الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

عسكريون يدافعون عن الوطن ويموتون في طوابير البريد (2) حرب الرواتب في العاصمة عدن .. إلى متى؟!

21 أغسطس 2017 الساعة 10:00
البريد العام عدن
حقوق ضاعت وكرامة تبعثرت على أعتاب مكاتب بريد مدينة عدن الفاضلة، تلك المدينة التي كانت تطعم الجميع، فأصبح حال الإنسان فيها بأن يموت على أعتاب بوابة البريد جوعًا وعطشًا وكمدًا وهو ينتظر راتبا زهيدا لا يأتي، وربما يموت فردا أو جماعات إثر تفجير انتحاري.

حرب الخدمات طالت يداها وامتدت لتمس حق من حقوق الإنسان المكتسبة ثمنه عمر قضاه في خدمة الوطن (معاش تقاعدي) لا يرتقي إلى تعب وجهد الحصول عليه أياما وأسابيع يقف فيها الفرد طوابير على شكل أكوام بشرية غير منتظمة، كل فرد يدفع الآخر ليصل إلى شباك المحاسب ليحصل على راتبه.

في هذا العدد من صحيفة «الأيام» نرصد معاناة المتقاعدين المدنيين والعسكريين ونستمع إلى آرائهم ومعرفة احتياجاتهم، ونلتقي بالجهات المسؤولة لتوضيح سبب الوضع المأساوي الذي يعيشه الموظفون عامة والمتقاعدون خاصة.

الأخ عزيز ناصر عزيز (مساعد أول) يقول ردًا على سؤالي عن معاناتهم في استلام الرواتب: “عن أي معاناة نتحدث، ونحن المنخرطون في السلك العسكري بوزارة الداخلية، بدأت معاناتنا من عقوبة المرتبات من شهر نوفمبر 2016م ومن يومها لم نستلم غير مرتب ديسمبر 2016 ويناير 2017م وبقيت الأشهر المتبقية حلمًا يراودنا باستلام الراتب”.

ويضيف واصفًا الوضع الذي يعيشه الموظف في السلك العسكري “نعيش واقعا مؤلما في ظل وضع مزرٍ، فنحن بين مطرقة غياب المعاش وقسوة الحياة وسندان الموت المجهز من قبل الإرهاب الذي أوجدته السلطة ذاتها لتظفر بخصم مُجمل راتب العسكري لعدم قدرته على الوصول إلى منطقته العسكرية المنخرط فيها”.

وعن أسباب عدم انضباط العسكر في دوائرهم قال: “يعود إلى سوء الوضع الأمني وعدم تأمين خط سير سفرنا من جماعات الإرهاب والتطرف”.

ويتابع: “أحكي هنا عن معاناة العسكريين التابعين للمنطقتين العسكريتين الأولى والثانية من المحافظات ذات البعد الجغرافي، كمحافظات: أبين وعدن ولحج والضالع”.. ويوضح: “ما يؤكد معاناتنا وقلقنا هو ما جرى لإخواننا الصبيحة من تقطع وقتل أثناء سفرهم لاستلام مرتباتهم على خط سير أحور حضرموت، ناهيك عن سياسة اللجان المفتعلة في كل شهر من قبل قيادة الأمن بوادي حضرموت، كلها لأجل النهب والسرقة ليس إلا، فالمعاناة لا توصف وقسوة الأيام لا ترحم، فكم من الأسر تكاد أن تكون معدمة بسبب انقطاع المعاشات عن من يعولها، فنسأل الله الستر والعافية”.

وعن كمية المبلغ الذي يتم خصمه وأين يذهب؟ يجيب بالقول: “الخصم متفاوت، وهناك إيحاء من القيادة لمدراء أمن المديريات (للسرقة) كي يصير الكل مشتركا، فمنهم من يخصم (15ألف ريال) ومنهم (20 ألف) وربما نصف الراتب”.. مؤكدًا بأنه لا يوجد هناك صندوق تذهب إليه هذه الخصومات، بل تذهب للجيب، حد تعبيره.

