الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

شمسان فوق البركان

25 مارس 2015 الساعة 09:00
محمد العولقي
* أقر وأعترف والإعتراف سيد الأدلة بأن الصحافة الرياضية ، تنحدر كثيراً عن الواقع ، فتتعاطى مع الأحداث الرياضية ، ورموزها ، إما بالشعار الإستعماري السامج "فرق تسد" أو بلغة "التلون" التي تحتاج إلى (طبل يفقع لك بشن من أجل تقضي شأن) كما قال الفنان "أبو بكر سالم بلفقيه ".. ومبعث تبرمي الواضح أننا في الإعلام الرياضي نعطي ظهورنا للترعة .. فنصطاد بالتالي الكثير من اللقطات البعيدة كل البعد عن "معطيات" التوازن العقلاني.

* والسر الذي لم يعد سراً أن لاعباً كبيراً ومدرباً قديراً مثل الكابتن علي بن علي شمسان لم ينل حقه الأدبي من أقلامنا ، رغم أنه لا زال يكدح مع "الناشئين" ، ويضع عسله في "خلايانا" النائمة ، القادم من بستان أزهار بعمر الورود.

* ربما لم يخطئ الشاعر "زهير بن أبي سلمى" وهو يغازل "شمسان" قبل أن يدركه الحول "الثمانين" فبحسب الفراسة يبقى الكابتن "علي بن علي شمسان" جبلاً في رأسه نار .. شأنه شأن "صخر" الذي مات وقد إلتصقت به صفات وسجايا من وزن حمال ألوية .. هباط أودية .. شهاد أندية .. للجيش جرار .. على ذمة شقيقته المكلومة "الخنساء".

* لم يشتك الكابتن "علي بن علي" من نوائب الدهر .. ولم يتسول يوماً "مانشيتاً" ، ولم ينجر خلف الصحافة الرياضية ، ليطلب منها أن ترثي تاريخه الطويل ، بزنبقة "ذكرى" تنفع المؤمنين ، الصابرين المرابطين في ميادين العمل ، وملاعب الوفاء والاخلاص ، بل كان يدير ظهره لزوابع الصحافة ويعلم أنها مليئة بمساحيق "النفاق" ومكياج "الأفاقين".

* كان في عصره الذهبي لاعباً محبوباً .. وقائداً من الطراز الذي يعطي لشارة القيادة قيمة وقمة ومقامة في زمنه ، كلاعب إنتزع "مفردات" الإعجاب إنتزاعاً .. وسطا كثيراً على مداد الإطراء حاصداً الكثير من "التراكيب" اللغوية لتلتصق به "مان تو مان" في مسيرته الرياضية.

* ولم يخلف الكابتن "علي شمسان" وعداً .. فنهل من الملاعب "خبرة" سنين.. تراكمت في تلافيف ذاكرته كخبير كروي يمتلك حاسة سادسة ، يكتشف من خلالها "الموهوبون" بنفس درجة إنقضاض أسد جائع على فريسة طازجة.

* صحيح أن الكابتن "علي بن علي شمسان" ظل ظلاً للإهمال في نادي "الوحدة" ، وظل عرضة للتجاهل ، دون قياس مردوده ، كخبير كروي يمارس "تشريح" المواهب على طاولة حدسه الرفيع لكنه ظل في نظر محبيه .. وما أكثرهم وأحسب نفسي واحداً منهم أسطورة حية تتخذ من "التواضع" والقراءة في تجارب الآخرين ، سلماً نحو الصعود إلى الفضاء الذي يبدأ بخرم إبرة ، كما يقول علماء "الفيزياء".

* وللعزيز "علي بن علي شمسان" محبة خاصة ، تفوق كل تصور ليس لأنه يمارس مهنة التدريب ، في قطاع صعب ، في ظل شحة الإمكانات وتواري نادي "الوحدة" ، عن أنظار الساحة الخلاقة ، ولكن لأنه رجل بسيط للغاية يحرص على تطوير مداركه التدريبية في كل مرة يتسنى له الكشف عن الجديد في ميادين الحذق التدريبي.

