الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

ناجون من الروهينغا يتحدثون عن مجزرة في بورما

11 سبتمبر 2017 الساعة 10:00
مسلمون من الروهينجا يشيعون جنازة بمخيم للاجئين في بنجلاديش أمس
منع الجنود البورميون الدخول الى المسجد ووصل رجال مسلحون بسواطير وعبوات وقود، وعندها بدأت المجازر، كما افادت شهادات للروهينغا.

وقال ماستر كمال (53 عاما) المدرس الذي نجا من مجزرة وقعت في قرية اونيغ سيت بين بولاية راخين (شمال غرب بورما) ان “الذين كانوا يجرون قتلوا بسواطير وسقط آخرون برصاص الجيش”.

وقابلت وكالة فرانس برس حوالى عشرة من سكان هذه القرية تمكنوا من اللجوء الى بلوخالي الحي العشوائي الواسع في بنغلادش الذي رووا فيه الحوادث المروعة التي جرت في 25 اغسطس.

في ذلك اليوم هاجم متمردون روهينغا مراكز للشرطة ما ادى الى حملة قمع واسعة شنها الجيش ودفعت 300 الف من هذه الاقلية المسلمة في بلد معظم سكانه من البوذيين الى النزوح.

وقال ماستر كمال لفرانس برس “كانوا يحرقون المنازل وهربنا لننجو بحياتنا”، موضحا انه شاهد ثلاثة من جيرانه يقتلون.

تحمل اقلية الروهينغا الجيش البورمي وبوذيين متطرفين في هذا البلد مسؤولية اعمال العنف.

لكن شهادات الروهينغا يصعب التحقق منها نظرا للقيود المفروضة على الوصول الى منطقة راخين.

وتتهم الحكومة البورمية المتمردين الروهينغا بارتكاب فظائع بما في ذلك احراق قراهم - وهذا ما تشكك به الامم المتحدة - وقتلهم مدنيين يشتبه بتعاونهم مع الجيش.

وقال محمد امين (66 عاما) وهو مزارع كان والده وجيها في القرية ان عائلته تعيش في اونغ سيت بيين منذ ثلاثة اجيال.

«كل شيء كان يحترق»

قال الرجل الذي كان يرتدي ملابس رثة “انها المرة الاولى التي نهرب فيها. لم ار عنفا كهذا من قبل”.

عندما بدأ اطلاق النار جرى ليختبىء في الادغال وعبر نهرا ليفلت من الجنود الذين كانوا يطاردون المدنيين. وقال “على الجانب الآخر من النهر رأيت ان كل شيء كان يحترق”.

ويؤكد الجيش البورمي ان 400 شخصا على الاقل معظمهم من المتمردين قتلوا في اعمال العنف هذه.

لكن الامم المتحدة تعتقد ان هذا الرقم مخفض وتتحدث عن سقوط اكثر من الف قتيل. وقد شهدت قرى اخرى في ولاية راخين مجازر ايضا.

ويؤكد اللاجئون من قرية اون سيت بين انهم شاهدوا اثناء فرارهم اشخاصا يقتلون وجثث ضحايا قتلوا بسواطير او احرقوا.

ويؤكد بعضهم ان الطريق الى بلوخالي استغرق ستة ايام، بينما اختبأ آخرون واحتاجوا الى 12 يوما ليعبروا ممرات ضيقة وادغالا كثيفة تحت امطار غزيرة، قبل ان يصلوا الى بنغلادش.

وقالت انورة بيغوم (35 عاما) انها اضطرت للقفز في النهر مع ابنها البالغ من العمر اربعة اعوام لتفلت من رصاص الجنود.

وفي حالة الهلع هذه فقدت الاتصال بابنائها الخمسة الآخرين خلال لجوئها الى التلال المجاورة التي كانت مروحيات تحلق فوقها. وقالت لفرانس برس “اعتقدت انني لن اراهم بعد اليوم”.

