الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

صفحات من نضال المقاومة الجنوبية ضد الإستعمار البريطاني (6) المناضل/ ناصر محمد باسويد: بدأت نضالي منذ منتصف الخمسينيات وتبنينا فكرة الكفاح المسلح

11 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
المناضل/ ناصر محمد باسويد
توطئة

عبر كل السنوات التي مرت منذ غزو المستعمر البريطاني للجنوب في 19 يناير 1839م، واصل شعبنا الجنوبي نضاله وكفاحه ضد الغزاة المستعمرين، وهو كفاح ونضال شاق وطويل تكلل بنيل الحرية وتحقيق الاستقلال وقيام الدولة الوطنية في الـ 30 من نوفمبر 1967م.

لكن ما تزال هناك صفحات منسية لملاحم بطولية قدمها الكثير من المناضلين بدءاً من يوم الـ 19 من يناير 1839م وحتى تحقيق الاستقلال والحرية لشعب الجنوب.

هناك أبطال قدموا أرواحهم رخيصة من أجل الوطن، ولم يكن هدفهم الكسب المادي أو الوصول إلى السلطة، بل إنهم ناضلوا وكافحوا من أجل هدف واحد وهو تحرير الوطن ونيل الحرية لشعب الجنوب. ذلكم هو الهدف السامي والغالي لكل الشرفاء.

أبطال يجب علينا ذكر مآثرهم وتوثيقها بأحرف من ذهب.

في هذه الحلقة نقف مع تجربة مناضل وهب حياته للوطن والشعب، إنه صانع القنابل التي بها مزق أجساد جنود الاستعمار البريطاني، وسنستعرض تجربته في هذه التناولة منذ الخمسينيات وحتى تحقيق الاستقلال في الـ 30 من نوفمبر 1967م. إنه الوالد الفقيد المناضل ناصر محمد باسويد، الذي كان من حظي أن زرته قبل موته في منزله في مدينة الشيخ عثمان، وحينها طلبت منه أن يحدثني عن مشواره النضالي الطويل فلم يمانع وقال: بدأت نضالي مبكراً ضد الإستعمار البريطاني وتحديداً في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، حيث كنت بمعية مجموعة من المناضلين، ومنهم الشهيد هاشم عمر، كنا نلتقي ونناقش ضرورة قيام الكفاح المسلح، فكان هناك من يرفض فكرة الكفاح المسلح ويقول إن المفاوضات أجدى.

وفي نهاية اعام 1957م ومطلع العام 1958م اتفقنا مع مجموعة أمثال: سالم الكمراني، صالح عبدالرزاق ومحمد أحمد نعمان على بدء النضال ولم تكن معنا أسلحة فقمنا بصنع قنابل شبه يدوية معمولة من الخشب نقوم بنجرها ونضع بداخلها بارودا وقطعا من الحديد الصغيرة، وكنا نذهب إلى تعز ونشتري الصواعق ومن ثم نعمل للقنبلة فتيل نفجرها بواسطته.

وأضاف: لقد قمنا بتنفيذ عدد من عمليات التفجير ضد ضد القوات البريطانية بواسطة هذه القنابل، ومنها عملية قمنا بها في معسكر طارق وأسفرت عن مقتل (13) ضابطا وجنديا بريطانيا كانت تلك العملية عام 1958م.. كما قمنا بتفجير جريدة لقمان لأنها كانت تمجد الحكم البريطاني في عدن، وكانت خليتنا الفدائية مكونة من (11) فرداً، ولم نكن ننتمي لأي حزب أو فصيل سياسي، كان عملنا فقط من أجل الوطن.

ومن ضمن العمليات التي نفذناها عملية تفجير أنابيب البترول في طريق الجسر، وفور هذه العملية تعرض المناضل صالح عبدالرزاق للاعتقال وقبع في السجن مدة طويلة، وكان ذلك بسبب بلاغ من شخص انضم إلينا بينما هو يعمل في الاستخبارات البريطانية، فهذا الشخص شاركنا وقام بعمليات تفجيرات، وجعلنا نطمأن له، لكنه خدعنا ووضع كميناً لرفيقنا صالح عبدالرزاق الذي تم القبض عليه في نقطة (no 6).. وبعد ذلك قامت الاستخبارات البريطانية بوضع العديد من المفرقعات في المدارس، واتهموا من أسموهم (المخربين) وقصدهم بهذه الأعمال تشويه شمعتنا بين المواطنين وجعلهم يبلغون عن أي تحركات نقوم بها.

