الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

على أبواب البريد.. ضاع الحق و دوست الكرامة ومات الإنسان(1) حرب الرواتب في العاصمة عدن .. إلى متى؟!

20 أغسطس 2017 الساعة 10:00
البريد العام عدن
حقوق ضاعت وكرامة تبعثرت على أعتاب مكاتب بريد مدينة عدن الفاضلة، تلك المدينة التي كانت تطعم الجميع، فأصبح حال الإنسان فيها بأن يموت على أعتاب بوابة البريد جوعًا وعطشًا وكمدًا وهو ينتظر راتبا زهيدا لا يأتي، وربما يموت فردا أو جماعات إثر تفجير انتحاري.

حرب الخدمات طالت يداها وامتدت لتمس حق من حقوق الإنسان المكتسبة ثمنه عمر قضاه في خدمة الوطن (معاش تقاعدي) لا يرتقي إلى تعب وجهد الحصول عليه أياما وأسابيع يقف فيها الفرد طوابير على شكل أكوام بشرية غير منتظمة، كل فرد يدفع الآخر ليصل إلى شباك المحاسب ليحصل على راتبه.

في هذا العدد من صحيفة«الأيام» نرصد معاناة المتقاعدين المدنيين والعسكريين ونستمع إلى آرائهم ومعرفة احتياجاتهم، ونلتقي بالجهات المسؤولة لتوضيح سبب الوضع المأساوي الذي يعيشه الموظفون عامة والمتقاعدون خاصة.

أمام مكتب بريد كريتر يتجمهر جموع من البشر على أمل أن يستلموا رواتبهم.. زحام وصراخ، اختلطت أصوات النساء بأصوات الرجال، يتحدثون بقهر “أتعبونا، الله يتعبهم، أسبوعين ونحن منتظرون ولم نجد أي أمل أو أحد يخبرنا متى عن موعد استلام الراتب”. وتصرخ امرأة في العقد السابع من العمر “هؤلاء لا يرحموا ولا تعرف الرحمة قلوبهم”، ويصرخ شاب من الخلف “يتاجرون بفلوسنا ويحتقروننا وكأننا حشرات”.

تتعالى صيحات المتقاعدين وتتزايد أوجاعهم من سماسرة بلا ضمير أنجبتهم حرب 2015، لا يراعون معاناة المتقاعدين، فرغم رواتبهم البسيطة إلا أن أقل سمسار يستلم مبلغ 30 الف ريال، يعيش المتقاعدون طوابير طويلة، وفي انتظار طويل لراتب معلق بين البريد وادارة المعاشات والبنك، معاناة شهرية يعانيها المتقاعدون، حيث تجدهم يتنقلون ما بين البريد و البنك وإدارة المعاشات دون جدوى، فكل منهم ينفي التهمة عن نفسه ويرمي بها على الآخر، والضحية فقط المتقاعد، فلا أحد يسمع أنين شكوتهم، رواتب تسحب منهم ولا أحد يعلم من سحبها، وتجد كثيرا من المتقاعدين يرددون “حسبنا الله ونعم الوكيل”.

الوالدة قدرية محمد بالغيث امرأة في العقد الخامس من العمر تترجى حكومة الشرعية قائلة “يا ناس يا مسلمين يا عالم يا أصحاب البريد يا مسؤولين يا حكومة أرجوكم اصرفوا رواتبنا، فنحن لسنا حيوانات ولا حشرات، نحن بشر وما يحتاج تعذبونا، لا فرحنا برمضان ولا بالعيد، فنحن بلا رواتب، أعطونا رواتبنا ولا تبهدلونا، يكفينا ما فات، لنا أكثر من أسبوعين سارحين مروحين للبريد ما في رحمة ولا شفقة، وأصحاب البريد كل يوم لهم عذر” .

خالد حسن علي (متقاعد مدني) في العقد السادس من العمر يقول: “لنا أكثر من شهر ونصف ونحن نجري خلف رواتبنا، في السابق كنا نستلم تاريخ 5 من كل شهر وحاليا نستلم نهاية الشهر الثالث نستلم راتب شهر فقط”.

