الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

ذات عدن.. ذات زمن

8 أغسطس 2017 الساعة 10:00
التواهي
محمد عمر بحاح
أحزنني أني لن أرى عمتي سلمى بعد اليوم.

لقد غادرت الدنيا الاسبوع الماضي. نقل إلي خبر وفاتها اختي زينب عبر رسالة عزاء بالواتس، بكلمات أصابتني بالحزن وأورثت قلبي الألم: “عمتك سلمى اللي ذكرتها في مقالتك ماتت يوم الخميس”.

بكيت، كنت احبها جدا، لم ارها منذ عقود، وكانت تحضرني بشدة في الأيام الاخيرة قبل وفاتها، وانوي ان ازورها في اول زيارة الى حضرموت، لكن الموت كان أسبق مني اليها، وجل من قائل: “نحن أقرب إليه من حبل الوريد”.

تذكرون عمتي سلمى؟ لقد ذكرتها على نحو عابر في حلقة سابقة، وقلت انها تسكن في الخساف. لكن لم اقل لكم انها كانت من اطيب واجلد النساء، وكانت تربي اربعة أيتام، ثلاثة اولاد وابنة وحيدة. جاءت الى عدن مع صغارها، بعد وفاة زوجها بفترة من الديس الشرقية بحضرموت، وسكنت في بيت بالخساف استأجره لها اخ غير شقيق لاولادها من زوجة سابقة لزوجها المتوفى. وكانت تعامله كأم لا تفرق بينه وبين اولادها، بل وتعده كأب لهم، خاصة انه الاكبر، وبالمقابل يعاملها كابن، ويشعر بالمسؤولية الجسيمة التي ألقيت على عاتقه نحوها ونحو اخوته الصغار بعد موت الأب والمعيل، والحق انه قام بواجبه كما ينبغي للاخ ان يفعل نحو اخوته الايتام وزوج ابيه، حتى انه اضرب عن الزواج!!.

ذلك كان نزراً عن عمتي التي توفاها الله الاسبوع الماضي، غفر الله لها واسكنها فسيح جناته، وخالص العزاء لاولاد عمتي محمد، ابوبكر، عبد العزيز، ومنى ولكافة الاهل والأقرباء. انا لله وانا اليه راجعون.

غادرت عمتي سلمى ولن تعود، ولن اراها بعد اليوم.

(2)

تلقيت رسالة بالواتس من الباحث نجيب سعيد باوزير، عقب نشر الحلقة الخامسة من (ذات عدن .. ذات زمن) ابدى فيها ملاحظتين في غاية الاهمية وان اسماها تواضعاً منه، بالبسيطة، وتكمن اهميتهما في كون الملاحظتين تصحيحا لاخطاء وردت في تلك الحلقة مع اضافات عليها. واليكم الرسالة:

هما ملاحظتان تقريبا:

الأولى تتعلق بعنوان مسرحية باكثير الشعرية فهي لها عنوانان على عادة بعض المؤلفين في ذلك الوقت فما هو مكتوب على الغلاف في طبعة الصبان نفسها الموجودة معي: همام أو في بلاد الأحقاف، وليس: همام في بلاد الأحقاف كما ورد سهواً في المقال.

الملاحظة الثانية: صاحب مؤسسة الصبان اسمه علي محمد الصبان وأنا عرفته شخصيا وأنا صغير خلال زياراتي لعدن وكانت تربطه علاقة معرفة وصداقة بوالدي وغيره من أفراد الأسرة وقد أصدر الطبعة الثانية من كتاب والدي (معالم تاريخ الجزيرة العربية) كما نشر مجموعة (الرمال الذهبية) القصصية للأستاذ عبدالله سالم باوزير، أما عبدالقادر محمد الصبان فهو باحث وشاعر وهو أخ غير شقيق للأستاذ علي الذي ربما كان قد نشر ديوانا شعريا لأخيه ولكني لم أطلع عليه مع الأسف.

تحياتي لك أستاذ محمد.

(3)

