الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

السياسة وعقلنة العواطف

9 أغسطس 2017 الساعة 10:00
أحمد ناصر حميدان
كم هي معاناة العقل في الطرح السياسي في ظل وعي تغلبه العاطفة وينقصه الإدراك والتهذيب، في خضم صراع بين حب وكره، فيضعونك في أحدهما، فإن كرهك وصفك بأسوأ الأوصاف، وإن أحبك جعلك كامل الأوصاف.

العاطفة والعقل هما الأداتان اللتان بواسطتهما يدرك الإنسان العالم. وحين يتغلب أحدهما على الآخر تحدث حالة من عدم التوازن الإدراكي. لضبط هذا التوازن نحتاج (لعقلنة عواطفنا)، خاصة في القضايا المصيرية فيما يخص الوطن ومستقبل الأمة.

منذ ثورة أكتوبر تحمسنا لشعاراتها الثورية وحركات التحرر الوطني، انغمسنا أكثر فأكثر بتوجهاتها الاجتماعية ومناهجها الأيدلوجية السياسية، تجرعنا شعاراتها القومية والأممية والوطنية، صمدنا وتحملنا منتظرين أحلامنا الوردية، سربا لازلنا لليوم نعيشه واقعا، لا سيادة ولا استقلال لشعب مقهور ومهدور، مكبل الحرية بعواطف غيبت العقل، مستقبلا منشودا لازال بعيد المنال، كذبة كبرى اعتذر عنها الأولون، وقالوا كنا شبابا طائشا، اندفعنا خلف عواطف، أنتج طغيان القطب الأوحد للايدولوجيا، وضحاياه من المتضررين، لم ندرك حينها كم ظلما حل بالبعض، وكم شرد وكم هاجر مغصوبا من أبناء جلدتنا، عاشوا مهانين محرومين من وطنهم سنين وسنين عجاف، رأينا هذا الكم من الألم والقهر في أوجه ونفوس العائدين بعد الإصلاح السياسي والوحدة المقرونة بالديمقراطية، حينما انفتح البلد للجميع وعاد الناس لأرضهم وذويهم ومسقط رأسهم وممتلكاتهم.

هل اتعظنا؟! لم نتعظ وعدنا لعواطفنا ننجر خلف أوهام، في طريق نهايتها حضن مستبد، بدد كل شيء فلم نرَ ديمقراطية ولا وحدة عادلة، وبدأت عجلة الظلم تعود والطغيان يسيطر والمستبد يتربع العرش، وجد مصفقين ومطبلين وحاملي البيارق والمباخر وعاطفين غيبوا عقولهم، فصدمنا وفقنا بثورة ولازلنا ثائرين بكلفة عالية وثمن باهظ مستمرين.

هل سنتعظ بعقلنة عواطفنا، حتى لا تجرنا خلف شعارات وأوهام وأصنام، لنحقق أحلامنا وطموحاتنا ومستقبلنا المنشود في دولة ضامنة للمواطنة، ووطن يستوعب الجميع بكل أطيافهم وأفكارهم وتوجهاتهم؟.

حلمنا بالمدنية، ولا نجد غير العسكرية!، حلمنا بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، قيم نادى بها الإسلام قبل العلمانية، وأرادوا حرية تخصهم مختلفةً عن حرية الشعب، حرية تبيح لهم عقدهم النفسية وتعجرفهم، عدالة اجتماعية تضمن لهم مستوى ماديا مرموقا وسيارة فارهة، ورصيد بنكي، ووجاهة وسلطة وثروة، متسيدين متنمرين متوحشين، محميين بمليشيات يأتمرون لهم وتحت تصرفهم.

مسكين هذا الشعب صارت أحلامه شعارات ترفعها المصالح الضيقة وتستثمرها لأهدافها الصغيرة، ولهذا لازال يعاني ويتألم ويتوجع وهم يعيشون في بروج عالية مستثمرين هذه العاطفة الجياشة والفوضى العارمة لتنفيذ أجندتهم.

تلك البروج هشة يمكن أن تنهار في حال وجود دولة ضامنة للمواطنة فيها الإرادة الشعبية مصدر السلطات، حينما يتصدر العقل والمنطق ليوزن العواطف ويوجهها لوجهتها الصحية نحو المصلحة العامة والحلم والطموح في مستقبل مأمول، تسقط الشخصنة والأصنام والهتافات والشعارات الجوفاء، ويبدأ العمل مغلبين العقلانية والواقعية في مقاربتنا لقضايا مجتمعنا الحيوية وأولها إقامة دولة المواطنة في وطن يستوعب الجميع.