لكن ابناءها الآخرين الذين تتراوح اعمارهم بين خمسة اعوام و12 عاما نجحوا في اللحاق بوالدهم على الحدود واجتمعت العائلة من جديد في بنغلادش.

«اعتقدت أنني ساموت»

لكن هناك آخرين لم يحالفهم الحظ فقد لقي اكثر من مئة شخص مصرعهم خلال عبورهم نهر ناف الحدودي بين البلدين.

ووصل جرحى يعتقد انهم اصيبوا بالرصاص. كما تم نقل قتلى او من بترت اطرافهم في انفجار الغام على الحدود، قال اللاجئون انها زرعت لمنعهم من الوصول الى بنغلادش.

وروى جمال حسين (12 عاما) ان اخوته الخمسة الذين يكبرونه سنا قتلوا برصاص رشاش في اونغ سيت بين. ولم ير الطفل والديه ولا اخواته السبع.

وقال “كنا معا ثم بدأ اطلاق النار فجأة. لم انظر الى الوراء لانني اعتقدت انني ساموت. عندما اختبأت تذكرت كل شيء وبدأت ابكي”.

وعلى كتفه آثار جرح صغير يدل على اصابته بشظية رصاصة.

ويعيش بعض الروهينغا في بورما منذ اجيال. لكن البورميين يعتبرونهم بنغاليين ما جعلهم اكبر مجموعة محرومة من الجنسية في العالم.

وبنغلادش بلد فقير جدا يواجه منذ سنتين تدفق مئات الآلاف من الروهينغا.

واللاجئون في بلوخالي ليس لديهم اي مكان آخر ليذهبوا اليه.

وقال انورة بيغوم انها مستعدة “للتسول” من اجل البقاء. واضافت “اذا لم يكن لدي اي شيء آكله فساتناول التراب لكنني لن اعود ابدا”.

وفي مشفى في بنجلاديش لم يعد في مقدور محمد طه، الممدد في سريره، ان يتحرك. فقد اضطرت الممرضات البنغلادشيات الى تقييد هذا الشاب الروهينغي الذي يتلوى من الألم عندما يستعيد وعيه بين حقنتي مورفين.

أصيب هذا الفتى الذي يبلغ السادسة عشرة من عمره، في وجهه عندما فتح الجنود البورميون النار على سكان قريته القريبة من مونغداو شمال غرب بورما.

فهذه المنطقة الفقيرة على حدود بنغلادش، هي محور لأعمال العنف منذ أسبوعين.

وقال والده الذي يقف الى جانبه في مستشفى شيتاغونغ العام، وهو الاكبر في جنوب بنغلادش، “تلقى رصاصة فوق العين بالضبط. جرحه بالغ الخطورة. وهو يتألم كثيرا”.

فإلى هذا المستشفى نقل المصابون بجروح خطرة من بين حوالى 300 ألف لاجىء هربوا من بورما.

واعربت ممرضة عن أسفها بالقول “كان يفترض ان يكون في جناح العناية الفائقة”، وليس في جناح عادي. لكن والديه لا يستطيعان دفع النفقات.

وفي مستشفى شيتاغونغ، لم تعد الأسرة تكفي، حتى ان بعض المصابين الروهينغا يتمددون على الارض.

وعلى مقربة منه، كان حظ بشير الله أوفر: فإصابته في ساقه أقل خطورة.

وقال “بدأوا باطلاق النار في كل الاتجاهات، فيما كنا نهرب. وقعت على الأرض وأصبت برصاصة في ساقي”.

وقال بشير الله “كان الحظ الى جانبي. أصبت بالرصاص، لكن لم أنزف كثيرا وإلا لفارقت الحياة قبل ان اتمكن من إيجاد مكان مثل هذا”.

ويؤكد بشير الله الذي وصل قبل أسبوع ان عشرات القرويين لاقوا حتفهم برصاص الجيش البورمي بينما كانوا يحاولون الفرار.

*مصابون بجروح خطرة

ويقول حسين جاهور (22 عاما) ان جنودا بورميين “انهالوا عليه بالضرب وعذبوه” وارغموا سكان قريته على الجلوس على الارض خلال مداهمة ليلية.

