الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

المدارس الخاصة..مؤسسات تجارية بزي تربوي

25 مارس 2015 الساعة 09:00
المدارس الخاصة
حيث يممت وجهك في شوارع المدينة ثمة مدرسة خاصة أمامك، قد لا تكاد تفرق بينها وبين عمارات وشقق الأحياء المتشابكة معها، فليس هناك ما يميزها عن غيرها من العمارات والشقق الستأجرة، في مخالفة صريحة للشروط والمعايير التي وضعت لإنشاء المدارس الخاصة.

تكاثر المدارس الخاصة بهذا الشكل يضعك أمام كثير من الأسئلة الحائرة التي منها: هل حققت هذه المدارس الهدف الذي أنشئت من أجله؟ وهل أسهمت في تطوير عملية التعليم؟، وهل هذه المدارس موافقة للمعايير والشروط المحددة لإنشائها؟.

«الأيام» سلطت الضوء من خلال هذا التحقيق لنقل صورة واقعية عن حال هذه المدارس بعيدة عن الصورة المحدبة المعروفة عنها التي تعكس مقاسات غير دقيقة وخادعة، وقد استهدف هذا التحقيق عددا من المدرسين في المدارس الخاصة وأولياء الأمور لنقل صورة حقيقية عن حال المدارس الخاصة وفق تجاربهم الخاصة ومعايشتهم للواقع، فإلى التفاصيل:

على الرغم من وجود القوانين والشروط والمعايير المحددة لبناء وإنشاء المدارس الخاصة إلا أن الملاحظ أن أغلبية المدارس الموجودة في بلادنا غير موافقة لتلك الشروط والمعايير وأغلبيتها مجرد شقق مستأجرة في مخالفة صريحة وواضحة للقوانين المتفق عليها والتي رميت بها عرض الحائط نتيجة غياب المتابعة والمحاسبة من قبل الجهات المختصة، وعدم التنبه لهذا الأمر قد يتسبب بكوارث كبيرة لا سمح الله، كانهيار المبنى نظراً لكمية الضغط الواقعة عليه أو حدوث حريق لا يمكن السيطرة عليه نتيجة لعدم وجود المساحة الواسعة لإخماده، وهذا ما يشكل خطراً كبيراً على حياة الطلاب، لذلك ننبه على أهمية اختيار المكان الآمن والمناسب والواسع حتى يجد فيه الطالب سلامته وراحته للترفيه وحرية ممارسة النشاطات الرياضية المختلفة.


وداد النمري - مدرسة في إحدى المدارس الخاصة - ترى من وجهة نظرها أن “المدارس الخاصة لم تضف شيئاً أو تسهم في رقي واقع ومستوى التعليم في الوطن”، مضيفة: “بحكم تجربتي كمدرسة في إحدى المدارس الخاصة يمكنني القول وبصراحة إن غالبية المدارس الأهلية والخاصة ليس لها اسمها، فيما هي في الواقع أقل من ذلك بكثير ولا تختلف عن بعض المدارس الحكومية إن لم نقل أن بعضها ربما أسوأ من بعض المدارس الحكومية”.

وتعيد النمري أسباب ضعف مستوى التعليم في بعض المدارس الخاصة إلى ضعف الإدارة المدرسية في بعض هذه المدارس، وغياب مبدأ الحساب والعقاب، وكذلك غالبية المدارس الخاصة ألغت الرسوب حيث يتم تصعيد جميع الطلاب من مستوى إلى مستوى حتى وإن كان مستواه الحقيقي فاشل، وهذا يؤدي إلى إهمال الطالب كونه يعلم أنه في نهاية المطاف سيحصل على شهادة ومعدل ممتاز”.

