الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الرحّالة الإنجليزي ويلفرد ثسيجر.. اجتاز صحراء الربع الخالي وبعد سبعين عاما أصبح كتابه (الرمال العربيّة) مرجعا تاريخيا للمنطقة يُدرس في أشهر جامعات العالم

9 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
ويلفرد ثسيجر
الرحّالة الإنجليزي (ويلفرد باتريك ثسيجر Wilfred Patrick Thesiger)، الملقب (مبارك بن لندن)، هو ثالث رحالة يعبر صحراء الربع الخالي بعد الرحّالة برترام توماس وهاري فيلبي، والمعروف عنه أنه صاحب أشهر كتاب قام بتأليفه، وهو كتاب (الرمال العربيّة)، في التاريخ والجغرافيا الصادر بطبعته الأوّلى باللغة الإنجليزية عام 1959، ويصف هذا الكتاب الأسفار التي قام بها الرحّالة ويلفريد ثسيجر عبر الربع الخالي وما حوله بين عامي 1945 ـ 1950، ويُعدّ الكتاب من أفضل أعماله التي توثق عبوره مرتين للربع الخالي مع أصدقائه من قبيلة الرواشد الكثيرية وهم سالم بن كبينة الراشدي الكثيري وسالم بن غبيشة الراشدي الكثيري والشيخ صالح بن مسعد الصيعري، أحد مرافقي (مبارك بن لندن) خلال عبوره الثاني للربع الخالي، وقد حظيت رحلاته الاستكشافية إلى الصحراء العربيّة بتقدير واسّع، وقد انضم إلى هيئة السودان السّياسية التي أوفدته عام 1934 للعيش في منطقة نائية تسمى كتوم داخل كوخ من سعف النخيل، وهناك وقع ابن لندن في أسر الصحراء من جمالها وصمتها.

وبعد أن غزت إيطاليا إثيوبيا عام 1935 انقطع أمله في العودة إلى المنطقة التي نشأ فيها، وخلال الحرب العالمية الثانية عاش في كل من مصر وإمارة شرق الأردن وعمل في العمليات الخاصة للجيش البريطاني، وحارب مع القوات الجوية الملكية في شمال أفريقيا، قبل أن يعمل مستشارًا للإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي.

*صائد اللحظات

ما يميّز أسلوب ثسيجر في كتابه، أننا نعيش معه أحيانًا في فضاء أدبي محض، حتى ننسى أحيانًا موضوع الرحلة، أو أين وصلت؛ فهو يقدم صورا نابضة بالحياة ومؤطرة بالشاعرية إلى حدٍ بعيد.

وكان مؤرخ كثير الترحال يدوّن كل شيء عن المناطق التي يزورها، كان يصطاد اللحظة بكل زخمها، ويسجلها قبل أن تفلت، وأشتهر بأنّه كان حاملا لقلمه يدوّن كل ما يراه، ويحمل أوراقه ودفاتره أينما حل وارتحل، ودائمًا كانت لديه ميزة التدوّين، وخزّن تلك اللحظات التي عاشها.

وكان قد انتهى من رحلاته في منطقة الربع الخالي عام 1950، وعرض ما دوّنه، وما اصطاده من لحظات على مدى خمس أو ست سنوات من تنقله في أرجاء المنطقة.. مئات الآلاف من اللحظات المثيرة، التي سجلها بأسلوبه، حينما اجتاز صحراء الربع الخالي في إطار استكشافه للجزيرة العربيّة، وكان العقل الإنجليزي يأسره جمال مخيمات البدو بقدر ما يأسره جمال حديقة يانعة في وطنه.

*الرحلة الأعجب

لقد كان هذا الرحّالة يهوى الصحراء ويرفض نمط الحياة الغربية، وعشق الصحراء العربيّة، ولم يتوقف ثسيجر عن الكتابة عن العرب شعبًا وعن الأرض العربيّة جغرافية، وكتابه الأوّل «الرمال العربية» جعل منه واحدًا من كبار كتّاب أدب الاسفار الكلاسيكية، وهكذا كانت رحلة عاشق الصحراء مليئة بالأحداث التي وثقها من قلب الصحراء، وهي الرحلة الأعجب التي قام بها في بحار الرمال العربيّة ليستكشف مجاهلها دون لحظة تردد أو خوف على حياته حاملا معه رغبة جامحة في اقتحامها، وجال ويلفريد ثسيجر في مناطق السعودية والإمارات وسلطنة عمان وحضرموت والمناطق الداخلية لمحمية عدن.

وكان أسلوبه يتسم بدقة الوصف ورسم صورة تقدم الواقع في إطار خيال خصب محايد، ودقة في التعبير ووصف الشخصيات والأماكن.



