الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

التعليم بين الماضي والحاضر..ماض مشع بأنوار العلم والمعرفة وحاضر مهدم الأركان

24 مارس 2015 الساعة 09:00
قِيل في الأثر “من علمني حرفا صرت له عبداً”، مقولة تدل على مكانة المعلم ورفعته، وذلك لما للعلم من أهمية كبيرة في حياة الأفراد والمجتمعات، والآن للعلم والمعلم مكانة رفيعة، كانا يحظيان باهتمام واحترام وتقدير من الجميع، كما كان للمعلم هيبة واحترام في نفوس تلامذته، بل ويعتبر شيئا مقدسا لا يمكن الاعتداء عليه ولو بكلمة واحدة، هذا التعامل والتقدير من الطلاب يقابله تعامل تربوي راقٍ ومسؤول من قبل المعلمين امتزجت في نفوسهم روح المعلم الصلب والأب الحنون.

وهو ما جعل التعليم ناجحاً بكل المقاييس، تربوي قدير وكفء، ومنهج واضح ومبسط، ومدارس متوفرة، وطالب منضبط، عملية تعليمية مكتملة الأركان.

مقولة “من علمني حرفا صرت له عبداً” لم تعد تلاقي ذلك الاهتمام، من قبل الجميع معلمين وطلاب، وجهات ذات علاقة.

معلم فقد هيبته التربوية، ولم يعد يحظى بأي احترام أو تقدير من قبل تلامذته، والمؤسف أن اهتزاز مكانة المعلم يعود السبب الرئيس فيها إلى المعلم نفسه، فكثيراً ما تجد معلمين هم من أزاحوا الحاجز التربوي بينهم وبين تلامذتهم، فتجدهم يتعاطون القات في أماكن عامة ويتبادلون أطراف الحديث، إن لم يكن الطالب هو استضاف معلمه أو العكس، ومن هنا تحولت العلاقة بينهم ليس علاقة معلم بطالب يسودها الهيبة والاحترام، بل علاقة صداقة، يسودها المجاملة، والمحاباة، وتدني مستوى التعليم، والتشجيع على التغيب والتأخر، والاعتداء على المعلمين في بعض الأحيان، بعد أن فقد المعلم هيبته وانتزعت من نفوس الطلاب.

كما أن انتشار الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي قد ألهت الكثير من الطلاب عن الاهتمام بدراستهم، نتيجة لغياب الرقابة الأسرية، ويعد الصراع السياسي الذي تشهده البلاد منذ سنوات، واستخدام المدارس أحد الأمكنة لتصفية تلك الحسابات بطريقة مخالفة للنظم والقوانين أضرت كثيراً بالطالب وبتحصيله العلمي، وبالعملية التعليمية برمتها، كما أن ضعف مرتبات المعلمين، وارتفاع أسعار المعيشة والوضع المعاش لعب دوراً كبيراً أيضاً في إضعاف دور المعلم من المرشد للطريق السوي إلى عامل مساعد في ضياع التلميذ.

ففي الماضي القريب كانت المعلمة هي الأم الثانية للطالب، وربت وخرجت الكثير والكثير، حالياً لا تأمن المعلمة على نفسها من تصرفات طلابها الطائشة والمتجردة من الأخلاق، بل وأصبح لا ينظر إليها كأم ومعلمة بل على العكس تماماً نتيجة لنشأة هذا الجيل على خدمات النت وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التي تغرس في نفوسهم الأفكار السيئة والمنحرفة في كثير من الأحيان.

يقول الطالب مجد محمد (ثالث إعدادي) “أتذكر إلى اليوم عندما كنت في أول ابتدائي، كان يحظى المعلم والمعلمة بهيبة، واحترامهم، وتقدير، كما أن التعامل فيما بيننا كان يقوم على أساس التعامل بين الأب وابنه، بل وكنا نضعهم قدوة ونحلم بأن نكون أمثالهم في المستقبل، ولكن مع الأسف لقد أصبح في الوقت الحاضر العلاقة بين الطالب والمعلم، علاقة صديق بصديقه، والمؤسف الأكثر بأن تجد الطالب يتعامل مع معلمته بطرق وتصرفات غير أخلاقية، تشي عن مدى الانحطاط في التعليم الذي توصلنا إليه، وكذا غياب هيبة واحترام المعلم”.

