الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

المواطن الشراعي: اعتقلوني بتهمة الردة والإساءة لجماعة دينية.. إب.. عندما يكرم اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين رجل جهاز الأمن السياسي

30 مارس 2015 الساعة 09:00
بشعور طافح بالألم والسخرية معاً، يتذكر المعلم/عبدالسلام قاسم الشراعي (42 عاما) كيف أن ضابط في الأمن السياسي استدرجه ذات نهار من المدرسة التي يعمل بها في محافظة إب، بعد أن اطمأن إليه على أنه من معاريفه، ليجد نفسه بعدئذٍ في زنزانة انفرادية بمساحة 1,5 * 2 متر، ومتهما بالردة، والإساءة لجماعة دينية.. يطل مقر جهاز الأمن السياسي في محافظة إب من على تل مرتفع شرق المدينة، مستشرفا أجواء سياحية، غاية في الروعة والإمتاع، بينما الشراعي لأكثر من أسبوعين لم يكن يطل من داخل المقر سوى على «تعذيب زائغ للفكر»، في زنزانة لا يميز فيها الليل عن النهار، وسجَّان عتيد لم يفكهُ عنه سوى إحالته إلى النيابة التي أفرجت عنه بالضمان، بحسب قوله.

لم يكن الشراعي المعتقل الناصري الوحيد في صفوف تنظيم لطالما وقعت بعض قياداته وكوادره ضحية ذاك الجهاز المنعوت بـ «سيئ السمعة» في أواخر سبعينيات القرن الماضي وثمانياته، أيام ما عُرف بفترة «العمل السري»، بيد أن ما تميز به هو التهمة التي يصفها بـ «النكتة».


«اعترضت على عرض إدارة المدرسة فيلما للطلاب تضمن تحريضا فتنويا طائفيا» يقول عبدالسلام أثناء ما كان يسرد لـ «الأيام» تفاصيل من الذاكرة عن اعتقاله، حدث هذا معه في العام 2006م، عندما تطوع زميل له بالعمل بالدس عليه لدى جهاز الأمن السياسي، حسب ما يقول، «حاولت أدافع عن نفسي، وأوضح وجهة نظري، فجاء الرد من أنت حتى يكون لك رأي، هذه سياسة دولة، مش عليك» يضيف عبدالسلام وهو يرسل زفرات حارة في صيف لاهب.

لاشيء ربما تغير عما في الذهنية العامة عن أداء وسلوك موظفي جهاز «أمن الحاكم» سوىأ «لم يعد بتلك الهيبة، من بعد استعادة اليمن وحدته، وإنشاء جهاز الأمن القومي، بحسب السياسي المحامي فضل الحسني في حديث خاص مع «الأيام».

بل ما تغير هو موقف التنظيم الناصري الذي ينتمي إليه مدرس اللغة العربية الشراعي، وهو يحتفل الأربعاء الماضي بوداع رجل البوليس السياسي الأول في محافظة الثجة (إسم إب القديم)، ويمنحه درعا تكريميا، قدمه له أمين سر التنظيم خالد هاشم باسم تكتل اللقاء المشترك.

بالنسبة لكثيرين لم يصلهم شيء عن سيرة العميد محمد علي الطبيب، مدير الأمن السياسي في محافظة إب لما يربو عن ست سنوات، بدا الأمر لافتاً ومستغربا، ومثيرا لعلامات استفهام، بيد انه بالنسبة لرئيس منظمة «رصد» للحقوق والحريات في إب عرفات حمران يعد أمرا طبيعيا.

« في محافظه هي الأكثر انتهاكا للحريات الخاصة والعامة كان جهاز الأمن السياسي الوحيد الذي لم نسجل ضده انتهاكا واحدا» يقول حمران لـ «الأيام» مدافعا عن تكريم منظمته لمدير الأمن السياسي.

«تخيل ان السلط المحلية المنتخبة من الشعب صادرت حقوق المواطن، المشايخ، قيادات أمنية وعسكرية، جميعهم قمعوا المواطن ومارسوا ضده انتهاكات، جهاز الامن السياسي الوحيد الذي احترم الانسان كإنسان» يضيف رئيس منظمة رصد في إشارة منه إلى فترة تولي العميد محمد الطبيب منصب مدير الجهاز السياسي بالمحافظة.

ثمة إجماع في إب على خُلق وأداء جيد تحلى بهما مدير امنها السياسي العميد الطبيب اثناء فترة عمله فيها، تجاوز لاحقا الى الانتقال للحديث والبحث عن «امكانية جعل رجل الأمن السياسي يحظى باحترام الجميع، رغم الكثير من الانطباعات السيئة إزاء أجهزة الأمن، وبخاصة الأجهزة الإستخباراتية، ومنها جهاز الأمن السياسي، والتي يأتي انطباع المثقف واحدة منها بحكم العلاقة الشائكة بينهما» بحسب الشاعر والكاتب احمد طارش خرصان.

