الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

صيحة تلتها صرخة ولكن.. إلى مزبلة التاريخ

11 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
جلال عبده محسن
كثيرة هي الصيحات والصرخات التي أطلقها الفلاسفة والمفكرون وحتى العامية من الناس، والتي كانت لها أصداؤها المدوية على مر الأزمان، ولها قيمتها وروحها وعطاؤها الفكري والمادي، تخلدها الناس وتتناقلها الألسن عبر الأجيال، بعضها أصبحت في متاحف التاريخ، والبعض منها تذهب إلى مزبلة التاريخ. وبالتأكيد ما من صيحة نشأت منعزلة دون أن يتأثر بها صاحبها ولأسباب مختلفة، فمنها ما يعود إلى محاولة للتوصل إلى المعرفة أو الحقيقة، ومنها ما كانت ردة فعل متأثرة في نمط أساليب العيش في مجتمع ما وكانت سببا في إطلاقها.

ومن تلك الصيحات المدوية والتي يخبرنا بها التاريخ، تلك التي أطلقها الفيلسوف السويسري جان جاك روسو(1712ـ1778م) منذ القرن الثامن عشر يوم قال: “اعرفوا الطفولة”، وهي الصيحة التي كانت ومازالت تعبيرا عن عجز الإنسان في التعاطي الصحيح مع الطفولة باعتبارها من أهم مراحل عمر الإنسان ومن أخطرها على امتداد مرحلة حياته، كما إنها تشكل البداية الحقيقية التي يعول عليها لبناء مجتمع قوي ومزدهر.

وقبلها كانت الصيحة التي أطلقها سقراط الفيلسوف اليوناني (469 ــ 399 ق.م)، والتي قضى جل حياته باحثا عن الحقيقة بقوله: “اعرف نفسك”، وهي محاولة فهم الإنسان ليعرف نفسه بنفسه بكل شجاعة وصدق للوصول إلى حقيقة موضوعية.

ولعل الصيحة الشجاعة تلك التي أطلقها الشاعر الإيطالي “بترارك” والتي تفصح عن العقدة أو العقبة التي لا يمكن إنكارها، وهي عقبة التفوق العربي الإسلامي على العبقرية الإيطالية، والتي يصرخ فيها بترارك بالإيطاليين عاليا فيقول: “ما خطبنا لقد استطاع (فرجيل) أن يصبح شاعرا بعد (هوميروس)، واستطاع (شيشرون) أن يصبح خطيبا بعد (ايموستين)، أما العرب فما خطبنا معهم؟ هل قدر علينا ألَّا نكتب شيئا بعدهم؟ لقد تساوينا أحيانا مع الأغارقة، وفقناهم أحيانا آخر، وبذلك نكون قد تفوقنا على كل الأمم ما عدا العرب كما يقولون، يا للبلادة!! يا للخمول!! ويا لضيعة العبقرية الإيطالية التي انطفأت وخمدت!!.

كما كانت هناك صيحة (فولتير) الشهيرة قائلا لـ (جان جاك روسو) حينما أصدرت السلطات السويسرية حكما بإعدام كاتب “العقد الاجتماعي” حينما قال كلمته المدوية: “إنني لا أؤمن برأيك، لكن على استعداد لأن أموت دفاعا عن حقك في أن تبديه وتعلنه على الناس”.

كما لا ينسى لنا التاريخ صرخة المرأة العربية الهاشمية التي وقعت في أسر الروم أيام الخليفة العباسي حينها “المعتصم”، ونادت: “وامعتصماه”، وهي الصرخة التي لبى لها الخليفة والتي كانت سببا في فتح “عمورية” عندما أرسل رسالة إلى أمير عمورية قائلا له: “من أمير المؤمنين إلى كلب الروم.. اخرج المرأة من السجن وإلا أتيتك بجيش بدايته عندك ونهايته عندي”، ولما لم يستجب الأمير الرومي، انطلق المعتصم بجيش جرار لم يعده أحد من قبل، وأرسله على وجه السرعة وخرج به بنفسه لفتح عمورية، وهي المعركة التي وقعت بين العباسيين والبيزنطيين بالقرب من مدينة عمورية في الأناضول وانتهت بانهزام القوات البيزنطية وتدمير المدينة بالكامل.

وشتان بين صرخة وصرخة، صرخة حق كما أطلقتها تلك المرأة العربية، وصرخة باطل جاءت في زمننا المعاصر هذا، التي للأسف انطلقت من أرض الإيمان والحكمة، والتي قال عنها رسولنا الكريم: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، كتلك الصيحة المشينة والتي أطلقها ذلك “المخلوع” منذ بدايات الوحدة “المغدورة” تحت شعار “الوحدة أو الموت”، وظل يرددها حتى بعد الإطاحة به.

وهي الصيحة التي كانت بمثابة الشعار الدموي لتنفيذ كل جرائمه السياسية للتخلص من خصومه السياسيين ممن حاولوا معارضته عن حماقاته في إدارة شؤون الحكم، والتي جعل من الصراعات والحروب أساسا لحل الخلافات السياسية لإدخال الناس في أتون الفتن والاقتتال والانشغال الدائم في دوائر مغلقة لا تنتهي، بينما هو يتفرغ للحفاظ على كرسي العرش لأطول فترة زمنية، الأمر الذي ساهم في قتل روح الوحدة والانتقال بها من عملية الشراكة التي تمت بموجبها الوحدة إلى عملية الاستئثار بالسلطة عن طريق الضم والإلحاق والإقصاء والتهميش ليفرغها من مضمونها الوطني والاجتماعي، لتلتقي في الأخير مع تلك الصيحة الحوثية التي تثير السخرية والتهكم، والقائمة على الدعوة الدموية وإراقة الدماء، ليس كما يدعون الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل، بل لقتل بني جلدتهم من اليمنيين الرافضين والمعارضين، لا لشيء سوى لتنفيذ مخططات أسيادهم الشيطانية في إيران، لتشكل بذلك تلك الصيحة، وتلكم الصرخة علامة فارقة سوداء في تاريخ الصيحات.. لتذهبا إلى مزبلة التاريخ.