الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

ذات عدن.. ذات زمن 15

11 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
صور من أرشيف «الأيام» لرئيس وأعضاء الهيئة الإدارية لنادي الإصلاح العربي - التواهي
حين نادتني ، كنت بالكاد في العاشرة من عمري.

عدن .. عدن ، ياريت عدن مسير يوم ..

محمد عمر بحاح


لم يكن بوسعي غير تلبية النداء ، حتى ان كان بيني وبينها بحور ! اجتزت اليها غابة الطفولة ، و البحار ، في رحلة استغرقت نحو اسبوعين . ولم يكن في قريتي الساحلية والشاطيء الذي ركبت منه سفينة شراعية طائرة حتى انصت لصوت ابوبكر بلفقيه :

ياطائرة طيري لا بندر عدن .. زاد الهوى ، زاد النوى زاد الشجن .. ع الهجر ماقدرش انا .. اشوف يومي سنة .. ذي جنة الدنيا حواها كل فن .

لم اكن اعرف ماهو النوى ، ولا ماهو الشجن ! لكني حتما اعرف عدن . اقصد سمعت عنها الكثير ، وارتبطت بوجداني بانها الدنيا ، ولا مدينة سواها . وهاهي الان امامي ، بحرها لايشبه البحور ، سماؤها اجمل سماء ، جبالها بركانية ، رمالها ذهب ، ماؤها عذب ، اسواقها فانتازيا تحوي كل بضائع العالم ، ناسها من شرق وغرب ، واهلها اطيب بشر . اما حين يغنون فغناؤهم كل العجب ! اذااردت ان تكتشف المدن ، فعليك بفنونها ، ثقافتها ، آدابها ، اشعارها ، اغانيها ، رقصاتها ، فنونها المعمارية ، تاريخها ، ادبائها وفنانيها.

كل صباح كان محمد سعد عبدالله ، يوقظني من نومي على صوته العذوب : صباح الخير من بدري .. فيما بعد صار جاري في المشروع السعودي في المعلا .

كان صوت بن سعد اللازمة الصباحية من اذاعة عدن ، ومعه صوت السيدة ام كلثوم : ياصباح الخير ياللي معانا ..

من تلك الزاوية كنا ندخل الى صباحات عدن .. بعد القرآن الكريم والحديث الديني ، ونذهب الى مدارسنا ، اشغالنا ، وننطلق الى النهار الذي جعله الله معاشا …..

(2)

صدفة التقينا على الساحل ولا في حد / صدفة بلا ميعاد / جمع الهوى قلبين .. سمعت أبين على الأمواج تتنهد / لما حواك الفؤاد والعين تناجي العين والبحر والرمل والبدر والحبيب يشهد / على الهوى والوداد .

الهوى هو الهوى، والبحر هو البحر، وساحل أبين هو ساحل أبين .. لكن لطفي أمان ليس أي شاعر، وأحمد قاسم ليس أي فنان .. وعندما تلتقي العبقريتان انظر ماذا يحدث!

ولا أحد يعرف الصحراء مثل الجرادة، ( هي وقفة لي لست أنسى ذكرها أنا والحبيب / في ليلة رقصت من الأضواء في ثوب قشيب / جو غنائي سبحنا في محيط من سناه / لما اقتعدنا الرمل في قفر ترامى جانباه / لمعت في ايدينا الكؤوس واجرت النغم الشفاه ) .

كان اللقاء بين محمد سعيد جرادة ومحمد مرشد ناجي في (وقفة) ايذاناً بميلاد فنان الشعب المرشدي الذي استمرت مسيرته الغنائية أكثر من ستين سنة .



لم يكونا وحدهما في الساحة، أقصد أحمد قاسم والمرشدي، لكن المنافسة بينهما كانت شديدة ..

كان هناك محمد سعد عبد الله، شاعر، ملحن، ومطرب، وصوته العذب لا مثيل له، وأغانيه الرسول الى المحبين، وعطر الأحبة، والماركة المسجلة للعطور . وعندما أنزل أغنيته التي سرت مجرى النار في الهشيم في مطلع الستينات (يا ناس ردوا حبيبي وروحي) كنت أرى دموع أخي تسيل كلما سمعها من اذاعة عدن، ولا شك ان ذلك كان شأن العشاق في عدن تلك الأيام، أما انا فقد كنت صغيراً على الحب، كبيراً على البكاء!!

(3)

وعدن مكتظة بالشعراء ، الفنانين ، العازفين ، وطلاب الشهرة . فيها الفرق الموسيقية ، فيها المسارح ، الاذاعة ، الصحافة، والمنتديات الادبية والثقافية والموسيقية . وهذه المنتديات هي التي اسهمت في صناعة نهضة عدن الثقافية والادبية والفنية . اول منتدى انشيء فيها سنة 1925 أسسه الامير الشاعر احمد فضل القمندان ، وتولى ادارة نادي الادب العربي وهذا هو اسمه ، محمد علي لقمان . تبلورت فكرة انشاء النادي خلال زيارة الاستاذ عزيز الثعالبي لعدن والذي اقترح على بعض مثقفيها ضرورة تأسيس ناد عربي ادبي ثقافي . ومهد ظهوره الطريق لتأسيس نواد وجمعيات اخرى ، رياضية ، اجتماعية ، ادبية ، وثقافية .

