الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

عاصفة السياسة السعودية

30 مارس 2015 الساعة 09:00
فضيلة الجفال
اليمن كان السفينة المثقوبة التي بدأت المياه تسحبها إلى الأعماق حيث الغرق، واليمن أيضا كان القطعة الأخيرة لاكتمال (البزل) puzzle في يد إيران. وقد قامت السعودية بمهمتها الحازمة في اللحظة المناسبة تماما دون تأخير إضافي. فمن يطلب السلام حين تكون الحرب ضرورة ملحّة، يخسر الحرب والسلام معاً. وهي ليست حربا على كل حال لكنها معالجة عاجلة. كما أن أي تردد خليجي، إقليمي أو دولي لن يكون سوى تعميق للخطر الذي يستعصي بعده الحل. ولا حلول بعد الغرق. اليمن الذي توحد عام 1990 بصورة اعتبرها البعض قسرية بات يتشظى في تسلسل درامي خطير وسريع جدا.

قرار عاصفة الحزم هو قرار استراتيجي أكثر من كونه مجرد عملية عسكرية واحدة، قرار له تداعيات ونتائج بعضها مباشر وبعضها ممتد، تماما كما هي قيمة التحالف العربي والإسلامي. والتحدي يبقى في استمرار إدارة دفة المسار بنجاح. العملية واحدة من جملة تحركات قادتها السعودية لإعادة توازن القوى في المنطقة، وتعزيز هيبة ومكانة وقوة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي. وهي أيضا جزء من عقيدة السياسة الخارجية الحازمة التي يتبناها سلمان بن عبدالعزيز في عهده، والتي بدت معالمها قوية وواضحة منذ نحو شهرين، لتتماهى وتحديات المنطقة. والسعودية تعيد توجيه البوصلة تماما معتمدة على نفسها وحلفائها في المنطقة أيضا. للعملية العسكرية معنى عميق الدلالة، ورغم عدم خلوها من المخاطر إلا أن إيجابياتها تتعدى السلبيات بكثير، فيما لو استمر الصمت إزاء ما يحدث. عاصفة الحزم رفعت المعنويات العامة وأعطت دروسا، وهذا بحد ذاته انتصار في عرف “الاتصال السياسي”، لا يستهان به، لا سيما وأن القوى العظمى كأميركا تبحث بطبيعة الحال عن الورقة الرابحة لمصالحها.

لقد كانت سياسة تراتبية متداركة خلال الشهر الماضي، وهي إعادة شرعية الرئيس هادي من خلال عدن كعاصمة جديدة بعد السيطرة على صنعاء، ودعوة الفصائل المتمردة إلى الانضمام للشرعية. ولم تكن المناورة العسكرية على الحدود بين السعودية واليمن من قبل المتمردين الحوثيين ومن ورائهم صالح، قبل أقل من أسبوعين من العملية العسكرية، سوى محاولة استفزاز وتهديد ضمني للسعودية. خطورة اليمن على السعودية ليست فقط من الجانب الأمني، بوصفها الحديقة الخلفية، والذي يتمثل في تفتت اليمن، بل في خطورة المشروع الإيراني على حساب الأمن القومي العربي، وخطر القاعدة في اليمن، وتهديدات تطال المستويين الإقليمي والدولي، ومنها مضيق باب المندب اللذي يشكل أهمية استراتيجية وملاحية واقتصادية للعالم أجمع، بصفته معبرا لعشرات الآلاف من ناقلات النفط. وبما في ذلك أهميته لمضيق هرمز ولمصر والتأثير على سير الملاحة في قناة السويس. لذا فقد سعى الحوثيون للسيطرة على المضيق من خلال السيطرة على مدينة المخاء الساحلية.

هكذا عرفنا سيناريو عاصفة الحزم المباغتة في الأيام الأخيرة. أما السيناريو القادم، فالأمل أن تكون العملية العسكرية وفق التخطيط وهو الأكثر ترجيحا رغم تحدياتها المركّبة، وإن تطلب ذلك للأسف وقتا طويلا. وقد كانت أولى ملامح ذلك تأييد بعض أكبر قبائل اليمن للموقف السعودي، تزامن وبيان حزب المؤتمر الذي يترأسه صالح بدعوة الخليج إلى الحل السلمي وإيقاف العملية العسكرية. وإن كان صالح وابنه مستبعدين من أي حوار مستقبلي. ويبقى الأمل قائما بإمكانية الحل السياسي، في ظل استمرار عمليات عسكرية للضغط على الفصائل المتمردة، والذي قد يكون كافيا حتى الأيام القادمة.

أما دعم أميركا اللوجستي فقد يتطلب ما هو أبعد من ذلك في المرحلة القادمة إن استلزم الأمر، في ظل الواقع الجديد. خطر قاعدة اليمن أكبر من داعش، ووضع اليمن يتجاوز بكثير مسألة ما يحدث في أي دولة عربية أخرى كسوريا والعراق أو حتى ليبيا، وإن كانت لكل دولة طبيعة خطورة معينة. تماما كما أن خطورة تمدد إيران أكبر من خطورة مشروعها النووي الذي ليس سوى واحدا من عمليات تعميق كيانها. والمرجو ألا يتعدى رد فعل إيران “التصريحات” بين وقت وآخر، وهو المرجح لصعوبة أي طريق آخر قد تفكر في أن تسلكه لاستمرار دعمها للمتمردين. ويبقى التدخل البري خيارا أخيرا آخذا في الاعتبار المعطيات الحالية، على أمل أن تعود عربات اليمن المنحرفة عن القطار إلى الالتحام جميعا تحت مظلة الشرعية.