الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الشعراء والذئب (2 - 2)

16 مارس 2015 الساعة 09:00
**حميد بن ثور الهلالي والذئب:

حميدُ بن ثور الهلالي رضي الله عنه وأرضاه شاعرٌ مخضرم عاش في الجاهلية والإسلام، عدّهُ الأصمعي واحدًا من أعظم أربعةِ شعراء في الإسلام، ولحميد قصيدة كاملة تتحدث عن ذئبٍ جائع يتربّص بقطيع من الضأن والمعز، طمعًا في الحصول على واحدٍ من صغارها، لكنّ ربّة القطيع تقفُ لَهُ بالمرصاد:

ترى ربّةَ البَهْم الفِرار عشيّةً

إذا ما عَدَا في بَهْمها وهو ضائعُ

فقامَتْ تَعُسّ ساعةً ما تُطيقُها

من الدهرِ نامتها الكلابُ الضوالِعُ

رأتهُ فشكّت وهو أطحَلُ مائلٌ

إلى الأرضِ مثنيٌّ إليهِ الأكارعُ

ترى طرفيهِ يَعْسِلانِ كلاهما

كما اهتزّ عودُ الساسِمِ المُتتايِعُ

فظلُ يُراعي الجيشَ حتّى تغيّبتْ

خُباشٌ وحالت دونهنَ الأجارِعُ

إذا ما غدا يومًا رأيتَ غَيايَةً

من الطيرِ ينظرنَ الذي هو صانِعُ

فَهمَّ بأمرٍ ثُمّ أزمَعَ غيرَهُ

وإن ضاقَ أمرٌ مَرّةً فهو واسِعُ

يقوم المشهد الذي صوَّرَهُ الشاعِرُ على عددِ من الشخوص - على سبيل المجاز - أولاً: المرأة ربّة البهم وقطيعُها وكلابُها التي بدت زائدة؛ لا تضرُ ولا تنفع، وليست معنيّة إلاَّ بطلبِ السِفاد .. ثانيًا: الذئبُ الجائعُ الهزيلُ الأطحلُ اللون الذي يدفعُهُ جوفُهُ الفارغُ إلى الاقتراب من بني البشر كأن لَهُ بينهم أصحابًا وما كانَ بين الطرفين إلا العداء أبدَ الدهر .. ثالثًا: مجموعة من الرجال تظهرُ في المشهدِ فجأةً يتبعها الذئبُ وقد مُنِعَ عن صغار الغنمِ والماعز؛ ويظل يترصّد هؤلاء البشرَ حتى غابت (خباشُ) عن الأنظار وحالت بينَهُ وبينهم (الأجارع)، وكانَ كُلّ أملِهِ أن ينفردَ واحدٌ من هؤلاء، ويبتعدَ عن صحبِهِ، فينقضَ عليه ويقضي به وطره.

هذا هو المشهد إذن بشكلٍ مُكثف، لكن الشاعر لا يقدّمُهُ - كما رأينا - على هذا النحو فحسب بل يُعطى كلَ فريقٍ من الفرقاءِ حَقَّهُ من الوصفِ والتصوير.

وذئبُ حميدٍ الهلالي مترددٌ لسبب لا نعرفُهُ؛ هل هو طبعٌ في الذئاب أم أن تردّد الذئبِ يعكسُ حالةً نفسيةً عند الشاعِر، أو يصوّر صفةً جوّانيةً من صفاتِ مبدع الأبيات نفسه؟.. يبقى السؤالُ مفتوحًا لا جوابَ له، لأننا لا نزعُمُ معرفتنا بصفات الشاعِر النفسيّة ولاسيّما أن ما يفصلنا عنهُ ألف وأربعمائة عام من الزمنِ والتحوّلات والتغيرّات.

كعب بن زهير والذئب:

كعبُ بن زهير بن أبي سُلمى المزني شاعِرٌ من الشعراء المخضرمين الفحول، وحين انطلقت الدعوة المحمّدية وقفَ منها موقِفَ المعارض وهجا النبي صلى الله عليه وسلم، فهدرَ دَمه، فضاق كعبُ ذرعًا، ثم جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستأمِنًا وقد أسلم، وأنشدَهُ معتذرًا لاميته المشهورة، التي مطلعها:

بانتَ سعادَ فقلبي اليوم مبتولُ

متيمٌ إثرها، لم يُفدَ مكبولُ

فعفا عنهُ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وخلَعَ عليهِ بُردَتهُ، وتقعُ قصيدته في (53) بيتًا، خَصّ الشاعِرُ مشهدَ الذئب فيها بـ(17) بيتًا نذكر بعضها:

