الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

يعود تسميتها نسبةً إلى الملكة الأوسانية (أخلّة) مدينة خلّة بالضالع.. عمق تاريخي موغل في القدم.. وآثار تاريخية تعود لعدة حضارات قديمة

8 نوفمبر 2017 الساعة 06:00
(خلّة ـ الضالع)
تبعد مشيخة المفلحي في (خلّة) جغرافيًّا عن مركز إمارة الضالع إلى الشمال الشرقي حوالي 12 ميلا تقريبًا، وتتوسط مشيخة المفلحي من الجهة الجنوبيِّة مشيخة الشاعري ومن الجهة الشمالية مشيخة السقالدة في بلاد الشعيب ومن الجهة الشرقية سلسلة مرتفعات جبال حرير الشهيرة المحاذية لسلسلة جبال بلاد يافع ومن ناحية الغرب بلدات مرفد وخوبر والعقلة ولكمة لشعوب.

وتاريخيًا فإن مشيخة المفلحي في (خلّة ـ الضالع)، هي امتداد لمشيخة (المفلحي) يافع العليا وامتدت ـ أيضًا ـ إلى بني مسلّم من بلاد الشعيب, ويضم مكتب المفلحي يافع ثلاث مناطق غير متماسة بأيّ حدود جغرافية، وهي المفلحي يافع العليا وعاصمتها (الجُربة) والمفلحي السفلى في بني مسلّم من بلاد (الشعيب) ومناطق هذا القسم هي: (القيام، الثجر، ذي كنينة)، ويضم أيضًا المكتب الأسفل الثاني للمفلحي: خلّة حاضرة المشيخة وعاصمتها التاريخيّة، شكع، الصّرفة، الحيك، الخربة، السّلام، الربيعيّة، الحمراء، الفجور، الغول، شريم، الذراع، المعزبة، دار النوبة، الغليلي، أرحب، سوق البئر، الحصور، الظاهرة، عرشي، مرأت، جبل حرير، وهي ثلاث مناطق امتدت قبائلها من يافع العليا مكتب المفلحي إلى الشعيب والضالع.

مدينة «خلّة» التاريخيّة هي عاصمة مشيخة المفلحي في بلاد الضالع وظلّت لقرون عديدة عاصمة لمشيخة (المفالحة)، التي هي جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي لقبائل الضالع ويافع الجنوبيِّة، وكانت بوابة من اتجاه بلاد الشعيب لتغلغل الغزاة الزيود منها تاريخيًا باتجاه بلدات الضالع المترامية الأطراف.

وتشتهر «خلّة» بوديانها الخضراء الخصبة ومدرجاتها الزراعية الرقراقة وآماجل المياه والآبار العذبة، وتذكر المخطوطات القديمة لـ(مشيخة المفلحي) بأن حكامها كانوا أوّل من سن تشريعات قانونية للزراعة تقضي بمعاقبة المزارعين المخالفين الذين يقومون بقطع أيّ شجرة خضراء حفاظًا على بيئتها الطبيعية، كما تشتهر (خلّة) بالآثار التاريخيّة لحضارات هامّة سادت ثم بادت، وتركت في تاريخ الإنسانيّة شأنًا عظيمًا في القرنين الأوّل والثاني قبل الميلاد، وتحديدًا إلى فترة ممالك أوسان وقتبان وحمير.

*أميرة الضالع الأوسانية

ومن أشهر المقتنيات الأثرية التي تمّ اكتشافها في المنطقة تمثال من البرونز يعود لـ(سيدة الضالع) أو الملكة «أخلّة» الأوسانية، الذي تمّ ترميمه في لندن وأعادته الحكومة البريطانية إلى متحف عـدن الوطني في عام 2008م، ولم يتم إعادته إلى متحف الضالع الوطني ضمن 14 قطعة أثرية تعود إلى عهود مملكتي أوسان وقتبان الشهيرتين من الممالك العربية الجنوبية، وكان للدكتورة رجاء باطويل، مديرة مكتب الهيئة العامة للآثار والمخطوطات في عدن آنذاك، دورًا كبيرًا في إعادة هذه القطع الثمينة، وقد تمّ عرض هذا التمثال للملكة الأوسانية (أخلّة) في العديد من الدول الأوربية ضمن (معرض الحضارات اليمنية القديمة)، والتي كان آخرها عام 2003م في مدينة لاكورونيا بمقاطعة جاليسيا الإسبانية، بعد مشاركة هذه القطع الأثرية في المعارض الدولية التي شهدتها المدن والعواصم الأوربية منذ عام 1997م.
تمثال للملكة أخلّة