مجموعة من المتقاعدين يطالبون بزيادة رواتبهم


يقول مخاطباً رئيس الجمهورية “ أنت طيب بس أصحابك يشتوا لهم (فرم) فهم يلعبون بنا، وعليك أن تنحيهم وتطلع كوادر غيرهم، ففي عدن الكثير من الكوادر ، حرام نبقى تحت الحر والعطش والجوع سارحين مروحين، وما في قلوبهم رحمة ولا شفقة”.

ويقول بحسرة “ نحن موظفون عملنا وحققنا انجازات للدولة، فهل هكذا يكون الجزاء؟!”.

وطالب الأخ رئيس الجمهورية أن “يعمل حلا لأصحاب البريد أو يتنحى، فهناك الكثير غيره”.

الوالدة أم أحمد تتردد كل يوم على البريد وتقول “والله يا بنتي لم نعد نعلم هل هذا معاش أو (هكبة) وصل بنا الحال إلى ان نبقى بدون معاش شهرين وثلاثة، ونحن معنا بيوت إيجار ونازحين من بيوتنا، مش كفاية ما خسرناه في الحرب ؟!، واللي يقهر أن يُسرق راتبك ويصرف دون علمك، نحن لا نعاني من السماسرة فقط ولكن من السرق ايضا”.

وتحكي حكاية امرأة “سُرِقت وهي تقف في طابور البريد، حيث سرقت منها حقيبة يدها وفيها وثائق ومفاتيح المنزل ومبلغ خمسين الف”.

وأضافت: “هناك الكثير من السرق نتمنى ان يعود الوضع، كما كان ونستلم معاشاتنا بأمان”.

الأخت زبيدة جامع تقول: “كنا نستلم رواتبنا كل شهر لكن نتيجة للحرب لم نتمكن من سحب رواتبنا بشكل منتظم نتيجة للنزوح خارج عدن، و آخر ما استلمته من معاشي التقاعدي إلى شهر يوليو ولم استلم أي معاش خلال عام 2016”.

وأضافت: “ذهبت لمتابعة الضمان وأخبروني بأن المبالغ غير المصروفة تتأخر في البريد، وأن المبالغ تصرف بشكل فصلي يعني كل ثلاثة اشهر” .

متقاعد رفض ذكر اسمه يقول: “بعد التحرير طلبت من احد السماسرة بأن يستلم لي معاشي التقاعدي وأعطيته دفتر المعاش استلمت معاشي لمدة شهرين في الشهر الثالث تأخر المعاش، وحين أساله أين المعاش كان يختلق الأعذار رغم إني لم اقصر معه وكان يأخذ على كل شهر 3000 ريال، بعدها شكيت بالأمر ورحت أطالب بمعاشي ولكن أتفاجأ بأن معاشي صرف من محافظة إب فعملت بلاغا في شرطة كريتر، وبعد مفاوضات استلمت نصف الراتب، وهذا الأمر جعلني أعمل على تغيير رقم الحساب، وتحويل راتبي إلى كاك بنك هربًا من زحمة البريد والسماسرة لأني عانيت الكثير من زحمة البريد”.

الأخ عصام أحمد عمر وكيل أحد المتقاعدين من بلدية عدن يقول: “عمل البريد كله كذب في كذب، في كل شهر يخبروننا بأن المندوب أخذ الشيك للبنك، وأحيانا يقولون لنا بأن الربط من صنعاء و “الحوثة” يرفضون إرسال الربط حتى يستلموا عمولتهم التي تصل إلى ستة مليون ريال”.. ويسأل: “معقول بعد التحرير مازلنا مربوطين بصنعاء؟!”.