تنشق عدن عن صباح منعش، وهواء شفيف، محمل برائحة البحر تنثره على سكانها الذين يستيقظون باكرا.. وعن اخبار واحداث العالم، تحملها مانشيتات الصحف الصادرة تواً، الان لم تعد تغريني كثرة البضائع، تنوعها، في فاترينات الحوانيت، زالت تلك الدهشة الاولى للصبي الريفي، لم اعد اتوقف كثيرا عندها رغم ما فيها من اغراء، ورغبة امتلاك لاتخطر على بال احد.. العين والدهشة، انتقلتا الى مكان اخر، الى المكتبات، الاكشاك، التي لا تقل جاذبية في عرض بضاعتها، من الكتب، المجلات، الصحف.. أتطلع الى العناوين، المانشيتات، الصور كانت كثيرة، وكل يوم تنزل الى الاسواق اعداد جديدة، ذاكرة الطفل تكون عادة قوية، اتذكر الاسماء، اسماء الصحف التي تتزاحم على مكتبات واكشاك البيع، كلما صدر عدد كان اخي محفوظ يشتريه كأنه لا يمل من هذه الهواية، يذكر الطفل انه احصى ذات يوم في غرفة اخيه الخلفية في الدكان الذي يشتغل فيه في حافة الهاشمي، نحو عشرين صحيفة اسبوعية، غير اليومية، كلها صادرة في عدن، متناثرة هنا وهناك فوق شوالات الارز، الدقيق، السكر، وصناديق الصابون، الفول، السمن، الشاي، وذاكرتي اتسعت لتذكر هذه الصحف، الاسبوعية : النهضة، البعث، الامل، الجنوب العربي، الفضول، القلم العدني، صوت الجنوب، الفكر، النور، العامل، الحقيقة، المصير، الصباح، الاخبار، العدني، الميزان، الساعة، الفاروق، العدنية، فتاة شمسان . وثمة صحف تحمل اسماء غريبة ك: القات، والجنبية!!!.

المعلا الرئيسي


ومن الاحزاب التي كان لها صحف تعبر عن فكرها ووجهة نظرها رابطة ابناء الجنوب العربي، وكان لها أربع صحف على الاقل هي: الجنوب العربي 1951، الحق 1965، صوت الجنوب 1961، الفاروق 1964. وكان لليسار صحيفتان تعبران عنه الاولى الامل لعبد الله باذيب وكانت لسان اتحاد الشعب الديمقراطي، والطريق لصاحبها ورئيس تحريرها محمد ناصر محمد. فيما كانت الصباح لسعيد الجريك، لسان حال القوميين العرب، والعروبة، لسان حال الحزب الوطني الاتحادي، والنضال لسان حال حزب الاستقلال، والحقيقة لسان حال حزب الشعب الاشتراكي وصاحبها محمد سالم باسندوة، والمصير لسان حال الجبهة القومية، والزمان لسان حال الجمعية الوطني الكبرى، والاقدم منها في الصدور صوت اليمن الصادرة عام 1946، وكان رئيس تحريرها محمد محمود الزبيري، والبعث لسان حال الجبهة الوطنية المتحدة.

كيف اتسعت عدن، هذه المدينة الصغيرة، لكل هذه الصحف، كل هذه الاحزاب، كل هذه الافكار، الاراء، الايديولجيات؟!!.

هنا تتجلى عبقرية عدن، بأنها كمدينة عصرية، بلغت درجة من النضج، وسعة الافق، والحكمة، بحيث تتسع للجميع، وتتقبل كافة الافكار، والمشارب، ويجد الكل فيها حقه في التعبير عن رأيه والاحتماء بالقانون، بوجود مساحة من الحريات والديمقراطية، المقننة.

كانت عدن قد اكتسبت قيم وثقافة المدنية، وتأثرت بروح العصر ومعايير فن وجمال الحوار، واحترام الرأي والرأي الاخر. لم تكن الصحف مجرد سلعة تعرض في السوق، بقدر ما كانت تعبيرا عن صراع راق، للافكار والرؤى المتباينة، المعبرة عن تجليات الواقع، وتأثيرات المحيط من حوله في الوطن العربي، وفي العالم الاوسع.

كانت عدن عبر حضورها السياسي والثقافي والاعلامي، تمارس دورها الحضاري بحكم ريادتها في محيط لم تتح له نفس الفرص من التعليم، والثقافة، والقوانين المدنية، والحريات، والتلاقح الحضاري والثقافي مع حضارات الشرق والغرب. كان عصرا تنمو فيه طبقات وفئات وافكار جديدة في المجتمع، ويبحث فيه الجميع عن دور ومكانة متقدمة، خاصة مع بروز افكار وتطلعات نحو الحرية والاستقلال.

عدن تقرأ...

لا لم تعد تقرأ فقط .. عدن تكتب، عدن تبدع، تفكر، الافكار تتوالد، تمتد، تحلق، تحوم، تبلغ النجوم، لاشيء كالافكار ينتقل بسرعة.

وعدن تملك التاريخ، الموقع الاستراتيجي، الروح، الارادة، المهارات، الصحافة، الاذاعة، التلفزيون، الثقافة، الشعر، الفن، والتجارة، والبحر الذي يأتي اليها، ولا يغادرها، كأنه الابدية.

عدن لا تذهب الى البحر، البحر يأتي اليها…

عدن لا تذهب الى الدنيا، الدنيا تأتي اليها…

عدن تقرأ...

عدن مدينة لاينحسر عنها البحر، وحين يفيض بحرها، يفيض فكرا، ابداعا، وتنويراً...

ومازال للحديث بقية.

نقل عن موقع "صوت عدن"