يقول خرصان لـ «الأيام»: «لعلها المرة الأولى بحسب ما أعرف أن يمنح أديب ومثقف درع تقدير لرجل استخبارات وأمن سياسي»، في إشارة إلى ما قام به رئيس اتحاد أدباء وكتاب إب عبدالإله البعداني من تكريم الطبيب بدرع الاتحاد في حفل الوداع.

من وجهة نظر السياسي والقيادي النقابي فضل الحسني يعتبر ما جرى من تكريم للطبيب «تكريماً متعدد الأوجه» من ذلك بحسب الحسني «تقدير واحترام المجتمع لمن يقوم بواجباته الوظيفية بنزاهة وشرف واستقامة، بالأخص منها الوظائف الحساسة».


يوفر العمل في جهاز الأمن السياسي فرص للنفوذ، والإثراء، والأضواء، على الاقل في بلد ينتشر فيه الفساد على نطاق واسع، وتتواطأ فيه الرقابة والمحاسبة مع مرتكبيه إلى حد القرف.

وفي محافظة تعد ثاني أكبر المحافظات سكانا توفر للطبيب ذلك، لكنه بحسب رئيس منظمة رصد عرفات حمران «لم يستخدم نفوذه ضد أو مع أحد».

ساعات الاحتفال الخاص يقول المثقف احمد خرصان « لم يتجاوز شعوري شعور مواطن يدرك تماماً ما كان يملكه الرجل من أدوات قمع وسلطات واسعة تمكنه من القيام بأشياء كثيرة غير ان الرجل بحسب خرصان «آثر ترشيدها إن لم نقل لم يستخدمها، وعمل بنزاهة واستقلالية لم يكن للضغائن والتوجيهات المسبقة أي أثر في تعامله مع كل فئات المجتمع».

حساسية تلك الوظيفة التي تحدث عن طبيعتها الحقوقي حمران وشعر بها المثقف خرصان هي ما جعلت السياسي والقانوني فضل الحسني يقر بانه لولاها لما حظي الطبيب بذاك التكريم، ليس لانه سيكون اقل احتراما وفقا للحسني، ولكن لحساسية تلك الوظيفة، وما تسمح به من نفوذ وأذى وثراء بأسلوب او بآخر على حد تعبيره.

الجزم بانتهاء الصورة المشوهة والمخيفة لرجل الأمن السياسي في الذهنية العامة بتكريم إب للطبيب لا يزال بحاجة ربما الى اكثر من طبيب، أو إلى موظفين في الجهاز على شاكلته، وهو ما جعل الحسني في معرض حديثه لا يجزم بانتهاء تلك الصورة، معتبرا ما حصل من تكريم للطبيب «لا يعني ان المجتمع قد اصبح راضيا عن اداء موظفي الجهاز». ويضيف: «في الواقع هناك من منتسبي الجهاز من لا يزال مكبلا بثقافة الماضي المرتكز على الهيمنة والسيطرة واستغلال السلطة في القمع والعبث بالحقوق والحريات، ويرفض ان يتنازل قيد أنملة عن ذلك».

بالنسبة للناشط الحقوقي عرفات حمران يعتبر الطبيب حالة نادرة، بالنظر إلى واقع مثخن بالانتهاكات على حد قوله.

بيد أن السياسي فضل الحسني يراهن على إمكانية خلق علاقة جيدة ما بين المواطن وموظف الأمن السياسي متى ما استوعب الأخير ما يقول عنه الأستاذ الحسني «التغيير والتغير في نهج وعمل الجهاز المتمثل في المهام التقييمية والبحثية القائمة على تحليل المعلومة من خلال معطيات الواقع، بحيث يعيد ترتيب سلوكه ومسلكه وفقا لذلك»، لافتا الى ان البعض من موظفي الجهاز بدا يستوعب ذلك.

وهو ذات الأمر الذي جعل القيادي في اتحاد أدباء إب أحمد خرصان يذهب في معرض حديثه إلى عدم استبعاد نشوء علاقة جيدة في المستقبل ما بين المواطن ورجل الأمن السياسي عموما، والمثقف خاصة، «متى استشعر الطرفان أسس العلاقة والمساحة التي يتحركان فيها»، كما قال خرصان مشترطا «حضور الهم الوطني في ذهنية المثقف، ورجل الإستخبارات حضوراً واضحاً ومحددا، وأن تقوم هذه العلاقة على احترام الحقوق والحريات، دون تعارض ما يقوم به الأول مع ما يؤديه الثاني، وترسيخ ذلك في الذهنية العامة» بنص كلامه.

وحتى حضور تلك المساحة من علاقة الاحترام المتبادلة ما بين رجل الشارع ورجل الأمن المخابراتي تتطلع محافظة إب الى تكرار تجربة العميد محمد الطبيب مع إحلال مدير الأمن السياسي الجديد العميد عادل عنتر مكانه، وهو ما تمناه عبدالسلام الشراعي مدرس اللغة العربية، مفضلا أن يكون التكريم في حال نجح عنتر رسميا لا ناصريا.