وعن الأجور القليلة التي يتقاضاها بعض المدرسين المتعاقدين هل لذلك من تأثير في تأدية الرسالة التعليمية أجابت بالقول: “بكل تأكيد يحصل هذا، فعندما يتم تحميل المدرس أكثر من مادة وأكثر من صف وفي النهاية راتبه لا يتجاوز العشرين ألف ريال في الشهر ولا حوافز، كل هذا ينعكس على المدرس ونفسيته وأدائه”.

**النجاح لا يعكس مستوى الطالب الحقيقي**

من جانبه تحدث الدكتور توفيق الشعيبي لـ«الأيام» عن حال ومستوى التعليم في هذه المدارس بالقول: “عادة ما يتوقع الناس في أي بلد أن تكون المدارس الخاصة أكثر اهتماما وتركيزاً على التحصيل العلمي، كيف لا وهم أكثر قدرة اقتصادياً على توفير الوسائل المدرسية للطلاب وتحفيزهم على ذلك، ومعروف أيضاً أن المدارس الخاصة هي أقل كثافة طلابية ولهذا فمعدل عدد الطلاب مقارنة بعدد المدرسين يكون أقل بكثير من المدارس العامة، فكل هذا يعود إيجاباً على مستوى التحصيل العلمي وتأهيل الطالب ليلتحق بجامعات أفضل وبالتالي تحقيق مستقبل علمي ومهني أفضل، ولكن الناظر لحال معظم المدارس الخاصة في بلدنا يرى عدم وضوح الرؤية لتحقيق الأهداف المتوقعة، الكثير من هذه المدارس لا تكترث إلّا بالمباهاة بالاسم وصرف الملابس الأنيقة والشهادات التي لا تُقيِّم ولو جزءا من مستوى الطالب”.

وعن تجربته مع المدارس الخاصة قال الدكتور الشعيبي: “درست بناتي وأقارب لي في المدارس الخاصة وكنا دائما على تواصل معهم ولكني لم أجد شيئا مما توقعت غير شهادات وتكريمات ونتائج خيالية لا تتناسب مع المستوى العلمي للطلاب، لطالما تعجبت كيف أن أكثر الطلاب يحصلون على مستويات ممتازة بَيد أن مستواهم ضعيف جداً ويكادون لا يستحقون النجاح، الإجابة الوحيدة هي أن هذا الطريق هو الوحيد لكسب وإقناع الآباء الذين تراهم يتفاخرون بشهادات أبنائهم بمواقع التواصل الاجتماعي دون أن ينتبهوا للمستوى العلمي الحقيقي لأطفالهم”.

وتطرق الدكتور الشعيبي في حديثه لـ«الأيام» إلى موضوع صغر المباني وازدحام الطلاب، حيث أكد أن معظم مباني المدارس الخاصة لا ترتقي لأن تكون حتى مكاتب صغيرة، ناهيك عن كونها مدارس، الكثير منها شقق سكنية وغرف ملتصقة أبوابها مع بعضها، فإذا علت الأصوات في صف سمعها الجميع”.


مضيفاً: “إن هذه المدارس مجرد عمارات في أماكن مزدحمة أو أحياء لا يوجد لها متنفسات إلا مساحات صغيرة أمامها لا تكاد تفي بالحد الأدنى لحركة الأطفال أثناء استراحاتهم أو اللعب والرياضة، وهو ما يؤثر سلباً على نفسية الطفل الذي هو بحاجة للمرح والاحتكاك بالآخرين من خلال الرياضات والنشاطات الأخرى أثناء وجوده بالمدرسة”، مؤكداً بأن هذه المدارس تهتم بالجانب المادي أكثر من الجانب التعليمي، معيدا ذلك إلى ضعف الرقابة على المدارس وعدم تطبيق القوانين وكذا إلى الرشوة والمحسوبية التي بدورها تجعل المدارس العامة والخاصة في حل من الالتزام بتطبيق هذه القوانين وعدم الاستثمار في الدفع بالعملية التعليمية، كل هذا يجعل من المدارس الخاصة وسيلة ربحية ومصدر دخل لملاكها الذين يفتقرون للرؤية الإنسانية في النهضة بالمجتمع الذي يعيشون فيه”.

