الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

كيف يموت الشعراء؟ من العربي أبي الطيب المتنبي إلى الإنجليزي توماس تشاترتون

11 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
في أدبنا العربيَّ القديم كتاب عن «مصارع العشاق»، ولكن ماذا عن مصارع الشعراء؟ ليس هناك على قدر علمي كتاب عربيَّ يتناول الموضوع تناولًا وافيًا، وإن انتشرت عبر القرون قصص متفرقة عن الطريقة التي مات بها أرباب الوزن والقافية (مصرع المتنبي على أيدي من ترصدوا له قرب "دير العاقول"، ومصرع وضاح اليمن في صندوق خبأته فيه عشيقته قبل أن يدخل زوجها الغرفة، ومصرع ابن المعتز بعد ليلة واحدة قضاها على عرش الخلافة، ومصرع أبو القاسم الشابي وبدر شاكر السياب وأمل دنقل وحلمي سالم على فراش المرض (تعددت الأمراض مابين مرض القلب والسرطان.. الخ، والموت واحد)، ومصرع خليل حاوي منتحرًا بطلقة رصاص، ومصرع صلاح عبد الصبور بعد كلمات جارحة أصابته في مقتل إذ طعنت في وطنيته ونزاهته، ومصرع صالح الشرنوبي تحت عجلات قطار في بلدته بلطيم، ومصرع ملك عبد العزيز بعد أن سقطت عليها شجرة، ومصرع يحيى الطاهر عبد الله (وأنا أدرجه في زمرة الشعراء؛ لأنه كان شاعر القصة القصيرة بامتياز) في حادث سيارة، والأمثلة كثيرة لا يتسع لذكرها.

واليوم ينضم إلى المكتبة الإنجليزية كتاب عنوانه «مصارع الشعراء» من تأليف الشاعرين والأستاذين الجامعيين البريطانيين بول فرلي ومايكل سايمونز روبرتس، ويقول المؤلفان في مقدمة كتابهما إن «الشعراء قد ظلوا دائمًا يغامرون أو يقامرون من أجل الشعر، منهم من ضحى بصحته أو أسرته أو مستقبله أو بأمنه أو حتى بحياته.

من هنا ارتسمت صورة خاصة للشعراء في الأذهان، من المسموح للروائي أن يكون عاقلًا خبيرًا بأمور الدنيا ومتحكمًا في تصرفاته، أما الشاعر فينتظر منه أن يكون مكتئبًا محكومًا عليه بالهلاك ومدمرًا لنفسه قبل أن يدمره الآخرون».

ترى متى بدأت هذه الصورة الرومانتيكية تتكون؟ إن الصلة بين الشعراء والفناء وثيقة، ونحن قد ظللنا دائمًا نهتم بآخر كلمات الشعراء على فراش الموت وكأنها تلخص تجربة حياتهم (قال جوته وهو يحتضر «النور.. مزيدًا من النور").

يتناول المؤلفان عددًا من الشعراء البريطانيين والأميركيين منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين، ومن هؤلاء الشعراء البريطانيين (إنجليز، ويلزيين، آيرلنديين، اسكوتلنديين)، توماس تشاترتون.. إلخ.

سأقتصر هنا على وقفة قصيرة مع شاعر من هؤلاء الشعراء، ولتكن مع أقدم هؤلاء الشعراء زمنًا وأصغرهم سنًا، وهو الشاعر الإنجليزي توماس تشاترتون (1752 - 1770) الذي لقي مصرعه قبل أن يتم الثامنة عشرة من عمره وغدا منذ ذلك الحين أيقونة الحركة الرومانتيكية في إنجلترا وفرنسا على السواء.

ترك تشاترتون المدرسة في سن الرابعة عشرة وعمل متدربًا في مكتب محامٍ. تجلت موهبته في التأليف ومحاكاة كتاب الماضي في سن مبكرة مما أغراه بأن يرتكب عملية تزوير أدبي هي أن يؤلف قصائد من نظمه بأساليب شعراء العصور الوسطى ويدعي نسبتها إليهم (قارن قضية الانتحال في الشعر العربي التي أثارها المستشرق الإنجليزي مرجوليوث ومن بعده طه حسين).

ادعى تشاترتون أنه اكتشف في برج كنيسة سانت ماري رادكليف في مدينة بريستول صندوقًا يحوي مخطوط قصائد من نظم راهب من القرن الخامس عشر يدعى توماس راولي (لا وجود لمثل هذا الراهب وإنما هو من تلفيق شاعرنا). انطلت اللعبة في البداية على معاصري تشاترتون ومن يكبرونه سنًا ومنهم الأديب هوراس والبول.

وسافر الشاعر إلى لندن وملؤه آمال كبار في النجاح الأدبي والمادي بعد الثناء الذي أغدقه النقاد والأدباء والقراء على هذه القصائد، لكن عددًا من الدارسين مثل إدموند مالون كشفوا النقاب عن زيف هذه القصائد، وهنا قلب الجميع له ظهر المجن ووجد نفسه يتضور جوعًا في العلية التي يقيم فيها في ضاحية هولبورن في لندن، فتناول جرعة زائدة من الزرنيخ (لا نعرف أكان ذلك قصدًا أم على سبيل الخطأ)، هنا انبعثت موجة من العطف عليه (وحداثة سنه تغفر له ما فعل أو على الأقل تخفف من ذنبه) وأعلن المعجبون به أنه شهيد الأدب، وأنه ضحية مجتمع قاسٍ لا يرحم.

وحرصا المؤلفان -كما يقولان في خاتمة الكتاب- على ألا يحيلاه إلى «مدينة للموتى»، مثل جبانة طيبة في مصر القديمة، هذه قصص موت حقًّا، ولكنها أيضًا قصص عبقريات تغلبت على الموت حين بقيت ذكراها، و«الذكر للإنسان عمر ثانٍ» كما يقول أمير شعراء العربيَّة في أوائل القرن العشرين أحمد شوقي.