وصرماءَ مذكارٍ كأنّ دويَّها

بُعَيدَ جنانِ الليل ممّا يُخيَّلُ

حديثُ أُناسيٍّ فلّما سمعتُهُ

إذا ليس فيه ما أبينُ فأعقِلُ

قطعتُ يُماشيني بها مُتضائلٌ

من الطُلسِ أحياناً يخبّ ويعسلُ

يحبّ دنوَّ الأُنسِ منه وما بهِ

إلى أحدٍ يومًا من الأنسِ منزِلُ

غُرابٌ وذئبٌ ينظرانِ متى أرى

مُناخَ مبيتٍ أو مقيلاً فأنزِلُ

أغارا على ما خَيَّلتْ وكلاهُما

سيخلُفُهُ منّي للذي كانَ يأمَلُ

يقطعُ الشاعر أرضًا قاحلةً مُخيفة، لا يجرؤ على عبورها إلا الذكور؛ فإذا ما هبط الليل عليهِ راح يسمَعُ في جنباتِها دويّاً غريباً؛ ظنّهُ للوهلة الأولى أُنسيًّا، فحاولَ أن يتبيّن معناه لكن دون جدوى؛ عندها فهم أن هذا الدويّ ليس إلا عزيفَ الجنِ، وربّما لحسنِ حظّهِ ما شاهُ في هذهِ المفازة ذئبٌ أغبرُ اللونِ إلى سواد، هزيل الجسد، ذئبٌ بهِ ما بالشاعِرِ - على الأرجح - من إحساسٍ بالوحشةِ والرهبة، ولعلّ هذا ما دَفَعَهُ إلى الاقتراب من الشاعِر، وربّما من غيرِه أيضاً في مثلِ حالتهما.

كان الذئب يَعْسِلُ ويخبُ، ويدنو حتى أصبَحَ في مَرمى النبلِ؛ مما جعَلَ الشاعر يحدّث نفسه قائلاً: ما من وحشٍ يقتربُ من بني البشرِ على هذا النحو إلا إذا كانَ غِرًا جاهلاً لا خبرةَ لديهِ، أو ضالاً ضائعًا يريدُ من الآدميِّ أن يُرشده، حتى إذا تجاوزَ الذئبُ في دنّوه من الشاعِر حَدّ الأمان، رأيناه يزجرُهُ فتعلو وجههُ قشعريرة، ويعوي عكسَ الريحِ فتصفر داخِلَهُ لخلاءِ معدتِه وأمعائه، كنايةً عن الجوع.

ويمضي كعب بن زهير وفي وصف شكل الذئبِ ولونه بعدَ أن اقتربَ منه كما أسلفتُ إلى مسافة جعلت ذلك مُمكنًا، ثُمَّ يُقارِنُ بين حالي الذئب في الشتاء والصيف ليقول لنا إن الذئبَ لا يكون هزيلاً جائعًا في الشتاء مثلما هو في الصيف لأن الطعام يكون وافراً عندئذٍ.

وفجأةً يظهرُ في المشهدِ غُرابٌ نحيلُ الساقين جائعٌ أيضاً كصاحبِهِ الذئب، فيراقبُ الاثنانِ كعبًا عَلَّهُ ينزِلُ في مكان ما ويبسطُ ما مَعَهُ من زاد، فيقدّمُ لهما شيئًاً منه لكن الشاعِرَ يخاطبهما بوضوح: إن أملهما لن يتحقق لأنّهُ هو أيضًا مُرمِل، لا زادَ عند ويرجعان خائبين جائعين.

إن هذا المشهد يعتمدُ بصورةٍ كبيرة على عُنصر السردِ والقص، ولعلّ طبيعة الحكاية التي يقوم عليها تفرض ذلك، لكننا نلاحظ هنا حضور شكلين من أشكال الحوار؛ الأوّل داخلي على شكل مونولوج حين خاطب الشاعر نفسه قائلاً:

تقرّبَ حتّى قلتُ لم يدنُ هكذا

من الإنسِ إلا جاهلٌ أو مُضّللُ

والثاني خارجي يتوجّهُ فيه الشاعِر إلى مرافقَيه؛ الذئب والغراب:

إذا حضراني قلتُ لو تعلمانِهِ

ألم تعلما أنّي من الزاد مُرمِلُ

وهذانِ الحواران جعلا النص لصيقًا بالقصّة القصيرة، وبعثا الدمّ والتشويق في جسدِهِ وكشفا - مع العناصر الأخرى في اللوحة - الحالة النفسية لشخوص المشهد وما اعتَمَلَ في نفوسِهم، إزاء وحشة المكانِ، والجوع والعطش وهي أمور مُلازمة لطبيعة العيش في الصحراء.

**د . ثائر زين الدين**