الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

رحلة قصيرة في الليلة الأخيرة لكوكب الشرق أم كلثوم

2 نوفمبر 2017 الساعة 06:00
أم كلثوم
د. أيمن علي شُبيل
كالعادة.. يمتلئ المسرح بالجمهور من كل الطبقات ومن كل الفئات، الغني والفقير، المتعلم والمثقف والإنسان البسيط، المدير لشركة كبيرة والعامل في المصنع، ابن المدينة والفلاح القادم من الريف، الكل يجتمع في مكان واحد، يجمعهم اللقاء بها، ليستمع لصوتها، وأغانيها الخالدة، ويستمتع مبهورا بمشاهدتها، وهي تقف بعظمة وشموخ على خشبة المسرح، الجسد ثابت بقوة ووقار، والرأس شامخ، كأنه يعانق السماء، وفي يدها يتدلى المنديل، أهم عناصر الشخصية الكلثومية المتكاملة سحرا وتوازنا وإبداعا.

يستعد الجمهور بشغف لرؤيتها وسماعها، ويستوي كل واحد في كرسيه عندما يسمع دقات المسرح، بانتظار تلك اللحظة التي يفتح فيها الستار.

ستون عاما لم يتغير خلالها هذا التقليد الذي ابتكرته أم كلثوم، وعودت جمهورها عليه، من ضمن تقاليد كثيرة ابتكرتها ولايزال متبعا إلى اليوم في الغناء على خشبة المسرح، وقوفا وليس جلوسا على كرسي، كما كان قبلها، لأنها أرادت أن تكون جديدة ومختلفة ومتميزة، فوضعت تقاليد جديدة، وتبعها كل المطربين والمطربات.

ينهي الحاضرون كل نقاشاتهم الجانبية، ويترقبون تحرك الستارة، بشوق لسحر شخصيتها المبهرة والآسرة للعيون والقلوب، فمتعة النظر لأم كلثوم متعة مثل الاستماع لصوتها، الفستان جميل وأنيق ومحتشم منذ صباها، وليس ادعاء لحفظ وقار تقدم العمر، وبتسريحة شعر تجمع بين البساطة والجمال، كأنها تاج على رأسها يزيد منظرها شموخا ووقارا وإباء.

تتحرك الستارة الآن، تخفق القلوب، تزداد حدة الاشتياق لرؤيتها، بل لرؤية عظمة الوقوف على خشبة المسرح، وسحر شخصيتها.



تنفتح الستارة، وتظهر أم كلثوم، كأنها ملكة شرقية عظيمة، تحدث عنها التاريخ قبل الأوان، ووضع اسمها بين أعظم ملكات الشرق، وهي لاتزال حية ترزق، تظهر أم كلثوم كأنها نفرتيتي أو الزباء أو كليوبترا، تقف شامخة ومن خلفها فرقتها الموسيقية، ويدوي تصفيق الجمهور لاستقبالها، تصفيقا قويا لايكاد ينقطع، أو لعله لا ينقطع، مُرحبا بالمطربة العظيمة التي تسعده وتطربه إلى حد الانتشاء، إلى جانب أنها المرأة الوطنية والمثقفة في كل مواقفها الوطنية والاجتماعية والسياسية.

تقف أم كلثوم لتستقبل تصفيق الجمهور وترحيبه بها، وهي في قمة السعادة، وتنحني للجمهور انحناءة مملوك، ثم تجلس على الكرسي لتبدأ الفرقة الموسيقية تعزف المقدمة الموسيقية للأغنية التي ستغنيها.

هذه هي التقاليد المتبعة في حفلة أم كلثوم، خلال ستين عاما، هي مدة المشوار الفني لأم كلثوم، لم تتغير هذه التقاليد حفلة واحدة، مع الدقة في احترام الوقت وموعد فتح الستارة، وهذه التقاليد الراقية والمتحضرة، هي ذاتها التي اتبعت في حفلة أم كلثوم الأخيرة في 4 يناير 1973، بدأت الفرقة الموسيقية تعزف لحن أغنية(ليلة حب)، لكنها كانت أيضا تعزف لحن(الليلة الأخيرة) في المشوار الفني الطويل والمبهر، والذي لن يتكرر.

