الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

ما هو تصورنا اليوم حول مستقبل جنوبنا الحبيب؟

13 سبتمبر 2017 الساعة 10:00
يحيى عبدالله قحطان
قال الله تعالى “يَا أَيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا”.

أمام استحقاقات شعبنا الجنوبي العظيم لأهدافه المنشودة والمشروعة الحقوقية والسياسية والمصيرية، ووفاء لشهدائنا الأبرار ومناضلينا الأحرار في المسيرة الوطنية التحررية، والحراك الثوري الجنوبي، والمقاومة الوطنية سابقا ولاحقا، فإن السؤال الذي يضع نفسه حاليا: ما هو تصورنا اليوم حول مستقبل جنوبنا الحبيب؟.

وما هي أفضل الخيارات الممكنة التي تطرح لاستعادة جنوبنا المكلوم والمقهور لحريته وكرامته واستقلاله؟.

مع العلم ان السياسة الشرعية تقتضي العمل على تحقيق الخيار الممكن، وهذا يتطلب بالضرورة مراعاة معطيات الواقع المحلي والإقليمي والدولي، ونعتقد أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال قيام الحراك الجنوبي والمقاومة الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي بالانفتاح على سائر المكونات والأطياف السياسية، وإشراك كافة القوى الوطنية والاجتماعية بدون استثناء، وذلك لرسم خارطة الطريق لشعبنا السياسية والمصيرية، (فالجماعة رحمة والفرقة عذاب ويد الله مع الجماعة).

كما يجب تهيئة الظروف الموضوعية والذاتية والمحلية والإقليمية والدولية، وخاصة التعاطي بإيجابية مع الشرعية الدستورية ممثلة بالأخ المناضل عبدربه منصور هادي رئيس الجمهورية، ودول التحالف العربي، وذلك بإعطاء شعب الجنوب حقه الشرعي في تقرير مصيره ولفترة مزمنة، والذي كفلته الشريعة الإسلامية الغراء وقرارات الأمم المتحدة، ومع ذلك يجب التأكيد على ترسيخ وشائج القربى وحسن الجوار والمصالح المشتركة مع إخواننا في الشمال، “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ * وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”.

كما يجب التروي والحكمة، وعدم التسرع في اتخاذ الإجراءات والخيارات الارتجالية القائمة على النزعة العاطفية والعفوية، فمن الحكمة العمل على إنجاح الخيار الأفضل والممكن، لتحقيق المشروع الوطني المنشود، والمتفق عليه من جميع الأطراف، مع العلم أنه ما لا يدرك كله لا يترك جله، والقاعدة الشرعية تقوم على (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، (ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه)، (والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين).

لذلك فإنه من الحكمة قبل التخلص من الوضع السيئ الذي نعيشه اليوم يجب أولا وضع التصور الموحد والجامع، والخيار المناسب الذي نستبدل به ماضينا التعيس، حتى لا ننقل شعبنا كما كنا في الماضي، من وضع سيئ إلى وضع أسوأ، ومن مرحلة صعبة إلى مرحلة أصعب، ويكون حالنا كالمستجير من الرمضاء بالنار، وحتى لا نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، واستبدال مرض مزمن بمرض عضال، وحتى لا ينطبق علينا قول القائل “يا زمانا بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه”.

خاصة وأننا لا نزال مخترقين بخلايا نائمة سامة، وأشواك دامية، وألغام بشرية قاتلة، زرعها الأعداء بين صفوفنا منذ حرب 1994م وحرب 2015م العدوانية، من أجل (فرق تسد).

لذلك يجب أولا لتحقيق أهدافنا المنشودة أن يكون عندنا تصور ورؤية واضحة وجامعة للمستقبل والعهد الجديد، ونعتقد أن ذلك لن يتحقق إلا بإيجاد قيادة موحدة، وحامل سياسي جامع للقضية الجنوبية العادلة ـ كما ذكرنا آنفا ـ بحيث تكون هذه القيادة متسلحة بالعقيدة الإيمانية وبالشريعة الإسلامية السمحاء، القائمة على العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، عقيدة الوسطية والاعتدال والسماحة والوئام والحرية والسلام، عقيدة التصالح والتسامح مع الجميع بدون استثناء، والمتحررة من النزعة الانتقامية والثأرية والتخوينية والإقصائية، والتكفيرية والتفجيرية، ومن التعصبات المناطقية والقبلية والجهوية والحزبية والمذهبية والطائفية والسلالية، ونقول كما قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: “دعوها فإنها منتنة، دعوها فإنها منتنة، دعوها فإنها منتنة”، كما يجب نبذ التطرف والغلو والتشدد والعنف، والمكايدات الحزبية، والمناكفات الإعلامية، وأن يكون ولاء الجميع لله عز وجل ثم للوطن، مذكرين أنه من لم يوحد جمعه ويحزم أمره، ويساعد نفسه، لا ينتظر من الآخرين مساعدته.

