الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الوطن في شعر الأمير أحمد فضل محسن القمندان

13 نوفمبر 2017 الساعة 06:00
الأمير أحمد فضل محسن القمندان
محمد فاضل حسين
بالعودة إلى ديوان الأمير القمندان يتضح لنا أن أقدم قصائده الوطنية قد كُتبت أثناء الحرب العالمية الأولى ويتناول فيها موضوع الغزو التركي لمناطق الجنوب إماراتي الحواشب ولحج، وفي هذه القصائد يظهر القمندان مشاعر العداء للأتراك لما عُرف عن حكمهم من ظلمٍ وتخلّف وهمجية، ويدعو اليمنيين إلى القتال ضدهم، ويقدم وصفاً للمعارك التي دارت في لحج، ويتناول أخيار المقاومة العربية للأتراك في الحجاز والعراق والشام والانتصارات المحققة ويبشر بهزيمة الأتراك.

وخلال سنوات ما بعد الحرب كانت أحداث عام 1934م التي أعلن فيها الإمام يحيي حميد الدين الجهاد وبدأ باجتياح مناطقِ الجنوب في الضالع وردفان وبدون تمييز بين المستعمر في عدن ومواطني الجنوب، كانت هذه الحرب دافعاً آخر للشاعر القمندان لكتابة قصائدَ شعريةٍ ذائعة الصيت انتقد فيها حكم الأئمة وقرار الحرب، وبين همجية هذا النظام وتخلفه وما يمارس من أساليب التضليل والشعوذة ضد الشعب، وكان أبرز ما كتبه القمندان في هذا المجال قصيدتين قال عنهما المقالح إنهما أقدم قصيدتين في الشعر اليماني عامة تهاجم وتنتقد نظام الأئمة وتدعو إلى التمرد ضده، أما القصيدة الأولى كتبها القمندان أثناء تواجده في مدينة عدن ووجهها إلى السلطان العبدلي في لحج نقتطف منها الأبيات الآتية: (ص34)

يارسول تسلم لي على الأمير محسن

وسأله بالشريجا ليه صايح ونادى

كيف حال المدن ما عاد فيها مؤذن

خاوية قنبلت فيها طيور الحدادي

لامتى الكذب ذا يحشد وهذا يطحن

والرعية شتات أفرور في كل وادي

أين ذي قال بايقرأ وبا يأمر الجن

في السماء تنزل الطيار ينزل إرادي

عيب تخرب مدائنكم وبايخسف البن

في ذنوبك كشفك الله خافي وبادي

أنت مسئول لو صاب اليمن جرح مزمن

من يدك خاف باتلبس ثياب الحدادي

واتقوا الله يالسادة بنا الأرض تفهم

يا أذية بني آدم وضيق العبادي

أما قصيدته الثانية فأرسلها إلى قبائلِ ردفان والضالع مهنئاً لهم نجاح المقاومة ضد جيش الإمام وتقهقهر هذا الجيش وهزيمته نقطف منها الأبيات الآتية، يقول القمندان: (ص38)

ماعذر له قل ليحيى قط من حرب هائل حصل زواله حصل

ما يترك الله أهل الخير لهل البواطل ومن عليه أشكل

يازمرة الحور أعداء الصحاب الأفاضل يا أهل الخطأ والزلل

ياسعد من هو لكم طاعن وذابح وقاتل شهيد لو اتقتل

أميركم في طريق الذي هاوي وتأكل وسعدكم في زحل

وكتب القمندان قصائدَ وطنيةً عديدةً أخرى تناول فيها أوضاع البلاد في مجالات عديدة فصوّر الأحوال السارية لقرى ومدن اليمن وعبّر عن تألمّه لحضارة عريقة عجز اليمنيون عن مواصلتها والحفاظ عليها، لم يتبقَ منها سوى آثارها وأخيار رواياتها. وكتب وصور الأوضاع المتخلفة للمواصلات بين مدينة لحج وعدن.. وكتب عن معاناة الشعب من فقر وجهل وعرض وشعوذة وتضليل، وتأخر عن الركب الحضاري مشيراً إلى ما حققه الغربيون من نهضة علمية وصناعية واقتصادية.. وانتقد الحكام وحملهم مسئولية هذه الأوضاع المتردية الأليمة.