وعن أسباب الخصم يقول: “تعود أسباب الخصم - حسب قولهم - إلى أن الجنود لا يرابطون في معسكراتهم، وهذه المعسكرات التي يطالبوننا بالبقاء والمرابطة فيها لا توجد فيها تغذية ولا أي متطلبات للعسكريين، خصوصا المعسكرات الأمنية بالوادي”.

يتحدث عميد ركن مساعد الحريري (باحث عسكري وإعلامي) عن المعاناة التي تطال العسكريين قائلًا: “يعاني المنتسبون للجيش والأمن في اليمن كثيرا نتيجة انقطاع رواتبهم لأكثر من ستة أشهر، فالناس تعلق آمالها بتلك المواعيد، وفي النهاية تتبخر المواعيد، ويصدم الناس بالعوز والإحراج أمام أسرهم، وخاصة أن الأكثرية عليهم التزامات شهرية عديدة مما يسبب لهم الكثير من المشاكل الصدمات النفسية”.

ويضيف: “رغم التصريحات الكثيرة للمسئولين في الحكومة الشرعية بخصوص دفع المرتبات لمنتسبي الجيش والأمن في المحافظات المحررة بعد نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، إلا أن كل تلك التصريحات سرعان ما تتبخر، لأن تصريحاتهم لا تلتزم بالمصداقية سواء أكانت رئاسية أم حكومية، فهم فقط يوهمون الناس بأنهم مهتمون بقضاياهم وأن هناك معالجات وحلول، وهو أساسًا جزء من التلاعب بمشاعر الناس، كونهم يعلمون أن الأغلبية معتمدون على رواتبهم في إعالة أسرهم ولا يوجد لديهم أي مصدر داخل آخر”.

ويوضح الحريري بالقول: “كان الواجب عليهم أن تكون تصريحاتهم صادقة بعد إصدار فخامة رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي قرارا بتسليم الرواتب لشهر نوفمبر وديسمبر من عام 2016م، وتم تشكيل لجنة وزارية بذلك بإشراف أحمد الميسري وزير الزراعة، لكن للأسف لم ينفذ أمر وقرار الرئيس هادي وكان الصرف لشهر نوفمبر 2016م”.

ويؤكد الحريري: “ظلت تلك اللجان تتلاعب بعملية الصرف، وفي شهر مارس 2017م سلموا لنا راتب شهر ديسمبر وإلى الآن بعض منتسبي الجيش والأمن لم يستطيعوا استلام راتبهم لشهر نوفمبر 2016”.

وأردف بالقول: “لجان الصرف هي نفسها من تعمل على حرمان منتسبي الجيش والأمن من رواتبهم، دون حسيب ولا رقيب عليها، ورئيسها السابق كان يرى نفسه وكأنه رئيس الجمهورية ووزير الدفاع وأنه الكل في الكل، لديه القدرة بأن يجعلك عقيدا أو جنديا حسب هواه”.

ويضيف: “هناك غياب تام للدولة، فرغم وجود توجيهات رئاسية بصرف راتب أربعة أشهر قبل رمضان إلا أنها أن تلك التوجيهات لم تنفذ، ليبقى منتسبو الجيش والأمن يتضرعون جوعا، فرغم الاحتجاجات التي قاموا بها وقطعهم الطرقات وإحراق الإطارات، والبعض منهم معتصم أمام بيت رئيس اللجنة، إلا أن كل ذلك لم يشفع لهم ولم يتم الاستجابة لصراخهم، فحكومة بن دغر نسمع لها شخير النائم، ولم تكتف بالبحث عن كيفية ترتيب وضعها ونهب ما تبقى في البنك، بل ذهبت إلى خلق أزمة في عدن للتحريض على قطع الخدمات”.

وقال أيضا: “هنا في عدن بلغت النفس الحلقوم نتيجة انقطاع الكهرباء والماء وتأخر الرواتب وتدهور الحالة المعيشية لدى المواطن، بالإضافة إلى الغلاء الفاحش في المواد الغذائية والاستهلاكية نتيجة الارتفاع الحاصل في سعر صرف العملات الخارجية، حيث وصل بالبعض إلى الانتحار في عدن والمناطق المجاورة، فالمماطلة والتلاعب بالرواتب نحن في الجنوب لم نتعود عليها، ولا توجد لدينا مصادر دخل أخرى غير معاشاتنا البسيطة”.