وكانت رحلات ويلفريد ثسيجر قد بدأت من مدينة المكلا ـ حضرموت إلى صلالة ومن ثم عاد ليجتاز مغامرة صحراء الربع الخالي.

*مقتطف من كتابه

يقول في أحد فصول كتابه: “تملكتني الصحراء للمرّة الأوّلى عندما كنت مسافرًا إلى الحجاز في صيف العام 1946، وقبل أشهر كنت نزلت إلى حافة الربع الخالي، حيث عشت لفترة مع البدو حياة صعبة قاسية، ذقت خلالها طعم الجوع، أما الذين كانوا يرافقونني فقد اعتادوا هذا النمط من الحياة منذ ولادتهم، لكنني أرهقت بمتاعب السير الطويل في رمال الكثبان التي كانت تلسعني أو عبر الأرض المنبسطة حيث كان السراب يلوح برتابة متواصلة وسط الهجير، بينما الخوف الذي تملكنا باستمرار من قطاع الطرق أبقانا في حالة من اليقظة، وحتى عندما كنا نقاوم النوم كانت بنادقنا بين أيدينا على الدوام وعيوننا شاخصة إلى الأفق...”.

ويستطرد قائلا: “هنا تكمن لذة المغامرة أن تستكشف أمرًا جديدًا، وتعيش حياة تختلف كلية عن الحياة التي عرفتها، عشقي للمغامرة كان خلف إصراري على قطع الربع الخالي، حيث وجدت السلام الحقيقي مع روحي ونفسي بين تلك الفيافي وفي الكثبان الرملية بالصحراء، وتعلمت فيها كيف تكون غنيًا رغم الفقر والبؤس...”.

هكذا كانت بداية ويلفريد ثسيجر مع صحراء العرب، في عشق أصبح يستحوذ على كيانه، لذا عزم على اكتشافها حيث انه وجد فيها حرية لا تتوفر في الحضارة، وحياة لا يعقدها متاع الدنيا، لأن كل ما هو غير ضروري كان عبئًا، كما عثر أيضًا على روح الزمالة التي لازمته في تلك الظروف، أمن بوجود السكينة، وتعلم القناعة المنبثقة عن المشقة، والسرور النابع من هجر الملذات كإشباع البطن حتى التخمة ولذة اللحوم وطعم المياه النقية ونشوة الاستسلام للنوم بعد الأرق، وتوفر دفء النار في فجر بارد. لذا توجه ثسيجر نحو صحراء العرب إلى الربع الخالي في شبه الجزيرة العربيّة.

*زيارة لمناطق محمية عدن

في عام عام 1945، وصل ويلفريد ثسيجر من الربع الخالي مرورًا بإمارة بيحان وحريب وصولا إلى سلطنة العوذلي العليا، ليحط به الرحال في إمارة الضالع وملحقاتها، وأثناء مكوثه في بلاد الضالع زار العديد من البلدات الريفية والجبال والسهول والوديان ليوثق ألبوما من الصور الفوتوغرافية عن أهم مزاراتها التاريخيّة، والتي لازالت إلى اليوم في متحف جامعة أكسفورد العريقة. نعرض هنا بعض الصور التي التقطها لمدينة الضالع (أسفل).



*تكريم لائق

حصل السير ويلفريد على ميدالية جمعية الجغرافيين الملكيين وميدالية لورانس العرب من الجمعية الملكية لآسيا الوسطى، وميدالية بورتون التذكارية من معهد السياتيك الملكي، كما حصلت كتاباته على جائزة هنمان وزمالة من الجمعية الملكية للآداب وشهادة دكتوراه فخرية في الآداب من جامعة ليستر، وحصل على وسام فارس، وأنعمت عليه الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا بلقب سير، وقلد وسامًا ملكيًا.

*مرجع لأرقى الجامعات

وبعد سبعين عامًا من رحلاته المثيرة، أصبحت تلك المدوّنات (تاريخيّة للمنطقة وجزء لا يتجزأ منها)، أو على الأقل، أصبح كتابه مرجعًا مهمًا من مراجع تاريخ جنوب شبه الجزيرة العربيّة يُدرس في أشهر جامعات العالم.

*فهرسة أعماله

في شهر ديسمبر 2004 أتم متحف بيت ريفير تحت إشراف جامعة أكسفورد البريطانية على مدى عام مشروع فهرسة الصور الفوتوغرافية، وكذلك ترتيب 38 ألف (نيجاتف للصور) إلى جانب 75 البومًا للطباعة وآلاف الملفات خاصة بثسيجر، وتم جمع المعلومات عن الأشكال والقطع التي تخص الصور من عدة مصادر منها مدوّنات ثسيجر ومن منشوراته وكتبه ومن الأدلة والشواهد التي تتضمنها الصور نفسها، وكل صورة تم توضيحها وفهرستها، بالنسبة للأشخاص والأماكن في الصور فقد تم تعريفها وتوصيفها قدر الإمكان، وكذلك الحال لتسلسل وتثبيت التاريخ عليها، وتم طباعة الصور وتخزينها بشكل رقمي بواسطة الماسح الضوئي وذلك لتسهيل الوصول إليها.