* مؤخراً فوجئت بعلي شمسان يحتل "طابور" المشاركين في دورة دي (D) التدريبية تحت قيادة صديقه ورفيق مشواره البارع "محمود عبيد" حيث كان الأخير يعتمر طاقيته الشهيرة ، التي باتت ماركة مسجلة فقط بإسم "محمود عبيد" القلب الأبيض ، الذي لا ينبض ، إلا للأخضر فتعجبت ، وقلت لنفسي : مثل "علي بن علي شمسان" لا يحتاج إلى شهادات على الورق .. فمخه المرسوم بمنحنيات الكرة ، يختزن أعلى الشهادات .. فكيف له أن يجلس على مقاعد "الدورة" ، جنباً إلى جنب أحفاده ، وقد علمهم فنون الرماية ، إلى أن إشتدت سواعدهم.

* راجعت تاريخ " علي بن علي شمسان" وبعد قراءة سطحية إكتشفت أن رجلاً مثله يتنفس كرة القدم .. وتستهويه قوانينها .. لا يمكنه أن يكل أو يمل عن "المعرفة" .. ولقد قفزت إلى ذهني القاعدة المعمول بها في عوالم "والت ديزني" التي تقول :"أترك العرض في الوقت الذي يطالب فيه الجمهور بالمزيد".

* ولأن العارف لا يعرف فليس لي من حيلة سوى الإبتعاد عن إستدرار عواطفكم فقط لأن الكابتن "علي بن علي شمسان" صلب وشامخ كجبل "شمسان" وطود صارخ ، لا يتنفس إلا الهواء النقي ، من قمة "مثاليته" فهو من النوع الذي يقفز الحواجز ولا يناقش في الأجور والحوافز، لأنه رجل ، يمارس العشق العذري لكرة القدم ، إن توقف قليلاً عن التدريب فلا ينطوي في "محراب" الملذات السلبية ، بل تجده لاعباً ، يركض في الملاعب إيماناً منه بأن كرة القدم لا تلتزم بالسن وطالما وأن "العشق" هو من يحركها ، فلا بأس من تقديم دروس مجانية ، لجيل اليوم الذي لا يعرف من كرة القدم ، إلا موضة القمصان وتسريحات الشعر والركض بدون مخ.

* أعرف أن شهادتي في "علي بن علي شمسان" مجروحة .. وأعرف أنني تأخرت كثيراً عن إنصافه ، ككفاءة تقطر إبداعاً وخلقاً وتواضعاً.. وعذري أنني تأثرت في الفترة الأخيرة بأجواء "صنعاء" المرتفعة عن سطح البحر .. وهو عذر يشير ، إلى إنخفاض واضح في لياقتي الكتابية في الآونة الأخيرة .. ومع ذلك .. فلا بأس من الرجوع ، إلى "الفضيلة" ومصالحة عشاق الكابتن "علي بن علي" ، ولو بركوب ، موجة المثل البولندي الشهير :"إن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي".

* ما رأيكم لو أننا بادرنا بتكريم الكابتن "علي بن علي شمسان" في ساحة الرياضيين ، الذين أناروا لنا طريقنا بعد أن أتم الله نوره عليهم؟! ما رأيكم أن نسارع ونعد العدة لإقامة إحتفال مصغر نشعل فيه الشموع ليس بعدد سنين عمر "علي بن علي" ، بل على عدد عشاقه ومحبيه وتلاميذه الذين تخرجوا من مدرسته النجيبة؟..ما رأيكم يا زملاء "علي بن علي" أن ندخل الفرح والسرور إلى قلب صاحبنا مترجمين إعتزازنا وتقديرنا إلى واقع .. حتى لا نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا؟!

* في تصوري أن الكابتن القدير "علي بن علي شمسان" قمر سرمدي لا يخسف نور ضيائه .. وهو "فنار" حي ، يرشد الأجيال الناشئة ، إلى الطريق الصحيح .. مستنجداً بخبرة رياضية طويلة ، صنعت منه خبيراً كروياً بفلسفة لا تجد لها مثيلاً .. وهو من أنصار العمل الميداني ، بعيداً عن التنظير ومزايا التأطير ، ورجل مثله ، يستحق عيد ميلاد جديد ، والكرة في ملعبنا وملعب زملائه فمن يبادر أولاً يكسب الأجر والثواب؟ وحتى إن لم تفعلوا وتلبوا دعوتي بحكم ضيق ذات اليد .. فشمسان يغلي بخبرته وتضحياته وشهاداته فوق البركان لأنه في زمن القحط الكروي أسطورة مثل (السوبرمان).