ويتابع: “لو كانت الشرعية تريد أن تعمل على الإصلاح بجد لكانت عدن الآن في القمة، لتنعكس للمحافظات الأخرى، لكن الإهمال الكبير الذي تقوم به الحكومة الشرعية في عدن جعل المواطن في صنعاء يحافظ على الجماعات الانقلابية، لأنهم - حسب تعبيره - وفروا للمواطن أمنًا أكثر من الحكومة الشرعية التي أصبحت تفتك بك وأنت تبحث عن معاشك، وأيضا اسر الشهداء والمتقاعدين وأصحاب التأمين والمناضلين هم كذلك يعانون نفس المعاناة، فمنذ أن تحررت عدن (أكثر من عامين) كم رأينا من ضحايا سقطوا في الصولبان أو غيره أثناء دفع المرتبات لهؤلاء الجنود، ولهذا أصبحنا موكلين أمرنا لله، ونقول حسبنا الله ونعم الوكيل”.

مجموعة من المتقاعدين العسكريين


ويقول الحريري: “نحمل لجنة الصرف السابقة مسؤولية التلاعب وهدر الملايين من حقوق منتسبي الجيش والأمن، واليوم أخلت مسؤوليتها وتقول بأنه لابد من توجيهات رئاسية للصرف أو لا توجد سيولة بنكية”.. ويتساءل الحريري: “أين مبالغ الـ (400 مليار ريال يمني) التي وصلت مؤخرا وطبعت في روسيا؟! وأين هم المسئولون عنها إذا لم تورد البنك.. هناك عصابات تتلاعب بالمرتبات تقودها الحكومة الشرعية”.

ويؤكد الحريري بالقول: “عندما كان البنك في صنعاء كنا نستلم معاشات بعد 50 يوما لكن شهر سبتمبر استلمناه بالتقسيط ولازال عندهم راتب أكتوبر في ذمتهم.. نتمنى أن يصرفوا لنا مرتباتنا بأية عملة أهم شيء يصرفونها لنا، فنحن فوق العمل ونؤدي واجبنا”.

ويتحدث الجندي نعيم شير قائلًا: “نحن جنود مرقمون نتبع المنطقة الرابعة، تم ترقيمنا في ديسمبر من محور البقع، في البداية كنا نستلم رواتبنا كل شهر 1500 ريال سعودي لكن حاليًا لنا أربعة أشهر هي (مارس، إبريل، مايو، يونيو) لم نستلمها، ونحن جنود مرابطون في خط النار، ولدينا أسر وأطفال لا ندري كيف نعيلهم وكيف نصرف عليهم، نحن في خط النار والقذائف فوقنا ورواتبنا غير متوفرة، سلموا رواتب فقط للمعاريف والأقارب، وكان الأجدر إعطاء الجنود القدامى وكبار السن”.

ويطالب الجندي نعيم قائدهم بسام المحضار بأن ينظر للأمر جيدًا، فأربعة أشهر بدون راتب لجندي في خط النار كثيرة، وأن عليه أن يتابع رواتبهم”، مذكراَ إياه بالحديث الشريف “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته...” .. ويختم حديثه قائلًا: “يعطوننا وعودا كثيرة ولا ينفذون منها شيئا”.

ويحكي نعيم عن معاناتهم في الجبهة ويقول: “نعاني من عدم وجود أبسط المعدات لتحمينا من الرياح والأمطار وأشعة الشمس وحرارتها، كنا 60 فردا فنزلنا في إجازة والذين رجعوا منا للجبهة (9) أفراد فقط”.

المواطنة منى على أحمد عبدالله، تتسلم معاش والدتها التي كانت تعمل في سلك الشرطة، تصرخ بصوت عالٍ: “إلى متى نتعذب ونهان في استلام معاشاتنا، مر رمضان وعيد الفطر ونحن بدون رواتب.. أليس أفراد الشرطة أناسا؟ من أين نصرف ونحن كل يوم ننتظر وكأننا متسولون؟!”.