وأوضح الشعيبي في سياق حديثه أسباب اضطرار الكثير من الطلاب مغادرة المدارس الخاصة: “عندما تبحث في عينة من طلاب المدارس الخاصة، تجد الكثير منهم من أبناء المغتربين، أب في الغربة وأم لا تجد الوقت لمتابعة التحصيل العلمي لأولادها وهؤلاء عادة ما يستمرون لفترات أطول طالما هناك شهادات عالية توهم الآباء بنجاح أبنائهم، الجزء الآخر من الطلاب يغادر خلال سنة أو سنتين نتيجة النظرة الواقعية لأولياء الأمور وتقييم حال الأبناء في الأخير ترى الكثير يغادر المدارس الخاصة لعدة أسباب ومنها: مستوى الكثير من المدرسين المتدني علمياً وتأهيلياً والذين يتم التعاقد معهم برواتب زهيدة، حتى أولئك المؤهلين تجد القلة القليلة منهم يقومون بالواجب التعليمي على أكمل وجه نتيجة عدم وجود الحوافز من تكريم ورواتب وإجازات وتأمين اجتماعي، وكذا ارتفاع رسوم الدراسة في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور الذي يعيشه الوطن، ففي المدارس الخاصة ترى المستوى الاقتصادي للطلاب متشابها ويقل احتكاكهم بالطبقات الأخرى فينشؤوا بعيدين عن الواقع الحقيقي المعاش، فيصبح هذا الأمر أكثر سلبية عند الأطفال الصغار عندما لا يجدون الفرص للاحتكاك بأطفال من طبقات مجتمعية أقل منهم مادياً”.

**أسهمت في التخفيف عن الحكومة**


فيما ترى أميمة المقطري - مدرسة بمدرسة خاصة - بأن المدارس الخاصة تحل أزمة الحكومة من ناحية الزيادة في عدد المؤسسات التعليمية لاستيعاب الطلاب المتزايد، وذلك لتزايد عدد الطلاب بالفصل الواحد والذين يتجاوزون في بعض الأحيان 60 طالبا في المدارس الحكومية، ومن هنا أصبحت المدارس الخاصة تخفف الحمل على الحكومة ووزارة التربية والتعليم بالإضافة إلى تشغيل الخريجين مما يخفف من أزمة البطالة إلى حد ما إذا تم على الشكل الصحيح، أما عندما يكون عكس ذلك فيؤثر بشكل سلبي على العملية التعليمية”.

وتعزو أميمة ارتفاع معدل النتائج في المدارس الخاصة التي لا تتناسب بعضها مع مستوى الطالب إلى سياسات بعض الإدارات من ناحية اعتقادهم أن هذا سوف يزيد من الإقبال على مدرستهم أو لأي أسباب أخرى”.

من جانبه أكد الأستاذ هشام البركاني - مدير إدارة النظم والمعلومات في مؤسسة النقيب التربوية - أن “هناك بعض المدارس الخاصة لا تستحق هذا الاسم وسلبيتها أكثر على العملية التعليمية”، مؤكداً على “غياب دور الجهات المختصة التي تتحمل الجزء الأكبر في الحال الذي وصلنا إليه، والمطلوب من الجهات المعنية والمختصة هو تشكيل لجان خاصة لتقييم تلك المدارس وضبط المدارس المخالفة ومعرفة المدارس التي تستحق أن تستمر والمدارس التي تسحب منها تراخيصها وتغلق، وكذلك تشجيع المدارس النموذجية وتذليل الصعاب أمامها حتى تسهم في تطوير التعليم على أسس علمية صحيحة وبناء مجتمع متعلم ومتحرر من قيود الجهل والتخلف”.

