الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

حكايات جزء من اليوم

16 أغسطس 2017 الساعة 10:00
علاء عادل حنش
كم أنت عظيم أيها الرجل الأسود !

كنتُ قد قطعتُ عهدًا على نفسي أن لا أتجاهل البسطاء من عامة الناس، فعندي لا فرق بين أسود ولا أبيض، ولا قريب أو بعيد، إلا بأخلاقه ومواقفه وإنسانيته وشهامته.. هكذا هو دستوري.. فأرجوا أن تقبلوه أعزائي.

في يوم من أيام الأسبوع الفائت، ومع لجّة ما تشهده المدينة من أزمات عديدة، التي أثقلت كاهل المواطن حتى كادت تقصم ظهره، ونحن في فرزة الباصات صعدت امرأة عجوز للباص، ويبدو أن الحياة قد أنهكتها كثيرا، ومعها ابنتها الصغيرة- التي لم يتجاوز عمرها الـ14 عاما- فجلستا على كرسيين بمقدمة الباص، ولكن المرأة العجوز لم ترد الجلوس على كُرسيين، فكانت تحاول إفساح المجال لراكب آخر بجوارها، ويبدو أنها لا تملك إلا أجرة راكب واحد فقط، لكن في المقابل لا مجال ﻷن يصعد راكب آخر بجوارها.

ظلت العجوز توحي للرُكاب الذين على الباص ولسائق الباص ولـ(الكراني) بأنهُ لا بد من راكب آخر، فهي لا تملك مالا لدفع أجرة راكبين، لكنها- بكلّ تأكيد- لم تصرح بذلك، فالعزة والكرامة أثمن ما يملكه الشخص بهذه الحياة.

أوشك الباص على الامتلاء، ولم يبق إلا الكرسي الذي بجوار العجوز، بالإضافة للمساحة المُتبقية من الكرسي الآخر- حيث المرأة العجوز أخذت كرسيا ونصف الكرسي- في حين تبقى كرسي والجزء المُتبقي من الكرسي الآخر.

فجأة.. يأتي رجل أسمر البشرة- أو لنقل أسود؛ ليتضح المغزى- حالته يُرثى لها، ومعه ولده الصغير- الذي لم يتجاوز الأربعة أعوام- والذي يشبه والده كثيرا، وقد جاء هذا الرجل (الأسود) ليصعد الباص ويجلس على كرسي واحد، فهو سيضع ولده فوقه وانتهى الأمر، لكنهُ حينما راى بأن العجوز تُزاحم نفسها وبنتها لكي يأخذ الكرسيين، ولكي لا تدفع هي قيمة الكرسيين، قام هذا الرجل (الأسود) ودون أي مقدمات تُذكر، ولم يقل حتى كلمة واحدة، ووضع ابنه في باقي المساحة الصغيرة من الكرسي الذي تجلس عليه المرأة العجوز، وجلس هو بالكرسي الآخر، وأثر على نفسه دفع قيمة الكرسيين على أن لا يظل حال المرأة العجوز هكذا، فدفع قيمة الكرسيين وهو لا يأبه بحالته المعيشية، وللظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، بل إنهُ دفع النقود والابتسامة تملأ وجهه البريء، فيما المرأة العجوز تنظر له نظرات تحمل معاني كثيرة، ولن استطيع تفسيرها إلا بأنها نظرات تقول “لو كان العالم كله مثلك أيها الأسود؟!”.

لقد ضرب هذا الرجل (الأسود) بهذا الموقف- الذي يعتبره البعض بسيطا- موقفا عظيما، فبإيثاره على نفسه وبتحمله قيمة الراكبين رغم حالته ووضعه المعيشي ضرب أروع المواقف الإنسانية التي قلما نجدها في وقتنا الراهن، لكنها فعلًا متواجدة، فنستبشر خيرا أصدقائي.

وريت العالم كلهُ أصبح أسود البشرة أبيض القلب، ليحمل في قلبه هذه الإنسانية والشهامة والإيثار، التي حملها هذا (الأسود)، لتعُمّ المحبة والسلام أرجاء المدينة، بل وكلّ أرجاء المعمورة.

وأخيرا.. أقدم شديد اعتذاري لهذا الرجل؛ لكوني أطلقت عليه (الرجل الأسود)، ولكني أُجبرت على ذلك ليصل مغزى القصة، فهل تغفر لي يا أيها (الأسود) العظيم؟!.