واتهم جاهور جنديا بتشويه يده. وقال “حاولت الفرار، لكن جنديا ألقى علي قنبلة أدت الى تشويه يدي”. وعرض يده المضمدة.

ويتعذر التحقق من هذه الاتهامات ميدانيا في الجانب البورمي، لأن الجيش يغلق منطقة النزاع.

وعلى رغم جروحه، سار حسين جاهور حتى الحدود مع بنغلادش. واكد ان “الجيش البورمي يريد حمل الروهينغا على المغادرة... نحن لسنا سوى كلاب بالنسبة لهم”.

ويقول مفتش الشرطة البنغلادشية علاء الدين أحمد ان العدد الاكبر من 70 روهينغيا نقلوا الى المستشفى هنا منذ بداية الازمة، يعانون من جروح ناجمة عن اصابتهم بالرصاص.

واضاف “مات اثنان هنا. وكثيرون هم في حالة خطرة”. ويوم الجمعة وحده، نقل الى المستشفى ثلاثة من الروهينغا بسبب جروح بسبب الرصاص.

وبالاضافة الى الجروح، أصيب كثيرون بالإعياء والمرض بعد أن ساروا لمسافات طويلة وطوال أيام، من دون ما يكفي من الماء والطعام، في الوحل وتحت المطر. وأصيب البعض منهم بجروح لدى انفجار الالغام اثناء اجتيازهم الحدود.

ويؤكد كمال الدين، الطبيب الجراح في المستشفى ان مستلزمات معالجة المرضى المصابين بالرصاص غير متوافرة.

وقال “نجد صعوبة في تقديم العلاج اللازم لهؤلاء الضحايا. ومصير المصابين بجروح خطرة غير أكيد”.

وتدق المنظمات الانسانية ايضا ناقوس الخطر على صعيد الحاجات الصحية.

وتتحدث منظمة “اطباء بلا حدود” عن “الإصابات الناجمة عن العنف، وعن التهاب جروح العديد من اللاجئين”.

وأعلنت هذه المنظمة غير الحكومية عن إقامة قاعة ثانية لاستقبال المرضى في إحدى عيادتيها الموجودتين في منطقة كوتوبالونع، لتلبية الاحتياجات الناجمة عن ازدياد أعداد المرضى.

من جهتها أعلنت مجموعة “جيش انقاذ روهينغا اراكان” المسلحة في ولاية راخين غرب بورما عن وقف إحادي لإطلاق النار من الأحد حتى التاسع من أكتوبر.

فبعد شن هذه المجموعة هجمات دامية في 25 اغسطس ردت السلطات البورمية بعمليات للشرطة والجيش ما زالت مستمرة، وأدت إلى فرار حوالى 300 ألف شخص غالبيتهم العظمى من أقلية الروهينغا المسلمة إلى بنغلادش.

كما ادى العنف الى نزوح داخلي شمل 27 ألفا من أتنية راخين البوذية وسط النزاعات الاجتماعية ودينية في الولاية.

*من هم؟

رغم تعرض الروهينغا لعقود من القمع في بورما البوذية بغالبيتها، امتنعت هذه الأقلية المسلمة غالبا عن اللجوء إلى العنف.

لكن في أكتوبر برز اسم “حركة اليقين” قبل ان يتحول الى “جيش انقاذ روهينغا اراكان” كقوة بعدما شن هجمات مفاجئة على شرطة الحدود وقتل عددا من عناصرها واستولى على أسلحة.

وكانت هجمات 25 اغسطس اكثر جرأة وشدة، فاستهدفت 30 مركزا للشرطة في ليلة واحدة تبعها نصب كمائن على مدى أيام بالموازاة مع رد قوى الأمن البورمية.

تتحرك هذه المجموعة بإشراف قيادي عرف باسم عطاء الله، وغالبا ما يهاجم بورما على معاملتها للروهينغا، في تسجيلات فيديو وبيانات بالانكليزية تنشر على صفحة المجموعة الرسمية على تويتر.