ويواصل باسويد سرد ذكريات النضال قائلاً: نحن واصلنا عملنا بالحوار مع الشخصات الوطنية، وكنت أنا في النقابة الفنية مشرفاً للنجارة مع الحكومة البريطانية، فقاموا باعتقالي من مقر عملي حين كنت مشرفاً على العمل في مستشفى (الملكة) مستشفى الجمهورية حالياً. وفي عام 1962م شاركنا في الزحف على المجلس التشريعي، وتعرضت للإصابة في إحدى عيني وأسعفتني امرأة من منطقة القطيع وقامت بعمل الإسعاف الأولي لعيني.

وعندما بدأت التشكيلات للتنظيمات كنت أنا والمجاميع التي معي ضمن جبهة التحرير، وواصلنا الحوار السياسي إلى أن تم الدمج بين منظمة التحرير والجبهة القومية وانخرط العديد من المقاتلين في صفوف جبهة التحرير (flosy) وفرقها الفدائية أمثال: سالم يسلم، نصر بن سيف، هاشم عمر ومحمد ناصر (مختار) وعدد آخر.

وفي العام 1965م شكلنا فرقاً مقاتلة تابعة لجبهة التحرير، وكنت في البداية المسئول الأمني لفرقة النجدة التي كان معظم مقاتليها من العوالق وعزان وبيحان ومن أبرزهم سالم الهارش (رحمه الله) والذي كان قائداً للفرقة وينوبه علي محمد البيحاني وصالح ناصر العزاني ومحمد عبدالله العزاني، وكنا نقوم بالعمليات الفدائية ونتعرف على الاتصالات بين النقاط والمراكز البريطانية بالتقاط ذبذبات اللاسلكي بواسطة أجهزة الراديو لنعرف ما يخطط ضدنا. كما كنا نقوم بمهاجمة المعسكرات البريطانية في خور مكسر بواسطة مواسير (2 إنش) نضع فيها القذائف على بطاريات ونمد أسلاكا إلى بعيد، وكنا نطلق القذائف أحياناً من منطقة العريش، وأحياناً من الصولبان أو من مواقع أخرى، وكنا نحرض أن ننفذ في كل أسبوع هجومين أو ثلاثة ضد المواقع البريطانية.. في الوقت الذي كانت الفرق الفدائية الأخرى تقوم بتنفيذ عمليات كبيرة ورهيبة ضد قوات الاحتلال. وأتذكر أن أحد الفدائيين شاهدته وكان يقوم بزرع الألغام الأرضية ضد الدبابات في بعض الشوارع في منطقة الشيخ عثمان، وعندما تأتي الدبابة البريطانية يقوم بإطلاق النار عليها من مسدسه فتقوم الدبابة بمطاردته فيما يقوم هو بالهروب إلى نفس موقع اللغم الذي زرعه والدبابة خلفه فتقع في الفخ وينفجر بها اللغم..

كما أتذكر أنه في عام 1967م كنا نقوم بتلغيم منطقة قسم (ألف) بالشيخ عثمان ونترك ممراً واحداً فقط ونضع مرشداً من قبلنا للمواطنين خوفاً من وقوع أي أحد في مواقع الألغام.. وفي إحدى الليالي "باعنا" أحد الأشخاص وأبلغ القوات البريطانية بالممر الآمن، فهاجمتنا دبابة وسيارتان من القوات البريطانية عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل بهدف اعتقال رئيس الفرقة يسلم الهارش، وكنت أنا وعدد من رفاقه نائمين فدخلت القوة حتى وصلت كود بيحان، وكان معنا حارس ليلي وعندما رأى الدبابة والسيارتين قام بإطلاق النار وفر هارباً فتنبهنا للخطر، وكان سالم الهارش وأنا وعدد من أصحابه نائمين على سطح المنزل فقمنا من النوم والجنود الإنجليز يضعون سلماً للصعود إلينا فباشرناهم بإطلاق النار وقتلنا جنديين، وكان قائد المجموعة الإنجليزية يصيح بأعلى صوته: (كفرد .. كفرد) يطلب من الدبابة عمل تغطية للجنود، ونحن منبطحون فوق سطح المنزل ومستمرون بإطلاق النار فقتل منهم جندي ثالث وعندها هرب بقية الجنود والدبابة تتهيأ لإطلاق القذائف على المنزل، فخرج أحمد عبدالله العزاني ومعه مدفع هاون (2 إنش) وبدلاً من وضع المدفع على الأرض ونظراً للإرباك وضع المدفع على ركبته وأطلق قذيفة على الدبابة فأصابها إصابة مباشرة حطمت مقدمتها بما فيها كشافة الإضاءة، لكن أصيبت ركبته جراء ضغط المدفع عليها، وكان هذا أحرج هجوم مباغت تعرضنا له، وعند الفجر قمنا بإسعاف العزاني إلى تعز ولا زالت الإصابة تلازمة حتى اليوم.