الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

(معك صرف) ؟ في عـدن.. الشكولاتة والعلكة بديلة عن السيولة النقدية

29 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
كلمتان يواجههما المواطن في عدن، فأينما وليت تسمعها.. "معك صرف؟"، لاسيما في حافلات النقل, والأسواق العامة ومحلات بيع الخضار والأسماك.. فمدينة عدن وما جاورها من محافظات لازالت تعاني من أزمة سيولة نقدية أتعبت كاهل المواطن وجعلته يبحث في كل مكان عن سيولة نقدية، فاختفاء العملات النقدية فئة (50)ريالا، و(100) ريال و(250) ريالا، أصبحت عائقا يعرقل سير الحياة الطبيعية وتعاملات الناس في مدينة عدن.

في الآونة الأخيرة عملت الحكومة على طبع العملات الورقية بالمليارات وأغرقت بها السوق من فئتي: 1000 و500 ريال، وفي المقابل اختفت العملات الأقل قيمة حتى القطع المعدنية من أسواق الصرافة والمحلات التجارية والبنوك، بما فيها الورق النقدية التي إن وجدت فإنها تكون بحالة يرثى لها، ممزقة ومهترئة فاقدة لقيمتها النقدية.

ورغم هذا مازال الناس يتداولونها ويتعاملون بها، فليس هناك بديلا عنها!.

«الأيام» قامت باستطلاع رأي عن اختفاء العملات النقدية ذات القيمة الصغرى، والتقت بعدد من المواطنين ومدراء البنوك التجارية والحكومية ومحلات الصرافة لمعرفة المشاكلات والصعوبات التي باتت تلقي بظلالها على حياة العامة من الناس الأكثر فقراً، وتتسبب لهم الكثير من المنغصات.

*عملات منتهية الصلاحية

المواطنة فوزية خالد (أم هاني) تقول “اختفاء العملات الصغيرة خاصة أبو خمسين و المائة ريال، وانعدام العملة المعدنية بفئاتها الثلاث أصبحت مشكلة نعاني منها، فالعملات الموجودة حالياً في الأسواق خاصة الورقية فئة (50، 100، 250 ريال) تعيش في أرذل عمرها، ونخجل حقيقة أن تكون هذا عملة وطنية، فمن المفروض أن يعمل البنك على جمعها من الأسواق كما في السابق واستبدالها، لكن البنك نائم في العسل، ولا يهتم بهموم المواطن، وتدهور العملة وتمزقها”.

وتضيف: “ليس الريال اليمني فقط ولكن حتى عملة الدولار ذات الفئات الصغيرة بدأت تشح خاصة في البنك الدولي بعدن، ربما يعود ذلك إلى الضغط الذي يواجه البنك حيث أن كل المنظمات الدولية وموظفيها يستلمون رواتبهم من هناك”.

رندا محمد مواطنة في العقد العشرين من عمرها (طالبة جامعية) تقول: “ساعات كثيرة نخجل أن ندفع نقودا بهذا الصورة المخجلة، عملات ممزقة فقدت ملامحها وألوانها، ولم تعد تتوفر حتى في محلات (السوبر ماركت)، وإذا بقت لك خمسين ريال (يكعفك شكولاتة أو لبان) بحجة عدم وجود سيولة، وهذه مشكلة ندعو البنك المركزي إلى أن يعمل على حلها”.

اوراق نقدية تالفة


وتقول: “يضطر المواطن على تقبلها على مضض خاصة الذي يعمل بالأجر اليومي مثل صاحب الباص، أو البقالة الصغيرة أو عربة الطعام والبسطة”. وتستطرد ساردة إحدى الحكايات التي صادفتها: “حدث ذات مرة أنني طلعت باص (دباب) صغير، وكان سائقه صغير السن، طلعنا معه من عدن إلى المعلا، وأول راكب كانت امرأة كبيرة في السن، ناولته ورقة نقدية من فئة 500 ريال، إلا أن الشاب اعتذر وقال لها “الله معك يا حجة، ما معي صرف”، جلست تدعي له بأن يرزقه الله الخير”، فيما نزل الشخص الثاني في “جولة هائل” بالمعلا طلع من جيبه 1000 ريال، ضحك الشاب وقال، ما حصلت صرف لـ500 ريال، وتعطيني ألف “روح الله معك”، بقيت أنا وثلاث بنات ومعي فئة 500 ريال، وكل وحدة فيهن معها 500 ريال، وبالمصادفة إننا نزلنا جميعاً في الشارع الرئيسي، واتفقنا أن نعطيه 500 ريال، وأن نصرف ما لدينا من أي بقال، فحرام ننزل والشاب ما معه صرف، هذا رزقه وعمله، وحرام نستغله، فهناك الكثير ممن يستغلون الأمر ويتنقلون من مديرية إلى أخرى دون دفع أجرة المواصلات بحجة أنه معه ألف أو 500 ريال، ويفترض على الراكب أن يصعد إلى الباص وهو عامل حسابه بالصرف”.