ويعتقد انه ولد لعائلة من الروهينغا في مدينة كراتشي الباكستانية وعاش فترة في السعودية.

وأشار تقرير لمجموعة الأزمات الدولية الى ان المسلحين يتحركون بإشراف مجلس قيادي يضم مهاجرين أثرياء من هذه الأقلية يقيمون في السعودية.

أضاف أن هؤلاء شكلوا الجماعة المسلحة في 2012، التي صنفتها بورما جماعة ارهابية، بعد تظاهرات عارمة ضد المسلمين في ولاية راخين.

أما السلطات البورمية فسبق أن أشارت إلى اتصال المجموعة المسلحة بعناصر تلقوا تدريبا لدى حركة طالبان باكستان.

*ماذا يريدون؟

تعتمد المجموعة الخطاب المعهود لدى الجماعات الاسلامية المسلحة حول العالم، لكن لا إثبات حتى الآن على تبنيها أجندة اسلامية عنيفة.

ويؤكد عناصرها أنهم يسعون إلى حماية أقلية الروهينغا في بورما من الاضطهاد الذي تمارسه الدولة وقوى الأمن بحقهم.

في المقابل تؤكد السلطات البورمية انهم اسلاميون “متطرفون ارهابيون” يريدون فرض الشريعة في مناطق من ولاية راخين.

كما يتهم الجيش البورمي “جيش انقاذ روهينغا اراكان” بقتل أفراد من اثنية راخين البوذية والقبائل الاحيائية والهندوس في موجة العنف الأخيرة.

ويعزو محللون حجم هجوم 25 اغسطس إلى السعي لدفع الجيش إلى رد فعل مفرط في العنف للفت انتباه العالم إلى قضيتهم وإثارة مزيد من الغضب في صفوف الروهينغا.

*ما حجمهم؟

يقدر خبراء وجود عدد قليل نسبيا من العناصر في “جيش انقاذ روهينغا اراكان” الذي يعاني من ضعف في التجهيز، لافتين في المقابل إلى انه يشهد تعزيزا في العديد مؤخرا.

وتحدث مراقبون عن ضم هذه المجموعة عدة مئات من العناصر المدربين، مرجحين مقتل الكثيرين منهم في الهجمات الأخيرة.

لكن لاجئي الروهينغا الذين فروا إلى بنغلادش أفادوا عن حمل شباب القرى أسلحة بدائية كالهراوات والسكاكين والعصي وانضمامهم إلى صفوف المسلحين.

وأعلن الجيش انه قتل 400 مسلحا حتى الآن، ونشر صور الاسلحة البدائية التي صادرها من أفراد يقاتلون تحت راية حركة التمرد بينها قنابل حارقة وعبوات متفجرة يدوية الصنع. كما أكد ان قواته تعرضت لكمائن مجموعات وصل عديدها إلى 150 شخصا أحيانا.

*ما إنجازاتهم المحتملة ؟

لا يملك “جيش انقاذ روهينغا اراكان” القدرة على هزم الجيش البورمي الجيد التجهيز والتسليح بأساليب تقليدية.

لكنه تمكن من زعزعة الاستقرار وضرب الأمن في راخين وإغراقها في أزمة فيما تمكن من مضاعفة اعداد مجنديه.

وفر حوالى ثلث الروهينغا المقيمين في بورما وعددهم 1.1 مليون شخص منذ 25 اغسطس. ويبقى السؤال حول ما إذا سيقرر الذين لزموا مناطقهم الانضمام إلى حركة تمرد تزداد اتساعا.

واتهمت قوى الامن والجيش البورمية مجددا باغتصاب وقتل مدنيين من الروهينغا وإحراق قراهم.

في المقابل يشير المحللون إلى أن الوضع بات يجيز اختراق عناصر على علاقة بشبكات جهادية تعمل على مستوى عالمي على غرار تنظيم الدولة الاسلامية.