وفي تلك الحفلة، الحفلة الأخيرة، وكالعادة، جمهور غفير، رجال ببزات رسمية و نساء بفساتين رائعة، والبعض بالعبايات وآخرون بالجلابية مصريون وعرب من كل البلاد العربية، وغبر عرب جاؤوا ليتعرفوا على المطربة التي ملأت سماء الشرق نورا وألحانا وموسيقى، وكأنهم في مؤتمر دولي رسمي، جمهور خليط، لكنه يتوحد في حفلة أم كلثوم، بفكره ووعيه وتذوقه للكلمات والألحان، وانفعالاته وتفاعله مع صوتها الذي لن يتكرر، مع أي مطرب آخر أو أي مطربة أخرى.

مساء 4 يناير 1973، و كالعادة تأهب الجمهور لحضور حفل أم كلثوم، وهو لا يعلم أن هذا الحفل هو الحفل الأخير، فهل كانت أم كلثوم تشعر بذلك؟ وفي قاعة دار الأوبرا المصرية، امتلات كل المقاعد، بعد أن جاء الحفل، بعد تأجيلات وإلغاءات كثيرة، نتيجة المرض الشديد، وتأثير عامل تقدم العمر، ومشوار طويل مع الأطباء، لأن أم كلثوم أصرت أن تقف هذه الوقفة الأخيرة على خشبة المسرح، بشموخ الهرم، لتعكس أشعة الطرب الجميل.

جانب من الجمهور في لحظات تأثره بغناء أم-كلثوم


كان واضحا على الهرم علامات الانهيار، والترنح في الأداء، لكن شموخ الاعتلاء على المسرح، وشغف الجمهور بها كان هو الطاغي على كل شيء.

(ليلة حب) من كلمات أحمد شفيق كامل، وألحان محمد عبدالوهاب، غنتها في الوصلة الأولى، كان الإعياء ظاهرا في كل ارتجالات الست على المسرح. وبعد غناء دام لأكتر من ساعتين، انهت أم كلثوم الوصلة الأولى لتسدل الستار، وعادت بعد استراحة لم تعدُم أكثر من نصف ساعة، لتغني في الوصلة الثانية(القلب يعشق كل جميل)، من كلمات بيرم التونسي، وألحان رياض السنباطي، ولكن التعب زادت حدته فتصابرت أم كلثوم وتجلدت، وغنت بثبات، وأبدعت وتألقت، لكن بصعوبة، ولذلك بكت لأنها تأكدت أن تلك الحفلة هي حفلتها الأخيرة، وبكى الجمهور عندما تأكد أن أم كلثوم جاءت لتودعه الوداع الأخير. وكان عمر أم كلثوم في تلك الحفلة(75 عاما)، لكنها وقفت على خشبة المسرح بثبات لمدة أربع ساعات، وأنهت الحفلة وهي بطلة متوجة.

ولا أعتبرها مصادفة بقدر ما هي تراتيب قدرية، أن تختتم أم كلثوم مشوارها مع الغناء في تلك الحفلة، الحفلة الأخيرة، بأغنية دينية هي(القلب يعشق كل جميل) كما بدأته بالتواشيح الدينية، وهي طفلة دون العشر سنوات.

إن محبي أم كلثوم لا يحبون تداول هذه الحفلة، لأن أم كلثوم في نظرهم مطربة لا تعرف التعب والأعياء، ولا تصاب بالإرهاق، لكن أم كلثوم كانت بشرا من لحم ودم، ويكفيها فخرا أنها أنهت تلك الحفلة بنجاح كبير، رغم الآلام التي أصابتها في الكلى ورغم الإرهاق الذي انتابها.

وقد كانت أم كلثوم تتمنى دائما أن تموت وهي على خشبة المسرح، ولم تتحقق لها هذه الأمنية، ولكنها توفيت بعد عامين من تلك الحفلة في 3 فبراير 1975(أيضا من التراتيب القدرية أن تموت مطلع الشهر وكانت حفلتها الشهرية مطلع كل شهر)، لتنتهي بذلك مسيرة عقود طويلة من الطرب الأصيل والراقي، وليخلد اسمها بكوكب الشرق المطربة أم كلثوم، التى لن تتكرر، ويقينا إن مرحلة أم كلثوم مازالت باقية إلى الآن، لأن الجديد أتفه وأقل فنا وإبداعا من أن يحل محلها، ليبدأ مرحلة غناء جديدة وإلى اليوم لانزال في مرحلة أم كلثوم، فالمرحلة الجديدة لم تبدأ بعد!