وأضافت: “في فترة الأحداث كنا نستلم رواتبنا نهاية كل شهر وحاليا يتم التلاعب بها، ويتحججون بحجج واهية، والتي آخرها يقولون لنا بأن مندوبكم ما يتابع رواتبكم، أي مندوب، وما علاقة المندوب؟”.

وتساءلت منى: “أين تذهب الفلوس؟ هل أصبح الجميع سرق؟ نذهب البنك نسأل البنك يردنا للبريد، وفي البريد يقولون لنا ما صرفوا لنا عمولتنا، أين نذهب ولمن نشتكي ؟”.

محمد محمود المحياء (عسكري من المحافظات الشمالية تابع للشرعية ) يقول: “بعض المسؤولين في الحكومة وعدونا باستلام رواتبنا ويعطوننا أوقاتا محددة، ولما نأتي لا نجدها، فلا ينفذون وعودهم، دون مراعاة لتعبنا وخسارتنا للمواصلات، ووقوفنا في طوابير طويلة لا جدوى منها، فلا نجد إلا مماطلة.. فلو كانت لدى الواحد منا مبلغ 5000 ريال تذهب في المواصلات لمتابعة الراتب، وهذا يسبب عجزا كبيرا لمعيلي الأسر، يكفينا أننا لا نستلم الراتب وما يتوفر لدينا يذهب خسائر المواصلات وصرفيات في انتظار الراتب”.

ويتمنى المحياء أن يصدق القادة معهم ويحددون لهم يوما وتاريخا محددا لاستلام معاشاتهم.. فهذا حق من حقوقهم بدل أن يجعلوهم لمدة اسبوع أو أسبوعين يذهبون ويعودون دون أن يتم تسليمهم شيئا من رواتبهم.

ويتحدث الأخ أيمن عبدالكريم فرحان (مساعد ثاني) من أمن محافظة أبين بالقول: “نحن جنود تابعون للشرعية بمحافظة أبين، نعاني من انقطاع رواتبنا منذ شهر مارس 2017، وآخر راتب تم استلامه هو راتب شهر فبراير الماضي، ولا نتلقى من الشرعية إلا الوعود الكاذبة، رغم أن الأمن والجيش صمام أمان البلاد وهم من يقفون ضد الإرهاب”.

يضيف: “نعاني من انقطاع رواتبنا منذ خمسة أشهر”.. متسائلا: “أيكون هذا هو رد الجميل لمن قدم نفسه فداء للوطن بأن يكون جزاؤه قطع راتبه الذي هو مصدر عيشه وقوت أطفاله؟!”.. ويتمنى أيمن أن يجدوا آذانا صاغية تسمع أنينهم وشكواهم. ويستطرد : “أصبحنا محرومين من رواتبنا، والتي أيضا تم قطعها من صنعاء، لأننا محسوبون على الجنوب وعلى الشرعية”.. ويؤكد أيمن بأن الأسماء التي نزلت من صنعاء للعسكر المنتسبين للجيش من الجنوبيين وكلنا لا نستلم رواتب سواء كنا من أبناء الشمال أو الجنوب”. وحين سألته: هل أنت فوق العمل؟ أجاب: “لا، لأن مقر الأمن في أبين مهدم ولا يوجد لهم مقر بديل”.

الأخ رامي نبيل محمد (أحد الشباب المقاتلين في جبهة باب المندب) يقول: “لنا عامان نقاتل وندافع عن الدين والعرض والشرف والوطن والكرامة، نحن الحمد لله نستلم رواتبنا من الجانب السعودي ألف ريال سعودي شهريا، ولكن الجانب اليمني التي هي الشرعية فقد وعدونا برواتب وترقيم، ولكن للأسف لم نستلم أي رواتب حتى يومنا هذا، أما الترقيم فقد تم ترقيمنا في شهر رمضان الماضي، وهناك بعض من الزملاء جرحى والبعض منهم استشهد، ورغم كل هذه التضحية تتأخر رواتبهم لمدة تصل لأربعة أشهر، والبعض من إخواننا موزعون على المعسكرات.. نتمنى أن توفي الشرعية بوعودها وتصرف لنا الرواتب من جانبها التي وعدتنا بها”.