*سائقو الحافلات: حظنا عاثر

عبدالرحمن الضاحه (مالك باص) يقول: “أعمل على نقل الطلاب من منازلهم للمدرسة والعودة بهم، لأننا بطلنا شغل نقل الركاب على الخطوط العامة، وفوضى النظام المروري في عدن”.

وحول سؤاله عما إذا كانوا سيرفعون الأجرة نتيجة انعدام السيولة النقدية قال الضاحه: “لا أعتقد بأن انعدام السيولة سيؤدي إلى رفع أجرة المواصلات، وإن ارتفعت لن تحل مشكلة السيولة وتدهور حالة العملات الورقية، وستبقى المشكلة قائمة إلى أن تطبع مليارات أخرى من أوراق الفئات النقدية والمعدنية”.

طلال على راجح (سائق باص) يعمل على خط عدن الجسر، يقول: “ستة عشر عاماً وأنا سائق، وخلال فترة عملي لم تواجهني مصاعب مثل الآن، سواء كانت مشاكل مع الراكب أو مع محطات البنزين بسبب النقود التالفة، والتي نخجل من تبادلها”.

ويطالب طلال الحكومة بإيجاد حل سريع من خلال استعادة وجمع النقود الممزقة من الأسواق واستبدالها بنقود جديدة لاسيما من الفئات الصغيرة التي تكاد تنعدم من السوق المحلية، وقال: “نحاول تدبر الأمر مع مشكلة الصرف للراكب، وأحيانا يصل بنا الأمر إلى إعفاء الراكب من أجرة المواصلات، وهذا يؤثر علينا كوننا بلا عمل ونعول على هذه المهنة”.

وناشد المواطنين الالتزام بالقانون والتعامل مع العملات النقدية بحس راق وحضاري كونها تعكس ثقافتهم.



أكرم على (سائق دباب) يقول: “مشكلة الصرف يتم استغلالها من قبل البعض، حيث يركب الشخص الباص، وعندما نوصله إلى واجهته يقول لك “ما عندي صرف”، ساعتها نكون بين خيارين أما نتركه، أو نطلب منه تدبير صرف، وفي الأخير نقول له “أنزل معك الله”، ويضيف: “بعض الركاب لو مد لي 250 ريال، دون أن يكون معي صرف فإنه يعفيني عن الباقي، لكن البعض يرفض رغم أننا نضطر أحيانا إلى ترك الراكب يمشي إذا عجزنا عن إيجاد الصرف، وهذا لاشك بأنه يؤثر علينا”.

*معاناة ملاك البقالات

يقول عبدالمالك منصور (صاحب بقالة) في مديرية صيرة: “نواجه صعوبات كثيرة بالتعامل مع النقود التالفة حيث أصبحت غير مقبولة للتداول”، مطالباً في السياق نفسه الدولة بـ “ضرورة ايجاد حل سريع فإذا زاد التعامل مع تلك الفئات النقدية تزداد تلفا وتمزقا”، وقال: “كنا في السابق نقوم بجمع النقود التالفة ونستبدلها بالبنك، لكن هذا النظام تم إلغاؤه ولم تعد البنوك تقبلها. ويوجه نصيحته للمواطن بأن عليه أن يحافظ على العملة، ويحترمها ولا يعبث بها.

ماجد القاضي


ماجد القاضي (صاحب بقالة) في منطقة البساتين، يجيب غاضباً عن سؤالنا عن كيفية التعامل مع النقود التالفة المتوفرة بالسوق بالقول: “إننا نضطر لقبولها، لأننا إذا رفضنا التعامل بها حينها سنتعرض للإهانة.. لكن الغريب رغم أننا نقبلها من المواطن إلا أن المواطن يرفض قبولها منا”.

وعن كيفية تجاوز الأمر، قال: “نحن نتعامل بالدين الشهري، خاصة وأن سكان المنطقة أغلبهم من شريحة الفقراء، وننتظر إلى حين حصولهم على الراتب”.

*آراء النشطاء

يرى الناشط المجتمعي، عارف ناجي، بأن الأمر يعود إلى عدة أسباب منها، سوء الإدارة وإلى القرارات غير المدروسة من قبل البنك المركزي، مما ترتب عليها هبوط حاد للعملة، وطباعتها دون خطوات متساوية، إلى جانب سياسة خروج العملات الأجنبية وتهريبها.

عارف ناجي


وقال: “يفضل أن يتم سحب العملة القديمة غير الصالحة للتداول، وطبع عملة جديدة، وإنزالها إلى الأسواق".

وعن العملات ذات القيمة الصغيرة، قال: “العملات الصغيرة تسعى دول كثيرة للحفاظ عليها كعملة متحركة ومهمة، خاصة عندما تكون هدفا للحفاظ على قوة العملة، لكن للأسف صارت العملات الصغيرة لا قيمة لها".

