الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

أوان الاقتصاد

7 أغسطس 2017 الساعة 10:00
د.علي عبدالكريم
قبل أيام كنت مع طيف كبير من المهتمين بالشأن الاقتصادي نتبادل أطراف الحديث حول الوضع الحرج لبلدنا الجريح، والذي بات للأسف أكثر من جريح ...كان محور الحديث منصبا حول ما يعنيه تقرير الأمم المتحده الذي يشير إلى أن بلادنا المكلومة باتت تحتل ودون منازع المرتبة الثانية عالميا كأفقر بلد في العالم، ولا يوجد ما يحول مطلقا دون انزالقها إلى المرتبة الأولى كأفقر دول العالم بل إلى ما دون ذلك.

وضع كهذا كارثي بكل المعاني، طارد لكل مقومات الحياة والاستمرار، ناهيك عن ذوبان عامل الاستقرار المعيار الأساس الذي يعتد به ويتم اعتماده، والسؤال عنه والتأكيد عليه عند أي حديث له علاقة بالاقتصاد الوطني وعناصره من قطاعات وعناصر إنتاج ومناخات استثمار وغير ذلك من عناصر وعوامل تسعى لقهر عنصر الفقر إذا تظافرت عدة عوامل تمتلك فعلا مقومات الإرادة الوطنية ومعها عمل مؤسسي مخدوم بنظام متكامل تقوده دولة وطنية تشكل حارسا أمينا يلعب دورا رائدا وحاميا لمصالح كل الأطراف المدعوة للإسهام في عملية التنمية الشاملة، المتكاملة، المستدامة، لا تحلق في الفراغ ولكن ضمن واقع وإمكانات وتوقعات مدروسة، ذلك مدخل ضروري... لماذا؟، لأن معالجة موضوع الفقر عبر مفاتيح التنمية لا يمر دون الاعتماد على ما يملكه العقل الإنساني من قدرات تستطيع إعادة صياغة الموارد وتوجيهها لخدمة الناس عبر معادلات تتحقق من خلالها عدة أهداف لعل من أهمها حسن إدارة وتوجيه الموارد والتأكد من موضوع العدالة في إعادة توزيع مخرجات التنمية، بحيث لا تتسع الهوة ولا تتزايد مساحات الفقر والإفقار، كي لا نصل إلى الحالة التي أصبحنا معها نحتل المركز الذي لا نحسد عليه فقرا وإفقارا تتزايد مظاهره ومعدلاته بين شرائح لا تمتلك قوتها اليومي وشرائح تستولي وتستحوذ وتمتلك مفاتيح الثروة وإعادة توزيعها بطريقة تفتقد مبادئ العدالة والإنسانية والمبادئ التي يتم التشدق كذبا بها كل يوم.

هنا دعونا نؤكد وندعو بصوت واضح وجلي: لا اقتصاد دون رؤية سياسة ذات طابع علمي وأرضية وطنية واستشراف وقائع وحقائق الواقع الاقتصادي وإمكاناته الماثلة، وتلك التي يختزنها في جوفها سياسة لا تختزل مصالح الأطراف بل تعمل على توفير كل ما يضمن مشاركتها دون إقصاء ودون تحيز أو تميز، وهنا يبرز دور العمل المؤسسي المنظم والقوانين التي تخدم وتفصل بين مصالح تتعارض ضمن منظومة تنافس مشروع / تنافس غير محصن بمراكز قوى وأضلاع فساد تعطل العمل المؤسسي والقانون وسيادته معا.

إن أوان الدخول لميادين الاقتصاد بالوعي المستوعب لحقائق العصر والذي بتنا معه سوقا ضعيفة تابعة إمكاناته مصادرة وموارد يجري إيلاجها قسرا ضمن قنوات أسواق ومصالح تعمل خارج النطاق الوطني.. وأنا هنا أتحدث عن الحيتان الضالة مما يدعونا إلى إعادة الإمساك بالدفة من جذورها.. والسؤال عن من عليه تحمل عبء مسؤولية كهذا؟ الحكومة، القطاع الخاص، الدولة، الرواد من المثقفين والمفكرين ومنظمات المجتمع المدني، كل هذه المسميات للأسف إما ضعيفة أو تابع’ أو مغيبة، أو يجري مصادرتها كالدولة التي نسعى جميعا لاستعادتها.. إنها مسؤولية جسيمة صعبة، نعم لكن ليست مستحيلة لها شروط:

- الاستعداد لإدراك أن ترك الأمر كما هو كارثة بكل المعاني.

- الدعوة إلى تبني نخبة من كل القطاعات لدائرة مستديرة تجيب على تساؤل: اقتصادنا إلى أين؟!!.

- الدعوة الى مؤتمر اقتصادي وطني محدد الوقت والأهداف للتباحث حول سؤال: وما العمل إذن؟!! ..

اختتم هذه الورقة بالإشارة إلى موضوع دعاني إلى كتابته وهو مرتبط بالحال المتقطعة التي تربك الناس والتنمية معا، وأقصد بذلك تقطع تموينات السوق باحتياجاته من مادتي الديزل والنفط المكرر.

إن استمرار هذا التقطع يشير إلى وجود خلل هيكلي، وهو للأسف كذلك يحتاج إلى ما هو أكثر من معالجة سطحية مؤقتة.. إنها قضية باتت تتطلب سياسات تواجه هذا الخلل في العمق إدارة.... استيرادا توزيعا ضربا لديمومة حالات احتكارية أي كان شكلها ومحتواها: إدارة، جهات، وجاهات، استمرار تنامي مصالح تريد تأبيد مصالحها على حساب مصالح ومتطلبات استقرار السوق وإعدام أي توجهات تنموية، في محاولة مستمرة لسد المجال أمام أي جهات ذات كفاءة وسمعة يمكن أن تسهم وتلعب دورا ضمن منظومة تخرجنا من مسلسل المفاجآت المفزعة التي تبتز وبشكل ممنهج كل العناصر التي أشرنا إليها، لتؤكد دوما أن باعها لايزال قويا وفاعلا.. وهنا عزيزي لا تحدثني عن استقرار وتنمية ولكن حدثني عن مراكز قوى، حدثنا عن أثرياء النعمة على حساب وطن يرزح تحت خط الفقر المدقع بل ما دونه.. فقط حدثني أيضا عن ترسمل المحاسيب التي تزداد ثراءً على حساب وطن بات يحتل المرتبة الأولى فقرا، وتلك صورة قاتمة تعم اليمن الحزين كله.