**فرق كبير جداً**
التعليم في الماضي


المعلمة فاتن عبده سعيد تحدثت لـ«الأيام» من جهتها عن الفرق بين التعليم بين الماضي والحاضر، وكذا التعامل بين المعلم والطالب، وأسبابه بالقول: “في الماضي كان هناك احترام للمعلم والمعلمة بدرجة كبيرة، وهو ما نفتقده في الوقت الحاضر، حيث غابت فيه حتى الكلمة المحترمة من قاموس مفرداتهم تجاه معلميهم ومعلماتهم على حد سواء، ففي الماضي لم يكن الاحترام مفروضاً على الطالب بل كان نابعا من علمنا بأهمية المعلم والعلم، أما ما تعيشه العملية التعليمية في وقتنا الراهن فيمثل العكس تماماً، حيث أصبح هذا الاحترام يفرض على الطالب، ومع هذا لم يتم الاستجابة له أو العمل به، في السابق إن وجد من المشاغبين فيوجد قليل في الفصل أما اليوم فجميع طلاب الفصل مشاغبون إلا من رحم ربي، كما أن المعلم لم يعد له هيبة في الفصل الدراسي كما كان في الماضي، حالياً إن جاز لي التشبيه أصبحت الفصول الدراسية كالمقاهي، حيث يكون المعلم يشرح الدرس والطلاب غير مبالين، كلا في جوه، شغب وفوضى وو..إلخ”.

وأضافت: “أصبحت للطالب قواعده الخاصة التي يفرضها في المدرسة كالحضور والغياب ومغادرة المدرسة متى شاء، بل إن الطالب بات يتعامل مع معلمته في هذه الأيام كما يتعامل المالك مع الخدم يسودها كثيراً من الوقاحة وقلة الأدب، والمؤسف بأن نتفاجأ في حال استدعاء ولي أمر الطالب بتأييد الأب أو الأم لتصرفات أبنائهم، بينما كان هذا التصرف يعد لنا أقسى عقوبة، كما أننا كنا نخشى أن تلتقي أعيننا بأعينهم خوفاً منهم واحترماً لهم”.

وعن الأسباب التي أدت إلى هذا التغير الكبير في سير العملية التعليمة وضعف العلاقة بين المعلم والطالب في وقتنا الحضر قالت فاتن: “لا أعلم حقيقة السبب الرئيس في هذا التغير الملحوظ، ولكن قد يكون بسبب الأوضاع التي تعيشها البلاد أو عدم رغبتهم بالتعليم نتيجة لكثافة المنهج الدراسي الذي لا يتناسب مع مستوياتهم التعليمية”.

**غياب الاحترام**
التعليم في الحاضر


لقد طرأت بين علاقة الطالب والمعلم كثيراً من التغيرات إذا ما تم المقارنة بين التعليم في الماضي والحاضر، هذا ما بدأت به المعلمة ارتزاق إسكندر حديثها لـ«الأيام» عن ضعف العملية التعليمية في وقتنا الحاضر وكذا ضعف العلاقة بين الطالب والمعلم”، مضيفةً: “إن هذا التغير لم يطل المعلمات وحسب أو على سلوك وبيئة التلميذ، ولكن العلاقة مشتركة والأسباب متعاقبة تدور في دائرة مغلقة فالمعلم الذي كان يمتهن مهنة التعليم لم تكن مهنة فقط بل هي إحساس لهذا العمل الجليل الذي يقدمه للمجتمع وللأجيال المتعاقبة ومن هنا فإن المعلمين قديما كان تهذيبهم الداخلي وإحساسهم بأهمية هذه المهنة تنعكس بصورة جلية في تفاعلاتهم مع تلاميذهم بصدق وعقلانية وبشدة وحزم، لأن داخله مفعم بحب المهنة ويشع بعلم اكتسبه بفطرته وجهده واجتهاده، ومن هنا كان الطالب يرى في معلمه بأنه الصرح الذي يمنحه العلم والمعرفة والفهم، الأمر الذي أكسب المعلم في الماضي كل الاحترام والحب والتقدير، أما الآن فالوقت تغير وانقلب رأساً عن عقب، حيث إن العلاقة بين المعلم والطالب أصبحت سيئة بنسبة كبيرة.

