الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الهرم الفرعوني الرابع

19 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
محمد العولقي
* كلما شعرنا نحن العرب بالإنكسار ونضوب معين الإنتصارات يممنا وجوهنا شطر أرض الكنانة ، فهناك وعلى دروب (أم الدنيا) تتوارى إنكساراتنا عن مشهد الإحباط خجلاً و كسوفاً .. وكلما شعرنا أننا بحاجة إلى جرعة أمل وإلى الإبتعاد عن (ترعة) الهزيمة ، لوينا أعناقنا صوب (أرض النيل) .. هناك وتحت سقف (المسلات) تبتعد عنا السحابة الداكنة مع فاصل من الغناء ، ليس لنا في وطني حبيبي الوطن الأكبر سوى (مصر) ، نلوذ بها كلما داهمتنا سنوات القحط العجاف.

* عانت بطولات كأس العالم من (هذيان) و(قلة حيلة) ، وهي تزدان برايات النهائيات ، فليس من الطبيعي أن تقرع طبول (المونديال) و منتخب (مصر) ليس من ضمن المعازيم .. لم يكن أمر تأهل (مصر) لنهائيات كأس العالم الصيف القادم بروسيا سوى إعادة رد الإعتبار للمنتخب المصري ، لم يكن الأمر عادياً ، ولم يكن الأمر إستثناء ، لكنه كان أمراً خارقاً للعادة.

* كان سيناريو الحسم أمام (الكونغو) مثيراً لأعصابنا ، لكنه بالنسبة للمصريين كان منطقياً ، فهو يتماشى مع معجزات (الفراعنة) التي حيرت قارات العالم.

* بكيت مع (مدحت شلبي) بعد هدف (محمد صلاح) القاتل ، هربت الدماء من وجهي تماماً وأنا أتابع المشهد (الهتشكوكي) ، وعندما سجل (صلاح) ركلة الجزاء كسرت شاشة التلفزيون فرحاً ، فقد إرتدت إلي روحي بحركة مباغتة.

* تمنى منافسو منتخب (مصر) أن يتعادل على الأقل ، حتى لا تتحول الجولة الأخيرة من تصفيات كأس العالم إلى سمرة شاي وقهوة وبعض النميمة .. لكن (الفرعون) الذي عمر الأرض بحضارة السبعة آلاف سنة ، إرتبط مع العيد بعقد من فرح ولآلىء ، فأكتوبر شهر عانق فيه الشعب المصري معجزات مازالت تترجم إلى كل اللغات.

* تعلمت من المنتخب المصري أن لا مفترق طرق بين الفرحة والألم .. بين الإبتسامة والتأوه .. بين المعاناة والإنفعال.

* غرقت مدرجات استاد (برج العرب) بمدينة الإسكندرية في بحيرة من التوتر والقلق .. سمعت دقات قلوب مائة مليون مصري تدق قلبي بعنف .. صدقوني ليست مبالغة بلاغية .. أو سلسلة هروب نحو شبح النفاق .. لكنها الحقيقة بشحمها ولحمها وعظمها.

* في لحظة هاربة من أجندة إنفعالاتنا بدد (تاجر السعادة) الفرعون الليفربولي (محمد صلاح) سحب التوتر ، فتحول توترنا إلى غيث ابتسامة ، ثم إلى مطر فرح ، أغرق الوطن العربي في سيل من الخيرات.

* الفنان (محمد صلاح) يستحق أن ينتصب لأجله تمثال فرعوني ، قياساً لخدماته الجليلة ، التي وضعت (مصر) في مكانها الطبيعي كروياً ، يستحق أن يكون هرماً رابعاً يجاور خوفو وخفرع ومنقرع .. الفرعون (محمد صلاح) الذي نقش إسمه على جدران قلوبنا وكتب إلياذته المونديالية وسط أكبادنا ، يشبه الحكيم الفرعوني الفذ (أمحتب) ، ذلك النحات المعماري العبقري الذي وضع تصميم الهرم.

* أحب (الفراعنة) حكيمهم العبقري (أمحتب) ، ونحتوا حبهم له على تماثيلهم وأهراماتهم ، شغل الحضارات القديمة والحديثة ثم مضى في سلام .. وبدون شك يقف (محمد صلاح) في واجهة الإحترام والتقدير عند الجميع ، فهو اللاعب المنقذ الذي يشهر سيفه في المعارك الكروية ويخرج من معمعتها فائزاً منتصراً متأبطاً الجمل بما حمل.

* والفرعون (صلاح) لا يحتاج إلى إستئذان للتوقيع على قلوبنا ، فهو من تملكها سحراً وأدباً وأخلاقاً .. و(محمد صلاح) هو العطر الفرعوني الذي تحول عند خصومه إلى سم زعاف حنط به كل منعطفات المنتخب في رحلته المثيرة نحو (روسيا).

* أخيراً يستيقظ التاريخ الفرعوني على كرنفال عيد سعيد مستلهماً من وحي ملاحم وبطولات (فراعنة) حاول بعض الحمقى تقليدهم فسقطوا في مزاد الحضارة بالضربة القاضية.

* ثمانية وعشرون عاماً والمصريون يكابدون (لعنة) المونديال ، كان المنتخب يحتاج إلى طبيب فرعوني يتحدث بالهيروغليفية ، لفك طلاسم (لعنة) الفرعون (مجدي عبد الغني).

* دخل المنتخب المصري في حالة جفاء وخصام مع (المونديال) ، مرات كان يصل إلى (العتبة) ، ثم يرتد إلى نقطة (الخيبة) في الأمتار الأخيرة .. وكاد برجي يطير من (نفوخي) ، ونحن نشاهد منتخبات إفريقية (أونطة) تتأهل وترقص في كرنفال (المونديال) ، ومنتخب (أم الدنيا) يشاهد العرس في المحروسة دون رغبة.

* والآن بعد أن هدأت الأنفاس اللاهثة يحق للمونديال ، أن يقيم الأفراح ، والليالي الملاح في (روسيا) ، فمونديال بدون (فراعنة) العالم ، يجعلنا نعيش حالة عدم رضا من وجبة طعام بدون ملح.