ودعا إلى العدل في حكم الرعية، وكان أول شاعر في اليمن يكتب في هذه الموضوعات الوطنية وأول شاعر يحول قصيدة المدجج إلى قصيدة تقدم مطالب الشعب وتعبر عن آمال وتطلعات وطموحات المواطنين، مخالفاً لأساليب التكسب في المدح.. وكتب قصائد وطنية أخرى عديدة تناول فيها قضايا اجتماعية هامة شملت المرأة والفن والدين. وانتقد بشكل مباشر أو غير مباشر التقاليد الاجتماعية المتخلفة، وقدم رؤية جديدة ومتميزة في هذه القضايا، وهذا ما سنتناوله في موضوعات أخرى.

وحتى نؤكد هذا الطرح فإننا سنورد هنا مقتطفات مما قاله الشاعر الأمير أحمد فضل محسن القمندان في بعض القضايا المطروحة آنفاً..

يقول القمندان متحدثاً عن مدينة صنعاء في عهد الأئمة: (ص22)

كيف صنعاء وما صنعتم وصنعاء صنعة الله معدن للآلي

هل رأيتم كرومها ورياضاً وقصوراً قد شيدت وعلالي

أم رأيتم علصا وشوكا واثلا في جيال جرداء لا كالجبال

ويقول القمندان في قصائد كتبها عن المواصلات بين مدينة لحج وعدن: (ص 40)

حملوا الركاب فيها أربعين كأنها قصعة حشوها ساردين

تبصر الموتر حنينه مفجعة حمله مولاه لما شبعة

صف والبنكة عليها أربعة من صبر جالس ومن مل استقام

ذا تبنشر ثم ذاهب الكمان حبر الركاب للساعة ثمان

اركبوا بايصلح الله كل شان ما معانا ليث والدنيا ظلام

والطريق اتعطلت قدها حفر وقبل الموتر محمل كالترام

ويقول الشاعر القمندان مصوراً معانات الشعب في قصيدة كتبها عام 1343هـ بمناسبة عودة أمير لحج بعد زيارة قام بها الأمير لأوروبا: ( ص 22)

كيف أوربا ما شاهدتموه

اسويسرا لندن وحش كاليمن

أعراة أجيال أهلها

في شقاء جهل وكرب ومحن

ويقول مخاطباً الحاكم (ص22)

أتت مولانا ومن آمالنا

فيك تكفينا سلمات الفتن

بك فل تحيا وفل تحيا بنا

سربنا في الرقق في النهج الحسن

ويقدم مطالب الشعب قائلاً عن لحج: - (ص22)

لو شكت لحج من الزحو فقد

حرق الأحشاء فيها وطعن

عبثاً منه القرى قد أقفرت

إن نصف الناس فيها قد طعت

فالله مفاجا القرى

وشكا الحارات من ضيق السكن

ويؤكد أهمية العدل في حكم الرعية ( ص 24)

لحج تهوى أن ترى العدل بكم

قد تجلى لبنيها وستقاما

عدل يوم واحد من حاكم

خير من ألف صلاة وصياما

لا أهني لحج إن أنصفت بك

ساني يمناً فيك وشاما

بهذا المنطق الشجاع يسطر القمندان نهجاً جديداً لمخاطبة الحاكم ويسجل تجديداً فيها درج عليه الشعراء من أساليب المدح الرخيص والمتكسب وغدا هذا النهج القمنداني طريقاً وأسلوباً سلكه عدد من شعراء الوطن بينهم شعراء ثوار كبار.