كما أن ما تشهده العملية التعليمية من ارتباك، وتمكين الطلاب من النجاح خصوصاً في المراحل الانتقالية خلال السنوات السابقة، ولَّد لدى التلاميذ شيئا من الاتكالية لضمانهم النجاح دون بذل أي جهد أو تعب، دون أن يشعروا بأن هذا التصرف من قبلهم من شأنه أن يدمر عقولهم، وموت بطيء لأخلاق الشعب ومبادئه ومعتقداته وحتى احترامه لنفسه ولغيره”.

**علاقة يشوبها الكثير من السلبيات**

من جهته قال المواطن علي الدياني: “لقد كانت التربية والتعليم في فترات ما قبل الوحدة ترتكز على أساس علمية صحيحة، حيث كانت فيها التربية تسبق التعليم بعكس ما هو عليه اليوم، حيث أصبح التعليم في يومنا هذا عبارة عن حشو في المناهج الدراسية والتي لا يتمكن الطالب من استيعابها، كما كانت العلاقة بين المعلم والطالب قائمة على الاحترام المتبادل في داخل الفصل وخارجه، بل ويعتبر المعلم هو القدوة التي يُحتذى بها، بعكس العلاقة الحالية التي يشوبها الكثير من الفتور، فضلاً عن صعوبة المنهج الدراسي، ومن المؤسف أن هذه العلاقة يسودها في بعض الأحيان ظاهرة تداول بعض الممنوعات والآفات كالقات والسجائر والشمة وغيرها من العادات السيئة، والتخلص من هذه الظواهر والارتقاء بالعلم الحقيقي وإعادة الهيبة للتربية والتعليم الحقيقية، يجب على الجهات المعنية والمختصة في الدولة تغيير المناهج الدراسية وإعادة الوجه الحقيقي للتربية والتعليم”.

أما الطالب عبد العليم محمد فتحدث قائلاً: “هناك اختلاف كبير بين طالب وطالب آخر بخصوص التعامل مع المعلمين، فهناك من يتعامل مع المعلم على أنه صديق والبعض من يتعامل معه كأخ وأب له، فهذا الاختلاف في التعامل يفرضه المعلم على الطلاب”، مضيفاً “بعض المعلمين يشاركون طلابهم في تعاطي الأشياء الممنوعة كالشمة والسجارة ولا تقتصر هذه العلاقة داخل المدرسة فقد تتطور هذه العلاقة إلى خروجات ليلية ورحلات وغيرها، كما لو أنه يخرج مع صديق له بحجة أن هذه الطريقة أكثر فعالية لحب المادة وقبول التعليم، كما أن عمل المعلم في مكان آخر يعمل على تقصيره وعدم القيام بعمله الأساسي على أكمل وجه، وينقلب سلباً على التلميذ ليتسرب من الفصل الدراسي ويهمل واجباته وينتج عنه عدم حبه للمادة كما هو حاصل اليوم، كما أن الوضع الحالي وغياب التوظيف أحد الأسباب التي أدت إلى عزوف كثير من الطلاب عن الدراسة وعدم الاهتمام بها”.

المواطنة ندى محمد بدورها تحدثت عن علاقة الطالب بالمعلم والتعليم بشكل عام في الوقت الحالي مقارنة بالماضي بالقول: “التعليم في الماضي كان مبنيا على الاحترام والتقدير للمعلمين، كما كان له هيبة كبيرة جداً، تجعل من الطالب يبذل كل تركيزه أثناء الدرس للفهم والاستيعاب، أما الآن فأصبح الطالب والأهل كل حرصهم على الدرجات (العلامات) وبأي طريقة كانت بالغش أو بطريقة أخرى، والعجيب أن كثيراً من الأهالي عندما ينقص أولادهم في تحصيله العلمي يدخل في شجار مع المعلمين عن سبب نقص ابنه ولا يسأل عن مستواه العلمي وأخلاقه”.