في 1939- 1945 تأسس في عدن مخيم ابو الطيب المتنبي . واصدر كتاب ( اقلام المخيم ) وتمحور نشاطه بالقاء المحاضرات الادبية والسياسية ، وارسال اعضائه للدراسة في الخارج حيث التحق عدد منهم بالدراسة في جامعات مصر ولندن وغيرهما . ومن ابرزهم : محمد عبده غانم ، علي محمد لقمان ، حامد الصافي ، زين الحازمي ، يوسف السعيدي ، عبد الرحيم لقمان ، ابراهيم لقمان ، حامد لقمان وغيرهم . وعادوا للعمل في عدن .

في سنة 1949 افتتح اعضاء نادي الاغبري ( كرمة ابي العلاء ) الادبية ، وتكون المؤسسون من : قائد محمد غالب الاغبري ، عبدالكريم عمر ، عبدالغني صالح ، الشيخ محمد ناجي واخرين . وقبلها اسس نادي الاصلاح العربي بالتواهي (حلقة شوقي ) الادبية ، وكانت تستضيف الادباء وتقيم لهم امسيات ادبية ، كما نظمت حفلات تكريم للادباء والمبدعين الشباب .

اما نادي الشباب الثقافي في الشيخ عثمان ، فقد تأسس سنة 1947 ،ويعتبر اهم نادي ثقافي بعد نادي الاصلاح العربي ، ومن اهم مؤسسيه : محمد سعيد جرادة ، ادريس حنبلة ، محمد فضل عبدالله ، عبدالله محمد الشبوطي ، عوض سعيد ماطر ، عبد الله سالم عبدالله ، احمد سعيد الاصنج . وفي 1951 تأسس نادي الشباب الادبي في كريتر من حسين سالم باصديق ، محمد عبد الباري ، على لقمان ، حسين محمد صالح ، محمود محمد صديق ، محمد علي حيدرة ، محمد صالح سودي ، عثمان علي محفوظ ،عبدالله هارون العطاس ، عبد الله علي عبيد ، وفيصل عبدالمجيد لقمان . في عام 1962 تأسست الرابطة القومية للكتاب العرب في اليمن في مدينة عدن ، ومن اهم مؤسسيها : محمد سالم علي ، عبد الله الاصنج ، محمد سعيد مسواط ، طه احمد مقبل ، نور الدين قاسم ، احمد المروني ، عبد الملك اسماعيل ، عبد القادر باصالح ، سالم زين محمد ، محمد الصباغ ، سعيد الجناحي ، محمد سالم باسندوة ، ولكن يتضح من دستورها الذي نشرته في صحيفة ( الحقيقة ) ان اهدافها كانت سياسية ، وان توارت تحت مسمى ادبي !!!

(4)

نادي الاصلاح العربي الذي تأسس في مدينة التواهي سنة 1929 هو اقدمها على الاطلاق . وكان من اهم اهدافه الاصلاح الاجتماعي ، واولى اهتمامه منذ البداية بالنشاط الادبي والاجتماعي . وانتخب رئيسا له عبده غانم ، والد الشاعر محمد عبد غانم ، ونائف حسين دسوقي سكرتيرا للنادي ،وكان حينها مديرا للمدرسة الحكومية بالتواهي . وقد اسس كل من محمد علي لقمان واحمد محمد الاصنج ناديين يحملان نفس الاسم سنة 1930 في كل من كريتر والشيخ عثمان ، وكان التنسيق يتم بين النوادي الثلاثة في انشطتها الثقافية والادبية وفي اقامة الحفلات الفنية ، وارسال البعثات التعليمية الى الخارج لكن نشاط ناديي عدن والشيخ عثمان توقف بعد فترة بينما استمر نادي التواهي في ممارسة نشاطه . وتوالى على رئاسته كل من : عبده غانم لسبعة عشرة عاما كاملة ، عبدالرحمن جرجرة من ( 46 الى 1948 ) محمد علي باشراحيل من ( 1948 – 1958 ) محمد علي الاسودي بين عامي ( ( 52 -( 53 )ومحمد عبده غانم منذ عام 1953 ومابعدها . دستور النادي حدد اهدافه ب : تشجيع نشر التعليم والثقافة وتاسيس الحلقات الادبية ، تشجيع الرياضة الداخلية والخارجية ، اقامة حفلات عامة في المناسبات الدينية والقومية ، المساهمة في حل مشاكل البلد العامة بالطرق المشروعة ، وبث روح التعاون بين الاعضاء وتنمية روح التآخي ومحاولة خلق روح جماعية بينهم .

اسهمت هذه المنتديات والنوادي الثقافية والادبية في نشر الوعي ، وظهرت تأثيراتها فيما بعد في نشوء الحركات السياسية والوعي الوطني والقومي في عدن ومنها امتد الى السلطنات والمحميات المجاورة وحتى اليمن . اذ كانت عدن هي الموقع الذي انطلق منه قطار التنوير الى كل المحيط وامتدت شراراته الى حيث يمكنها الوصول .

وللحديث بقية ….

نقلا عن موقع "صوت عدن"