على نَكَظٍ مِمَّا يُكَاتِمُ مُجْمِلُ

وفي هذه الأبيات يشبّهُ الشاعرُ نفسه - في تحمّله الجوع - بالذئب، ويصفُ لنا في لوحةٍ أخّاذة مشهدَ قطعِ الذئاب الجائعة، فالشاعِرُ يصبرُ على الجوع ويحتملُ ألمَهُ حتى يميتَه، وذلكَ بإتباع سبيلٍ واحد لا ثاني له هو محاولةُ نسيانهِ حتى يذهَلَ عنهُ تمامًا؛ وقد يستفّ الترابَ ولا يقبلُ بفضلٍ أحدٍ عليه حتى إذا كان الصباحُ غدا للحصولِ على رزقِه كذئبٍ أملحٍ خفيف، فجابَ الفيافي، وشَقّ الشعاب مواجهًا الريح، ومنقضًّا على هذهِ الطريدة أو تلك إن كان ثَمّة ما يُطارَدُ، فإذا ما أُسقطَ في يديه وقفَ مُعتليًا إحدى القمم وراحَ يعوي بكلِ ما في النفسِ من ألمٍ وجوعٍ وحسرةٍ، فأجابته ذئاب لا تقلّ عنه جوعًا وهزالاً، حتى بدت وجوهُها شاحبة بيضاء لا دماء فيها، ذئابٌ نحيلة تتجهُ نحوه، فيُسْمَعُ لعظامِها قلقلة كصوت اصطكاكِ الأقداحِ في يدي لاعب الميسر، ذئابٌ تثيرُ جلبةً ودوّيًا؛ كدوي النحلِ حين يثيرُهُ مشتارُ العسل بعيدانِهِ.. ذئابٌ ذات أشداقٍ واسعةٍ مفتوحة؛ لكنّها كشقوقِ العصي كنايةً عن عطشها وجفافِها.

إنّها ذئابٌ عابسة كريهة الوجوهِ لجوعها وعطشها لقد استجابت لنداء صَاحبها فجاءت مواسيةً ! فإذا بهِ يقابلها بالزمجرةِ والعواء وتجيبه بالمِثل فيقفُ الفريقان متقابلين كالنائحاتِ تندبُ واحدتهنّ فقيدَها، ويحسّ كلٌ منها بالآخر؛ فيسبِلُ الذئبُ جفونه على عينيه جَرّاء الشعور بالخيبة وتقتدي الذئابُ الأخرى به.

أليس هذا ما افتقدَهُ الشنفرى في بني قومِه ؟ .. ولماذا لا يكون هذا الذئبُ هو الشنفرى نفسُه ؟! ولماذا لا تكونُ الذئابُ الأخرى هي الصعاليك أنفسُهم ؟! .. بل لو أمعنا النظرَ في قطيع الذئاب هذا فسنجدُ فيهِ تأبّطَ شرًا والسليك بن السلكة وقيس بن الحداديّة وغيرَهم.

**د . ثائر زين الدين**