الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

شعراء قتلهم شعرهم (2)

16 مارس 2015 الساعة 09:00
لقد كان الشعر - في الماضي - الوسيلة الإعلامية الأولى التي تؤثر في الناس، وكان الحكام والسلاطين يستثمرون الشعراء في مدحهم وتحسين صورتهم، والدفاع عن مواقفهم وسياساتهم .. غير أن هناك من الشعراء من شذَّ عن الطريق، وأمعن في هجاء بعض الأفراد، سواء أكانوا أشخاصًا عاديين، أم أمراء، أم سلاطين، وقام بمناصرة فرق وتيارات معادية لبعض الخلفاء وأصحاب النفوذ؛ حتى قاده شعره ولسانه إلى الموت؛ فصار صريعًا لشعره، وقتله لسانه!! .. وفي هذا الموضوع (شعراء قتلهم شعرهم) سنتناول حياة (9) شعراء كان شعرهم سببًا في موتهم.

2-أبو نُخَيْلَةَ .. وقصيدته التي أضاعت خلافة

اليوم سنعيش مع الشاعر الثاني من الشعراء الذين قتلهم شعرهم، وهو الشاعر أبونُخَيْلَةَ، الذي تخصص في مدح كل من آلت إليه الخلافةُ من بني أمية وبني العباس؛ فعندما كان الأمر بيد بني أمية مدحهم، وعندما انتقل إلى بني العباس مدحهم !، وكانت قصائده معلقة على كرسي الخلافة يتناولها الجالس عليه؛ بغض النظر عن شخصه وسلوكه !.

وقد تضمنت قصائد مدحه لبني العباس هجاء لبني أمية، ولأن شخصيته الشعرية كانت مهتزة؛ فقد كان مهيئًا أن يصيبه - من جراء شعره - شر عظيم، وهذا ما حدث بالفعل، ووضع نهاية لحياته.

فعندما علم أبو نخيلة أن أبا جعفر المنصور يريد تولية ابنه المهدي ولاية العهد، بدلاً من ابن أخيه عيسى بن موسى؛ وجدها فرصة للتقرب من أبي جعفر بقصيدة يؤيد بها رأيه، ويشيعُه بين الناس، ويطالب بخلع عيسى بن موسى، وبالبيعة للمهدي، فقال:

إلى أميرِ المؤمنينَ فاعْمِدِي

إلى الذي يَنْدَى ولا يندى ندي

سيري إلى بحرِ البِحارِ المُزْبِدِ

إلى الذي إن نَفِدَتْ لم يَنْفَدِ

ليسَ وليّ عهدِنا بالأسعدي

عيسى فَزَحْلِقْها إلى محمدِ

فقدْ رضينا بالغلامُ الأمردِ

وقد فَرَغْنَا غيرَ أن لم نشهدِ

وغير أن العقدَ لم يؤكدِ

فلو سمعنا قولَك: امدد امددِ

كانَتْ لنا كدَعْقَةِ الوِرْدِ الصَّدِي

فنادِ للبيعةِ جمْعًا نحشدِ

وقد أشاع أبو نخيلة هذه القصيدة؛ حتى رواها الخدام والخاصة، وتناشدها العامة، فبلغت المنصور، فدعا به، وعيسى بن موسى جالس عن يمينه، فأنشده إياها، وأنصت له حتى سمعها عن آخرها، وظهر على وجهه السرور.

ثم قال لعيسى بن موسى: ولئن كان هذا عن رأيك؛ لقد سررتَ عمك، وبلغتَ من مرضاته أقصى ما يبلغه الولد البار السار.

فقال عيسى: “لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين”.

وهكذا خُلع عيسى، وعقدت البيعة للمهدي بولاية العهد، فأراد عيسى أن ينتقم من هذا الشاعر الذي تسببت قصيدته في ضياع الخلافة التي عاش عمره ينتظرها.

واشتد عيسى في طلب أبي نخيلة؛ حتى فر إلى خراسان، فأرسل خلفه مولى له يسمى قِطْرِيّاً ومعه عدد من الرجال، فلحقوه في الطريق، فأخذوه، وكتفوه، وأضجعه قطري، وذبحه، وسلخ وجهه، وألقى جسمه إلى النسور، ولم يبرح مكانه حتى لم يبق منه إلا عظامه !.