وأضاف البركاني: “من متابعتنا أن أهم المشكلات التي تعاني منها المدارس الخاصة وحتى الحكومية هي عدم توفر الكتاب المدرسي وهذه المشكلة ليست وليدة اليوم بل تتكرر كل سنة مع العلم أننا نجد الكتب متوفرة في الأسواق ولا ندري كيف وصلت إلى الأسواق؟ ومن باعها والمسئول عن توزيعها في الأسواق السوداء؟ ولماذا لا يتم محاسبة ومعاقبة المسئولين عن ذلك؟”.

وأردف البركاني: “ومن المشكلات الأخرى وصول دليل المعلم دائما متأخرا وتعاميم إدارة التربية أحياناً لا توصل لأغلب المدارس نتيجة غياب التواصل والمتابعة من قبل التربية”.

وعتب البركاني على “العشوائية والارتجالية التي تسير عليها وزارة التربية والتعليم وغياب الخطة والاستراتيجية التي تسيّر العمل التربوي والتعليمي بنجاح وهذه أهم أسباب تدني مستوى التعليم”.

ووجه البركاني كلامه في ختام حديثه إلى القائمين على إدارة منظومة التربية والتعليم قائلاً: “حتى نستطيع أن ننجح ونمشي في الطريق الصحيح لابد على وزارة التربية والتعليم أن يكون لديها عمل منظم وخطة واستراتيجية طويلة الأمد نمشي عليها ومن خلال ذلك نستطيع تقييم عملنا ومعالجة القصور والسلبيات، ونستطيع أيضا محاسبة المقصرين والمخالفين بعيداً عن العمل العشوائي والارتجالي الذي كان ومازال هو العنوان الأبرز في أداء وزارة التربية والتعليم”.

أما الأستاذة هيفاء البان - وكيلة مدرسة الأمجاد الأهلية بالشيخ عثمان - فقد أوضحت أن المدارس الخاصة وجدت لمساعدة وتخفيف الضغط والعبء على المدارس الحكومية”، مضيفة: “يوجد مثلاً هنا في محافظة عدن حوالي 114 مدرسة أهلية تستوعب 30 ألف طالب، وهذا رقم مهول ويخفف العبء على المدارس الحكومية، ولكن هناك الكثير من المشاكل التي نواجهها كعدم وجود الكتب المدرسية، وقد اضطررنا لشرائها من السوق السوداء على حسابنا الخاص، والمفروض أن التربية والتعليم هي التي تسلم لنا الكتب في الوقت المحدد لأن كل مدرسة خاصة تدفع مبلغ معين لإدارة التربية بداية كل عام، والمسئولية تتحملها وزارة التربية في صنعاء لأن مشكلتنا دائما مع المركزية، ومع ذلك نحاول أن نتغلب على المعوقات التي تواجهنا بجهودنا الذاتية حتى نستطيع تقديم الأفضل من أجل طلابنا”.

**التربية.. في خبر كان**

من خلال متابعتنا لحال أوضاع وحال المدارس الخاصة وحتى الحكومية وجدنا أن أغلبية المشاكل والمصاعب التي تعانيها هي نتيجة لسلبية أداء إدارات التربية والتعليم سواء في المركز أو في المديريات، دورها للأسف غائب جداً وقد علق أحدهم ساخراً إن إدارات التربية لا نراهم إلا أيام الامتحانات الوزارية لتسهيل عملية الغش للطلاب، وهذه للأسف حقيقة موجودة على الأرض.. نتمنى على وزارة التربية والتعليم أن تقوم بدورها على أكمل وجه فهؤلاء الطلاب هم أمانة في أعناقكم فهم جيل المستقبل الذي سيبني الوطن إن أحسنا بناءه علمياً وثقافيا، وإن مارسنا عليه التجهيل سيتحول إلى معول هدم للوطن وما نعايشه الآن من فوضى وحروب وخراب هو نتيجة الجهل والأمية.. نتمنى أن تصل الرسالة.