*عمق التاريخ والآصالة

تشتهر مدينة (خلّة) بمبانيها العتيقة وكثرة قلاعها وحصونها وأبراجها الموغِلةَ في القِدم على عمق التاريخ وأصالة الماضي التليد وعلى المكانة التاريخيّة والسّياسية والاجتماعيّة والثقافيّة عبر كل المراحل والمنعطفات التاريخيّة، التي مرّت بها المنطقة لتبقى شاهدة عيان على حقب موغِلة في القدم سطّرت عراقة الماضي التليد وتظل تحكي تفاصيل حياة مفعمة بتضاريسها القاسية لملاءمة الحياة في الماضي؛ فهذه القلاع والأبراج كانت عبارة عن منشآت عسكرية ساهمت في تعزيز النظام الدفاعي لبلاد المفلحي، وما جاورها، وذلك لأن الهجمات المتكرّرة لقوات الإمامة الزيدية زادت على المنطقة، وهذا دفع زعماء القبائل الضالعية إلى تعزيز تحصيناتهم؛ فشيّدوا بذلك الحصون والأبراج المرتفعة لتقي المدينة من ضربات الغزاة الزيود التي تعرّضت لها مدينة (خلّة) والمناطق المجاورة لها، ولذلك تعدّدت الحصون المرتفعة في النواحي المحيطة بالمدينة، وتحيط هذه القلاع والحصون ـ التي يقف بعضها شامخًا في وجه الطبيعة القاسية لمئات السنيين ـ بالبلدة من ثلاث جهات، فقد بنيت هذه التحصينات الدفاعية لغرض الدفاع عنها من هجمات الغزاة الزيود وفيها يقع أكبر سهل زراعي المنحدر من سائلة العامري مرورًا بأودية الشّعة، الذرانْ، الذحلة، عتبة، لخلال.

*جبل الملك الحميري (عقرم)

في الناحية الجنوبيِّة للبلدة وغير بعيد منها يقع جبل (عقرم) شكع التاريخي، الذي يشتهر بمقتنياته الأثرية الضاربة في القدم، فاسمه نسبةً إلى الملك الحميري (عقرم) الذي شيّد مدينة شكع التاريخيّة الغنية بآثارها ومواقعها التاريخيّة، التي تحكي قصّة الحضارة الحميرية التي سادت ثم بادت في هذه المنطقة وتركت لنا شواهدها التي تدل على رقيها وعظمتها.

*قلعة المفلحي العتيقة

تقع قلعة المفلحي في الجهة الجنوبيِّة لمدينة (خلّة) على مرتفعٍ عالٍ من سطح الوادي، ويعود بناؤها إلى أكثر من سبعمائة عام بذكريات خلدت عبق الماضي التليد ليستشف اللاحقون من الأوّلين قدرة الإنسان الجنوبي على تسخير الطبيعة لمواكبة الحياة، وتحيط بها آماجل المياه والسدود ومدافن الحبوب الصخرية، كما توجد في (خلّة) الكثير من الآثار لبقايا الحضارات التي سادت ثم بادت مثل الكهوف والحصون والأسوار وبقايا الأطلال الدارسة والخربشات الجدرانية بالألوان النباتية القديمة والكتابات المسندية.



*منارة للعلم

ظلت مدينة (خلّة) عبر تاريخها الحافل بالمآثر الخالدة منارة للعلم والدين، فقد كان يأويها طلاب العلم من مختلف المناطق، ولعبت خلّة أدوارًا كبيرة في العلم والمعرفة وسطّرت الأسفار لها وخلدت مكانتها كمنارة للعلم والمعرفة.. إنّها باختصار شديد مدينة تاريخيّة جميلة على درجة كبيرة من الأناقة والجمال.

