الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

المقالح يحتكر الوطنية شمالاً.. والقريشي ينصف !!

5 نوفمبر 2017 الساعة 06:00
المقالح
ادعت بعض الخطابات وجود حاضنة للمحتل البريطاني مكّنته من المكوث هناك أكثر من قرن وربع قرن من الزمان، وترى تلك الخطابات الطعن والهمز في وطنية الجنوبيين ومنها تهمة تخاذلهم في مقاومة المحتل البريطاني، وتقاعسهم في الدفاع عن الأرض والعرض بعكس النظير الشمالي، وتلك النبرة في تفضيل وطنية الشمالي على الجنوبي ليست جديدة، بل هي راسخة في كتابات كثير ممن نَعدّهم من كبار مثقفي اليمن، ويبدو أن ظروف حرب الانقلابيين قد أذكتها وأخرجتها إلى الخطاب المعلن.

وفي طليعة أولئك المفضّلين، الدكتور عبد العزيز المقالح، الذي لا يخفى أثره الكبير في مسار الثقافة في اليمن ولاسيما شمالاً، وانعكس ذلك في سياسات جائرة حاقت بالجنوب في فترات تولي وزارة الثقافة من بعض مريديه كحسن اللوزي.

وقد برز ذلك التفضيل في بعض كتاباته، من أهمها كتابه الموسوم بـ«الأبعاد الموضوعية والفنية للشعر المعاصر في اليمن»، ولاسيما في المرحلتين التاريخيتين الأولى والثانية. ففي المرحلة الأولى (1939 - 1948)، يرى المقالح أن شعر الاتجاه الوطني عند الجنوبيين كان «ضعيفاً»، وأن «قصائده القليلة غامضة ورامزة، ولم يتردد بعض الشعراء في مدح الإمام».

أما في المرحلة الثانية (1948 - 1955) فيزداد الغمط حيث يقول: «لم نعثر عنده ـ أي في هذه المرحلة ـ ولو على نص وطني واحد يهاجم صراحة الاستعمار الرابض في جنوب البلاد ويدعو إلى الخلاص منه»، بل أدت له معلوماته إلى اكتشاف مجموعة شعرية جنوبية عميلة «تحمل عدداً من القصائد الهابطة لشعراء مشهود لبعضهم بالوطنية، وكلها تتغنى بالتاج البريطاني».

إلا أنه في مستوى الوطنية الشمالية، فقد لاحظ النقاد أن المقالح بالغ في تفضيل الشاعر محمد محمود الزبيري. وردّ الناقد الدكتور رياض القرشي على المغالطة الكبرى التي أوردها المقالح في كتابه المشار إليه، حين جزم بعدم وجود شعر يتناول قضية المستعمر البريطاني، لا لشعراء الجنوب ولا لشعراء الشمال، عدا إشارة واحدة للزبيري بذكره كلمة «جنبول» في قصيدته «رثاء شعب»، وذلك في المرحلة الزمنية الواقعة ما بين عامي 1948 و1955.

فكان أن انتصف القرشي لشعراء شماليين آخرين، صرحوا بتناول قضية مقاومة المستعمر البريطاني في الجنوب، لا بل تجاوزوا ذلك بالدعوة إلى الوحدة الوطنية لليمن. ومن ثم أشار في كتابه هذا إلى ما وصفه بـ«لون آخر يمكن أن نسميه بالوطني لاتجاه قصائده نحو الوطن والمجتمع وإيثار اللفظة السهلة القريبة، وبما يحمله من رؤى لم تكن معهودة من قبل يتحدث فيها عن (الوحدة اليمنية) و(مقاومة الاستعمار)، يقول عبد الرحمن الأمير:

“تزرع الأرض كادحاً يا بن شعـ بي لدخـيل وتحصد الحرمانا

قل لأعداء وحـدة اليمن الغالي دعونا في شـعبنا إخوانا

يا رفاقي إني أرى وحدة الشعب سـبيل الخلاص مما عرانا”.

إذن، فهناك شعراء آخرون في تلك المرحلة الزمنية تعرضوا لقضية الجنوب المنكوب بالمستعمر البريطاني، كما يُعرف من زمن نشر تلك القصيدة وغيرها في صحيفة «الإيمان»، وبالأخص في سنة 1954، فلماذا أعرض عنها الدكتور المقالح، وحَصَر الأمر في الإشارة الزبيرية، وجَعَل له وحده فضل العناية الوطنية بقضية الجنوب ومستعمره وأغفل غيره؟ هل لأنهم نشروا قصائدهم تلك في صحيفة «الإيمان» التي هي صحيفة الإمام الرسمية؟ ولعله إلى هذا السبب رَمَز القرشي بذكره للإمام، وتشجيعه على ذم الاستعمار البريطاني. إذن، فهل بهذا يكون المقالح قد قسم شعراء الشمال إلى شعراء ثوريين وشعراء إماميين لا يؤبه لما يقولونه وما ينظمونه أياً كان منحاه، لأجل شبهة تلقين الإمام لهم أفكارهم ومشاعرهم واتجاهاتهم؟ أليس في ذلك مجانفة للحقيقة وتنكر للواقع؟

إن «جنبول» سيكون حقاً، وبصورة واضحة لا لبس فيها ولا تأويل ولا تعميم، رمزاً للاستعمار البريطاني في الجنوب، إذا قال الزبيري مثلما قال شاعر نظيره سنة 1954: إن احتكار صكوك الوطنية ليس بتلك السهولة والضحالة التي يظنها البعض إن جنبول في جنوب بلادي فاستفزي أبناءه للجهاد لا بل إن هذا الشاعر، وهو من شعراء الشمال اليمني، قد تجاوز الرمز إلى التصريح المباشر في مهاجمة المستعمر الرابض في الجنوب، والدعوة للخلاص منه في أشعار كثيرة منشورة في حينها كقوله:

يا بريطانيا رويداً فإنا قد خبرنا يوم الطعان الطعانا

ومن بديع قوله في هذه القصيدة:

يا أخي في الجنوب هاك دمي الحـ ـ ر فـداء لشـعبنا لثرانا

قل لأعـداء وحـدة اليمـن العا لي دعونا في شـعبنا إخوانا

أيها الغاصبـون ثروتنـا الكبـ ـرى ألستم في ربعنا ذؤبانا

عـدن والكثيب والجبـل الشـا مخ والشـحر والمكلا ربانا

وحـدتنا أرض ملكـنا سـماها ورباها وظلها الفينانا

فأين كان المقالح من مثل هذا النموذج الصريح جداً، الخالي من أي تأويل أو تعميم أو استدعاء لرموز قديمة أو حديثة؟ وعلاوة على ذلك قائله من شعراء الشمال الأقحاح الخلص، وقد فاق الزبيري صراحة، لا في مهاجمة الاستعمار الرابض في الجنوب وحسب، بل تخطى ذلك إلى الدعوة المبكرة إلى توحيد اليمن الطبيعية؟!.