الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الفنان الكبير الراحل أبوبكر القيسي.. إنسانا وفنانا!

5 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
الراحل أبوبكر القيسي
لست أدري، أسعيد هو من كان أبوه فنانا؟، أسعيد لأن أباه يحبه الناس ويحترمونه، وشخصية فنية تسلط عليه أضواء الإعلام أينما حل، وتتبعه أينما رحل؟.

أم هو شقي، لأن أباه فنانا؟ والفنان شديد المعاناة ودايم الانشغال، لا يجد وقتاً يستمع فيه لابنائه، يشكون له همومهم ومشاكلهم، ويرى هموم الناس أكبر وأهم من همومهم.

الحق أنني كنت سعيدا بكون أبي فنانا، وسعيدا أكثر بأن أبي هو الفنان الكبير أبوبكر القيسي، رائد مسرح الطفل في اليمن.

كان أبي فنانا، وكان إنسانا.. فنانا في عشقه للفن، وفي حرصه الشديد على أن يكون متميزا، وليس لذلك طرقَ باب فن الطفل، بل طرقه لأنه يحب الأطفال، ويقضي معهم وقتا غير قصير، يلاعبهم ويلاطفهم ويستمع لهم، وكان يغضب غضبا شديدا لو علم أن طفلا تعرض للضرب بحجة تربيته، فكان يسمي ضرب الطفل لأي سبب كان "عقابا".. عقاب يدمر براءته وأمنه ونفسيته، هكذا كان معنا نحن أبناءه، ثم مع أحفاده، ومع أطفال الأهل والجيران. وبسبب حبه للطفل عشق فن الطفل.

ومضت سنوات من عمره وهو يحاول أن يقدم للطفل الفن الجميل الذي يسعده، ويساعد في تربيته، ويغرس فيه المفاهيم والقيم الأخلاقية النبيلة.

ولأن أبي كان فنانا، فقد كان إنسانا جميلا، وهذا هو حال الفنان المؤمن بقيمة الفن ودوره ورسالته العظيمة، فكان أبي بشوشا مرحا حتى وهو غارق في انشغالاته، فإذا أحس بحاجتنا إليه وإلى حنانه ورأيه وحكمته وتشجيعه، كان يسلخ نفسه سلخاً من جلده الفني ليرتدي - بسرعة - رداء الأب الحنون، المشفق على أبنائه من تأثير تغيبه عنهم في دهاليز الفن، وأراها كانت عملية تحول شاقة.

وكان أبي يحب أحفاده كثيرا، وكان ابني "أبو سكر" وكيله في كثير من المهام وسكرتيره الشخصي، وهو من أسمى ابنتي الصغرى (عزيزة).

وقد لازمته كثيرا وطويلا، فكان يقول لي: "أنت الوحيد من أبنائي من أخذ من دمي عشق التعب والنكد في المجال الفني، وأنا فخور بك".

وكان أبي يحسن الاستماع للآخرين، وهم يشكون إليه همومهم، فإذا انتهوا رد عليهم - بهدوء - معلنا عن رأي أو نصيحة في الفن أو في الحياة.

متى كان أبي يغضب ويثور ويتخذ قرارات سببها الانفعال؟، لم يكن أبي يفعل ذلك إلا إذا ضرب طفل أو أهين، وغير ذلك كان إنسانا جميلا وهادئا، لأنه فنان.. ولأنه فنان فقد وهب أجمل سنوات عمره ليسعد الأطفال فأحبه الأطفال والكبار.

لذلك نشأت سعيدا، لأن والدي كان فنانا جميلا وإنسانا راقيا. وهذا حال من هو مثلي، جمع والده ما جمعه أبي في شخصه، رحمة الله عليه.

نزار القيسي