ويؤكد ناجي بأن اختفاء العملات ذات القيمة الصغيرة تتسبب بالعديد من المشاكل لدى المواطن”، مطالباً بـ"أن تقوم الدولة بإصدار وطباعة عملة جديدة، وتحافظ على قيمة العملة، وكذا تنظيم مكاتب الصرافة".

الإعلامية اعتدال الزبيري (معدة برامج في قناة عدن) أجابت عن سؤالنا: هل اختفاء السيولة النقدية ستؤدي إلى ارتفاع أجرة المواصلات؟ بالقول: “عدم وجود سيولة نقدية ليست دافعا لرفع أجرة المواصلات، لكن سترفع بسبب غلاء المعيشة إلى صورة مخيفة، أما من ناحية المواصلات العامة ففي الفترة الأخيرة لم أعد استقلها”.

وتضيف: “السيولة واختفائها، ووجود عملات من الفئة الصغيرة المنتهية الصلاحية ستشكل أزمة قد تؤدي إلى التعامل بالعملة التي أعلى منها”.

يوضح مدير مكتب صحة البيئة بمديرية صيرة، علي ثابت أن “مشكلة الأوراق النقدية الممزقة أصبحت تؤرق الكثير من المواطنين”، وقال: “وبالنسبة لي فإن أزمة السيولة النقدية سببت لي مشاكل وإحراجات، حيث كنت استقل سيارة أجرة، وعندما نزلت منها أعطيت صاحب السيارة ورقة أبو 500 ريال، وحينها قام صاحب السيارة بإرجاع لي ما تبقى من صرف المبلغ وإذا بها كلها (مقطعة)، حاولت استبدالها منه، ولكن دون جدوى فكان تبريره (هذا الموجود في السوق)”.

علي ثابت


ويضيف: “بسبب رداءة العملة الورقية قمت بتقطيع ورق أبو مائة ريال مرتين عندما امتنع صاحب البقالة وأبو الخضار قبولها بسبب أنها مقطعة، وهذه مشكلة مجتمعية تواجه الجميع”.

ويشير إلى أن: “بعض أصحاب سيارات الأجرة يستغلون المواطن بفرض زيادة على قيمة الأجرة، عندما لا يرجع لك باقي فلوسك كاملة، لعدم وجود سيولة لديه، وكذا عندما تريد شراء احتياجاتك من أي مكان ومعك ورقة أبو ألف ريال يقول لك صاحب المحل (ما فيش معي صرف)، أي ما فيش سيولة”، ويتساءل الأخ على ثابت: ما العمل؟ وهل يوجد حل لهذه المشكلة؟، يبدو أننا سنضطر إلى التعامل بالدولار في حياتنا اليومية، أو عن طريق دفتر الشيكات.

*وفاة عملات الفقراء

الشاب محمد عبد العزيز، تحدث بلهجة عدنية خالصة، افتقدنا سماعها: "(الباولة والبيستين) أو فكة 50 و 100 أصبحت اليوم من وفيات العملات!! وللأسف عندما ترغب بشراء سلعة ما تواجه مشكلة (الصرف)، حيث لا يستطيع أحد أن يعطيك مطلبك لعدم وجود صرف.. كذلك أبو الصيد عندما تشتري حوت تحتاج لتقطيع الصيد، وإذا ما أعطيته المبلغ المتفق يستقطع قيمة الصيد وتقطيعه، وتكون النتيجة (قرحة الكمر)”.

محمد عبدالعزيز


ويضيف: “فين ما تروح، تسديد الفواتير، المعاملات المختلفة بأنواعها، دائمًا فئات 50 و 100 ريال داخلة في الموضوع، إلى جانب اختفاء فئة 200 و250 إذا عاده في أحد من الشعب يتذكرها، أو نبحث عنها في المتاحف”.

*مخزون نقدي لا يتداول

حاولنا التواصل مع قيادة البنك المركزي، والبنك الأهلي، لكن لم نتمكن رغم اتصالاتنا لأخذ موعد معهم، لكننا استطعنا التواصل مع مدير البنك الدولي فرع عدن بمديرية صيرة، سامي محمد ناشر، وهو الوحيد الذي تجاوب معنا ورد على سؤالنا له عن اختفاء العملات النقدية الصغيرة والذي أكد بأن فئات العملات الصغيرة 50 و100 و200 و250 ريال تعتبر شبه تالفة من كثرة تداولها خصوصا بعد شحة السيولة النقدية في الفترة السابقة، واختفاء فئة 100 ريال، أصبحت الناس تتداول الفئات الأصغر ما أدى إلى تلفها بشكل كبير وإحجام الناس عن التعامل بها، وبقيت عند التجار والصرافين وغيرهم كمخزون نقدي لا يستطيعون التعامل بها لعدم قبولها كونها تالفة لا تصلح للتداول، على الرغم أن الدولة عملت على طباعة فئتي 1000 و500 ريال، لكن بقيت مشكلة الفئات الصغيرة قائمة.