الشيخ قاسم بن عبدالرحمن


*من أعلامها الشيخ المفلحي

يُعدّ الشيخ قاسم بن عبدالرحمن السقاف المفلحي (1895 ـ 1973م) شيخ مشيخة المفلحي في بلاد الضالع، واحدًا من أشهر وأشجع وأنبل وأكرم الرجاجيل، الذين أنجبتهم الضالع، فقد كان ذا شكيمة قوية عُرف بالدهاء والفراسة، كما عُرف بتواضعه وفكاهة روحه المرحة، وهو رجل وطيد الأصالة ورشيد التصرف، كريم المنزلة وكان سخيًا جوادًا ناصرًا للمظلوم، وهو من الرجال القلائل الذين تركوا بصمات في مختلف المجالات، يعجز القلم عن ذكر مآثره ومناقبه وسيرته العطرة لِما لهذا الرجل من شأن عظيم في تلك الفترة التي عاشها من تاريخ بلاد الضالع ويافع، فقد وَرِثَ الشيخ قاسم المفلحي، رحمه الله الحكم سنة 1917م بعد وفاة والده الشيخ الثائر عبدالرحمن السقاف المفلحي، ذلك الرجل المقاوم، الذي رفض تسليم مشيخته للغزاة الزيود عام 1919م، وفضّل مقاومتهم إلى جانب زعماء القبائل الأخرى في إمارة الضالع وملحقاتها، واستطاعوا هزيمة جيوش الغزاة الزيدية الإمامية في قزعة الشعيب وبلدة خلّة وبلدة شكع وبلدة الجليلة وبلدة الملحة من إمارة الضالع، وتلقت الجيوش الإمامية الزيدية بقيادة أمير الجيش الملكي الإمامي في قضاء إب يحيى بن العباس بن المتوكل الشهاري، هزيمة نكراء وخرجوا من إمارة الضالع يجرون وراءهم أذيال الهزيمة قبل أن يعودوا في العام التالي بجيش جرار، ويغزو بلاد الضالع حتى وصلوا إلى السلطنة العبدلية في لحج.

*الملكة اليزابيث الثانية

الشيخ قاسم بن عبدالرحمن السقاف المفلحي، كان من الشخصيّات البارزة التي كان لها تأثير كبير بين القبائل الجنوبيِّة، فضلا عن سماته ومآثره الوطنية الخالدة ومناقبه الشخصية المتعددة، ولمكانته الكبيرة، فقد تلقى دعوة حضور، أثناء زيارة الملكة اليزابيث الثانية في جولتها الأوّلى للمنطقة بعد وراثتها للعرش.



وحين وصولها لولاية عدن في 27 إبريل عام 1954م ضمن جولة قامت بها إلى دول الكومنولث مع زوجها الأمير فيليب على متن يختها الملكي (سوربرايز)، تم منح الشيخ قاسم المفلحي من قبل الملكة وسام الفارس (وسام إمبراطوري يمنح للشخصيات البارزة الذين قدّموا خدمة لأوطانهم)، وهو من ضمن الشخصيّات الجنوبيّة التي تم تكريمها.

*النّسيج الاجتماعي

قد يتساءل البعض عن تلك القبائل اليافعية التي سكنت بلاد الضالع منذُ قرونن زمنية عديدة حتى صارت الضالع تعرف بضلع يافع لكثرة القبائل اليافعية التي سكنتها، وهذا يقودنا إلى تحليل جيوسياسي وجيواجتماعي لطبوغرافية الضالع ويافع، حيث تدل الكثير من الشواهد التاريخيّة أن السبب هو جوار وتلاصق الضالع بيافع، وأيضًا أن القبائل الضالعيّة كانت كثيرًا ما تَستنْجِدُ بالقبائل اليافعية لنجدتها من هجمات الغزاة الزيود، فكانت قبائل يافع المدد تساند الضالع في كل حروبها مع فلول الغزاة الزيود بحكم روابطها القبلية وواحدية القبائل التي تقطن كلا المنطقتين، ولهذا نجد أن الكثير من القبائل اليافعية استقرت في بلاد الضالع وأصبحت في بوتقة اجتماعيّة واحدة مع القبائل الضالعية وجزءا لا يتجزأ من نسيجها السكاني والقبلي، لتشكل بذلك نسيجا اجتماعيا جنوبيا، مما جعل تلك المجموعات القبلية يسودها نوع من التعايش والتآخي والودّ والإحساس بفخر الانتماء والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي الجنوبي من خلال تمازجها وتزاوجها وصارت نسيجًا واحدًا، فالتاريخ قدّم لنا الحافل والواقع الماثل للعيان، وما يلمسه كل إنسان بصير منصف في نفسه وفي حوله، فأينما ولّيت وجهك، وحيثما نقلت بصرك في ربوع بلاد الضالع المتناثرة في السهول والوديان والمرتفعات الجبلية الشاهقة إلّا وتجد اسم قبيلة يرجع أصولها إلى بلاد يافع التاريخ والحضارة، فثمّة شواهد وقواسم مشتركة تربط تاريخ الضالع بيافع من أقصى الشمال الشرقي من وادي بَنَا حتى الجنوب الغربي لبلاد الضالع على ضفاف وادي تُبن.