*مسيرة حافلة

احتل السير ويلفريد ثسيجر مكانة بين الأشخاص القلائل الذين جابوا شبه الجزيرة العربيّة، ليس كمستكشف فقط، وإنما ككاتب أيضًا.

ولد الرحّالة الإنجليزي ويلفريد ثسيجر عام 1910 في أديس أبابا، وهو أكبر أولاد النبيل ويلفريز ثسيجر، الوزير البريطاني في الحبشة آنذاك وتوفي عام 2003 بلندن، وهو مستكشف ودبلوماسي وكاتب ومؤرخ وعسكري وعضو في الأكاديميّة البريطانية والجمعية الملكية للآدب والجمعية الجغرافية الملكية، وتلقى دراسته الثانوية في مدرسة آيتون الراقية وأكمل دراسته الجامعية في تخصص التاريخ في كليّة مغدلن بجامعة أوكسفورد العريقة وفي عام 1977 عاد من لندن مرّة أُخرى وزار الخليج العربي والتقى برفاق الرحلة سالم بن كبينة الكثيري وسالم بن غبيشة الكثيري وبعض مشايخ قبائل الصيعر الحضرمية، ثم قام عام 1990 بزيارة إلى أبوظبي ليفتتح معرضا للصور التي التقطها في تلك الفترة، والتي تزيد على 3000 صورة توثق حياة الإنسان في الخليج وجنوب شبه الجزيرة العربيّة، ومنحه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربيّة المتحدة، وسامًا تقديريًا، ومنحه عام 2000 وسام الاستقلال من الطبقة الأوّلى لجهوده الثمينة التي قام بها في المنطقة ومؤلفاته ومنها كتاب (الرمال العربية).



وقد توفي غواص الصحراء، وأشهر من ارتحل في صحاري وقفار منطقة شبه الجزيرة العربيّة بشهر أغسطس 2003م عن عمر ناهز 94 عامًا، توفي في دار للمتقاعدين بعد أن أصبح على كرسي متحرك بمساعدة ممرض لا يعرف قيمة هذا المستكشف الذي أبحر في رمال صحراء العرب والمناطق الداخلية لمحمية عدن وغاص في غابات أفريقيا وخاض في أهوار وانهار العراق، حيث ألف كتابًا عن عرب الاهوار وجمع 38 ألف صورة عبر خمسين عاما من الاستكشاف، كان لمنطقتنا العربية حظ وافر منها.

وهكذا يختتم كتابه بعبارة جميلة: “وجدت السلام الحقيقي مع روحي ونفسي بين تلك الفيافي وفي الكثبان الرملية في الصحراء، وتعلمت فيها كيف تكون غنيًا رغم الفقر والبؤس، وتحملت شظف العيش وسط أناس غرباء لا يعرفون الوهن، حتى أنني من شدة التعب وتدني الروح المعنوية راودتني فكرة التخلي عن المضي فيما عزمت عليه، ولكنني لم أكن وحيدًا بين العرب، فقد كانوا بسطاء وكرماء.. هذه العادات والتقاليد الأصيلة التي نشأوا عليها لو أنهم زاروا إنجلترا، وتمنيت أنهم سيدركون أننا غير ودودين تجاه بعضنا البعض، تمامًا كما يمكن أن نبدو لهم”.

*ختامًا

يستحق السير ويلفريد باتريك ثسيجر وبحق أن يكون أحد عظماء الرحّالة في القرن العشرين لشخصيته الفريدة وقدرته على تدوّين مشاهدته في مؤلفاته وعلى الوفاء للناس والمكان، ولما أبداه من قوة الإرادة وروح المغامرة بتغلبه على مصاعب كثيرة كانت كفيلة بقتل فكرته في المهد، تجسّدت في اللغة وقساوة المكان ومخاطر السفر.

المراجع:

• كتاب (الرمال العربية)، للرحّالة الإنجليزي ويلفريد باتريك ثسيجر، تعريب إبراهيم مرعي.

• كتاب (عابرو الربع الخالي)، للكاتبة المصرية هويدا عطا.

• مجلـــــة العربـي الكويتيــة.

• مجلـــــة نـــــزوى العُمانيـــة.

• صحيفة الأهرام المصرية.

• صحيفة الشـــــرق الأوســط.

• صحيفة البيان الإماراتيــة.

• صحيفة الإمـــارات اليــــوم.

• صحيفة الخليج الإماراتية.

تقرير / شايف الحدي