وعن السماسرة يقول: “أثناء فترة الحرب السماسرة اشتغلونا شغل نظيف، وكان السمسار يأخذ حسب الراتب، فمعاش وكيلي 30 ألف ويأخذ السمسار ما بين 5000 إلى 6000 ريال”، ويؤكد بأن السماسرة شباب خارج إطار البريد، ولكن يعملون بتواطؤ من محاسبي البريد، فأغلب المحاسبين لهم نسبة، وحاليا يمتلكون سيارات قيمتها فوق ما تتصوري.. من أين لهم؟!”.

سالم منصر يقول: “كل شهر يتعبوني في استلام المعاش، فأنا أستلم معاش والدتي، وهي كبيرة في السن ومقعدة، كانت معي وكالة، وأستلم المعاش، قبل الحرب وحتى اثناء الحرب، ولم نعاني من أي مشاكل، لكن من 2015 وبعدها قلنا إننا اتحررنا، لكن خرجوا لنا البلاطجة من تحت الأرض أكلونا أكل حتى من جاء لحمايتنا من يتكلمون باسم المقاومة، واللي هم في الحقيقة مقاولة على بطونهم ولا يهتمون، هل هذا المسن عنده دخل غير معاشه التقاعدي”.

ويتمنى الأخ سالم بان “تعمل إدارتا البريد والمعاشات على أن تحافظ على كرامة المتقاعدين فهم ناس خدموا الدولة بشرف وأمانة”.

في زاوية منفردة جلس أمام باب البريد العم على صالح عوض في منتصف العقد الثامن يجلس على مقعد مهترئ يتكئ على عكازه، فهو يعاني من صعوبة في المشي ويعاني أيضا من ضعف في السمع رغم هذا كان كغيره من المتقاعدين المغلوب على أمرهم يقف في الطابور في انتظار استلام معاشه التقاعدي وكان بجواره ابنه الشاب وعدد من المتقاعدين أصغرهم سناً في العقد الستين.. يقول العم صالح: “جئت لأستلم معاشي لكن حكومتنا ماشي معها فلوس”، وحين سألته: “لماذا تأتي أنت لماذا لا تخلي ابنك يستلم عنك؟”، فلم يستوعب سؤالي كونه لا يسمع فناب عنه ولده للرد على سؤالي قائلا: ً “كانت والدتي تستلم له لكن محاسبي البريد رفضوا ذلك وأرغمونا أن يأتي والدي بنفسه، حتى يتأكدوا انه على قيد الحياة”.

المتقاعد مجيد سلطان سفيان في العقد السادس من العمر يقول: “يرجعونا دوائرنا أحسن، تعبنا والله من وقفة الطوابير، وهؤلاء لا يرحموا ، نحن خدمنا البلاد، وهذا آخرتنا نقف كما المتسولين نتسول رواتبنا، نتمني أن يرحمونا من البريد ويرجعونا إلى حيث كنا نعمل، ويخصصون لنا يوم محدد لكي نستلم فيه رواتبنا بكرامة دون إهانة وتعذيب”.

كثير من المتقاعدين مدنيين وعسكريين كبار في السن تجمعوا حولي أمام بوابة بريد كريتر يصرخون بصوت واحد، كل واحد منهم يريد توصيل رسالته، وكانوا سعداء حين علموا أن من تتحدث إليهم من صحيفة “الأيام” صوت الحق، وقالوا لي “وصلي رسالتنا لحكومة الشرعية، فنحن متقاعدون خرجنا للتقاعد قبل التسوية، وخدمنا أكثر من ثلاثين سنة، ورواتبنا 26 الف ريال.. يرضي من هذا؟! ونحن عملنا بكل طاقتنا للنهوض بهذا البلد، وبالأخير تكافئنا الحكومة براتب لا يكفي قوت أولادنا حتى يومين في الأسبوع، ورغم هذا نستلمه بعد طلوع الروح، فهل تنتظر الدولة أن نموت جميعنا على ابواب البريد أو المعسكرات، نرجو أن ينظر في قيمة رواتبنا خاصة مع ارتفاع العملة الصعبة وانهيار الريال اليمني”.