إضافة إلى ذلك يجب على القيادات الجنوبية أن يتسلحوا بالنوايا الحسنة، النوايا التسامحية والتصالحية حتى مع خصومهم، “إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا * إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا”.

وأن يحولوا شعار التصالح والتسامح الذي رفعه الحراك الجنوبي في 7 /7 /2007م إلى منهاج حياة وميثاق شرف، فمن الظلم والاستبداد أن يتحول المظلوم بعد وصوله إلى الحكم إلى ظالم ويقوم بملاحقة وإقصاء الخصوم والمعارضين، ويذيق رموز العهد السابق سوء المصير، كما حصل بعد الاستقلال الوطني، وقيام النظام الوحدوي، متناسين أن الأيام دول، حيث سيأتي اليوم الذي تتغير فيه مراكز وموازين القوى والمعادلة السياسية إن عاجلا أم أجلا، اليوم تكون في السلطة وهي أمانة، وغدا ستكون خارجها وهي حسرة وندامة، إلا من أخذها بحقها وعمدها بالعدل والتسامح والتصالح مع الآخرين ومنع ملاحقة رموز العهد السابق، والعبر أمامنا (وحق على الله ما رفع أحدا إلا وضعه)، (وما عفا أحد على مظلمة إلا زاده الله عزا)، هكذا يرشدنا رسولنا محمد، عليه الصلاة والسلام.

“فاعتبروا يا أولي الأبصار”، “إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ * وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”.

لذلك ينبغي علينا أخذ العظة والعبرة من الماضي ومن المنعطفات والصراعات والاخفاقات، التي واكبت مسيرتنا الوطنية والثورية والتحررية لشعبنا الجنوبي، منذ الستينات وبعد الاستقلال الوطني وقيام النظام الوحدوي الارتجالي، وحتى وقتنا الحاضر، حيث تم اختراقنا من وراء الجدر ومن قبل الطابور الخامس، وأحفاد أبي رغال، وعبر سياسة النزعة الثأرية والتخوينية والانتقامية وإقصاء بعضنا البعض، وعدم احترام الرأي والرأي الآخر، والاستئثار بالسلطة والثروة للقلة المترفة والمتنفذة، والأخذ بمبدأ (الديالكتيك) وقانون (النفي، ونفي النفي، ونفي نفي النفي) والذي كان يحصدنا ويهلكنا جماعات بعد جماعات حتى تم نفينا وتشريدنا جميعا.

وأخيرا تم نفينا إلى باب اليمن وإلى خارج الوطن، غالب ومغلوب، ومنتصر ومهزوم، وانتهينا كشعب ودولة ذات سيادة، وأصبحنا نعض على أصابعنا ندما على ما أسرفنا وفرطنا في حق شعبنا الجنوبي، من مواطنين وعلماء وسلاطين ومشايخ وأعيان ورفاق ومناضلين وحركات وطنية، ولكن في حين لا ينفع الندم.

وفي هذا الصدد ينبغي على الجميع الاستفادة من الماضي ورفض كل من يريد أن يعيدنا إلى المربع الأول، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، بل لقد لدغنا منه عشرات المرات، والمثل يقول “مجرب المجرب عقله مخرب”.

والسؤال الذي يضع نفسه اليوم: لماذا لا نستلهم من الماضي الدروس المستفادة حتى نتجاوز السلبيات والاخفاقات والصراعات التي ابتلينا بها في السابق؟.

ونأخذ بالإيجابيات والإنجازات ونطورها ونلتزم جميعا بمبدأ الحوار والتوحد والتصالح والتسامح والتعاون والتكافل والتفاهم والتحاور مع خصومنا ومع من نختلف معهم في الرأي وفي القضايا الوطنية والمصيرية، وتحريم تخوين وتحقير وتكفير وقتل وظلم بعضنا لبعض “كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه” خاصة ونحن في الأشهر الحرم التي يحرم فيها الاقتتال والمظالم “ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ * فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ”.

كما يجب العمل على قبول الآخر وإن كان رأيه وخياراته الوطنيه تختلف عن آرائنا وخياراتنا الوطنية (نتعاون فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما نختلف عليه) فمن مجانبة الصواب أن يعتقد هذا المكون أو ذاك أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأنه الممثل الشرعي والوحيد لشعب الجنوب، وغيره على ضلال، وأن رأيه وخياره هو الصواب ورأي غيره هو الخطأ، قال إمامنا الشافعي، رحمة الله عليه: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، والقاعدة الشرعية تتضمن “لا إنكار ولا تبديع ولا تخوين ولا تكفير في المسائل الخلافية”. قال الله تعالى “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ * وَاصْبِرُوا * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”.

ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأجعلنا من الذين يستمعون القول والرأي الآخر فيتبعون أحسنه.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.