الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

حكايات جزء من اليوم

8 نوفمبر 2017 الساعة 06:00
علاء حنش
حديث البحر عن بُعد !

كنا قد عزمنا أنا وصديقي (يوسف وظنين) تنظيم رحلة ترفيهية إلى منطقة (الحسيني) العريقة بلحج لنتجولّ في بساتينها الجميلة ونغوص في عبق تاريخ هذه المدينة، التي كلما زارها أحد تغزل بالمناظر التي صادفها هناك. لكن، وللأسف الشديد، لم تُكتب لنا زيارتها، فقد حالت أسباب دون ذلك.

لكن لم تفتنا فرصة الالتقاء ببعض، ولكن الرفيق ظنين كان السبب الرئيسي لإلغاء الرحلة، فاضطررنا أنا وصديقي يوسف للذهاب إلى أحد شواطئ مدينة عدن الباسلة، هذه المدينة التي احتضنت كل الأعراق والأجناس، ولذلك أطلق عليها اسم مدينة (الكوسموبوليتان)، أي المدينة المتعددة الأعراق والألوان، لكن يجمعها لهجة واحدة ولبس واحد وعادات واحدة.. هذه هي عدن يا رفاق، فلينحنِ الجميع تعظيما وامتنانا لها.

صعدنا على متن أحد باصات المدينة، الذي كان ممتلئا بالراكبين المتجهين نحو خورمكسر، وتحديدا صوب الشاطئ القابع خلف مجمع العرب، وقعدنا في مؤخرة الباص، وتبادلنا أطراف الحديث، حتى شدّ انتباهي رجل في الثلاثينيات من عمره يغمض عينيه تارة ويفتحهما تارة أخرى، وكأنه لا ينام أبدا، بل كأن هموم العالم فوق ظهره، ويحتم عليه حلها!.

قررت أن أوجه له رسالة غير مباشرة، فقلت لصديقي يوسف “أتعرف ما أسباب السهر ليلا؟”، فقال “ماذا؟”، قلت “إما لتفكيرك بشيء معين، أو لوقوعك بالحُب وتفكيرك بشخص معين”، فقاطعني شاب نحيف الجسم كان يجلس أمامنا، وأضاف “وإما للمذاكرة”، فقلت “نعم.. وإما للمذاكرة”. حينها لمحت صديقنا الذي كان يغط في النوم وهو يبتسم، لكنه لم يقل شيئا.

وصلنا لمجمع العرب، واتجهنا صوب الشاطئ، وكانت الشمس تكوي أجسادنا وأجساد كل من في المدينة، فحاولنا البحث عن مكان لنجلس فيه، فوجدنا شجرة صغيرة، وبدأ المقيل الثنائي مع إطلاق أبوبكر سالم العنان لصوته الشجي.

أخذ الشاطئ بالامتلاء رويدا رويدا، فهذه سيارة تأتي من هنا وهذه أخرى تأتي من هناك، وكانت أصواتها تجلب القلق.

بدأنا الحديث في أمور مهنة الصحافة العظيمة، هذه المهنة المُتعبة اللذيذة، خصوصا أننا ندرس معا في مجال الصحافة والإعلام، وكلانا يعمل في وسيلة إعلامية محلية. وفي خضم حديثنا كنت أصوب نظري نحو البحر، الذي اشتقت له كثيرا، والذي كانت أمواجه تبعث لي عدة أسئلة، وأنا كنت أجيب عنها! لا تستغربوا، فالبحر صديقي!.

كنت مهتما بكل ما يقوله صديقي يوسف، لكن اهتمامي الأكبر كان بأسئلة البحر، التي كانت تأتي لي عن بُعد!.

أذكر أن أول حديث وصلني من البحر عبر أمواجه هو “اقترب مني وأفرغ كل ما في كينونتك”، فقلت للبحر “اعذرني لا أستطيع المجيء إليك؛ فلا وقت لديّ”. حينها ارتفع صوت الأمواج، وكأن البحر أغضبه ردّي، فتبسمت وقلت “تعلم يا بحر أنك صندوق أسراري وصديقي الأبدي، ومهما ابتعدت عنك فمصيري العودة إليك”، تبسم البحر بانخفاض أصوات الأمواج وقال “لا عليك.. ستجدني أنيسك عند همك.. وصديقك عند تخلي أصدقائك عنك.. ومؤازرك عند يأسك.. ورفيقك عند حزنك.. وعونك عند شدائدك”.

حينها انشرح صدري لكلام البحر، واعتدلت بجلستي، وأنا وصديقي يوسف نتحدث، فقلت للبحر “كم أنت رائع يا بحر، هكذا اطمأن قلبي”، فرد البحر “يبدو عليك الحزن يا صديقي، حدثني فإني خير ونيس”، وحينها ذهب صديقي يوسف ليجلب لنا الماء، فاستغللت الفرصة والتفت نحو البحر بكل جسمي، وقلت “يا بحر إني أعاني.. فما عادت الناس تصدق بحديثها، ولا أحد يهتم بمشاعر الآخرين، أتصدق يا بحر أن الناس ما عادوا يحبون، والبعض منهم يسمي الحب كذبة؟!”، وعند إكمالي لحديثي ارتفعت أصوات الأمواج مجددا، وكأنني استفززته، فقال “وكيف تعيش معهم؟”، قلت “إنني مُجبر، ولكن ليس جميعهم يسمون الحُب كذبة، بل أغلبهم”، فقال “ما رأيك لو تعيش في أعماقي، فسترى ما يسرك؟”، قلت “كيف، أتريدني أن أموت؟”، فرد مسرعا “لا أقصد هذا، أقصد أنك ستجد في أعماقي ما لم تجده على اليابسة”، فقلت “يا بحر لنؤجل حديثنا للقاء قادم فصديقي يوسف آتٍ إلينا”، فرد “كما تشاء، لكني أود أن أقول لك إنه يجب أن لا تكون لقمة سهلة للناس.. وأن تكون حذرا.. لكن عليك أن تبتسم كثيرا، وأن تسامح دائما، وأن تسعد غيرك دوما، وأن تكون مهذبا، وأن تحب أبدا، وأن لا تستسلم لتعقيدات الحياة، وأن تكون صبورا، وأن تكون أنت ولا تحاول أن تشبه أحدا، وأن ترى في الحياة تلك الزاوية المضيئة التي يغفل عنها الجميع، وأن تحذر رؤية تلك الزوايا المظلمة.. والآن استودعك يا صديقي”. فقلت “أنت رائع يا بحر، سأعمل بنصائحك وسأداوم على زيارتك، فإلى اللقاء”.

هدأت أصوات الأمواج، ولم أعد أسمع صوت البحر الذي كان يحدثني!! وجاء صديقي يوسف وأكملنا جلسة المقيل حتى بدأت الشمس بحزم حقائبها مغادرةً المكان، وقررنا نحن مغادرة المكان معها، وكم سررت عندما قال يوسف “سأخرج القات من فمي وسأضعه في الكيس”، فسألته “لماذا؟ في المنزل سنفعل هذا”، فرد عليَّ “لا أحب أن أمشي بالشارع وفمي ممتلئ بالقات”، فتبسمت وقلت “كما تشاء”.

بعد أسبوع.. هاجت أمواج البحر غاضبةً بالأحداث الدامية التي وقعت بالمدينة، وتوعد البحر كل من يحاول سفك الدماء وإزهاق الأرواح في مدينتنا.