وحظيت لحج، مسقط رأس القمندان ومقر السلطنة التي تحكمها أسرته، حظيت بقدر كبير من الشعر الوطني القمنداني فكتب عن جمالها وخيراتها وزهورها ومياهها، وفنها وذكر أسماء حقولها ووديانها وقبائلها، وعبر عن حبه الكبير للحج أرضا وإنسانا، وعن استعدداده لتقديم روحه فداءً لها ومن أجلها، وعبر عن آماله في تطويرها ونهضتها، وزيادة دورها، بل وعمل مع بقية أفراد الأسرة الحاكمة على تحقيق هذا الطموح عملياً، فكانت لحج سباقة في نشر التعليم وإدخال خدمات الصحة والمياه والكهرباء وشيكات الري والإصلاح الزراعي، وحققت نهضة فنية لم تشهدها بقية مناطق اليمن شمالاً وجنوباً.

ونختتم الحديث عن الشعر الوطني القمنداني بالوقوف على قصيدته الوطنية الرائعة (تاج شمسان) هذه القصيدة التي مثلت تطوراً نوعياً جديداً في الرؤية الوطنية والموقف الوطني عند الشاعر القمندان، أكدت عمق طموحاته الوطنية وعميق إدراكه واستيعابه لواقع الوطن ومشكلاته بكل تعقيداتها من وجود القاعدة البريطانية في عدن، وما تعاني البلاد من تمزق وتجزئة وفتن وجهل ومرض وفقر.. إلخ.

أمام ذلك لا يجد القمندان مخرجاً إلا بالاتجاه إلى الشباب، فهم الأمل في إمكانية قلب هذه المعادلة وإلى العلم فهو الوسيلة والمخرج والطريق لإحداث التحولات.

ويستند القمندان إلى التاريخ المجيد والعظيم ليجعل منه حافزاً لخلق وتنمية المشاعر الوطنية وتطوير الهمم ومقاومة الإحباط والاستلام.. وعلى هذا الدرب سار عدد من الشعراء الوطنيين في عدن وفي مقدمتهم: لقمان، وغانم، ولطفي أمان.. وغدا هذا الأسلوب الرمزي تياراً في الشعر الوطني بعد رحيل القمندان.

يقول القمندان في قصيدته تاج شمسان: ( ص 26)

إذا رأيت جبل شمسان في عدن

تاج من المزن يروي المحل في تبن

قل للشبيبة تبقى هكذا لكمة

تاجاً من العلم يمحو الجهل في اليمن

فأنتم خلق القوم الألي رفعوا

رايات مجدهم في سالف الزمن

سيروا إلى المجد صنعاْ وسلكوا سبلاً

وضاء وحيدوا عن الأضعان والفتن

أنتم بنو السادة الأمجاد ومن حضر

ومن سلالة قحطان وذي يزن

أخيراً نقول إن ما قدمنا من نماذج شعرية للشعر الوطني للشاعر الكبير أحمد فضل محسن القمندان إنما تكمن أهميتها وقيمتها، كونها باكورة الشعر الوطني في اليمن وتعطي للقمندان دور الريادة في إدخال الشعر إلى الميدان السياسي الوطني والقومي وتكتسب أهميتها بما حملت من أفكار وطنية عميقة عكست الأفق الثقافي الواسع للشاعر القمندان وعقليته الحضارية المعاصرة وبينت شخصيته المتسمة بالشجاعة والجرأة، ورأيه المتفرد تجاه الكثير من القضايا التي تناولها في أشعاره.

وتعبر عن أسفنا الشديد لأقلام كثيرة حاولت الإساءة إلى هذا الشاعر الوطني الكبير والعظيم وحاولت تقزيمه، وجحدت عظمة إبداعاته المختلفة وتنكرت لدوره الريادي المرموق، بل البارز السطوع في تاريخ الفن والشعر اليماني عامة.. هذه الأقلام عكست رؤى بين اليسارية المتطرفة التي رأت فيه عدداً طبيعياً ليس إلا، وبين أطراف دينية متطرفة ناهضت القمندان وإبداعاته الفنية والشعرية، لأنها تؤمن بعدم مشروعيتها.

وبين هذا وذاك يقف آخرون من أمراض النزعات الشطرية والمذهبية وشلل الحساد والأقزام الذين حاولوا التطاول على هامة القمندان العالية بما خلقوا من ادعاءات واختراعات وتضليلات وتجاهل لهذا العلم الشاعر والفنان المؤرخ والعسكري.. وكم كان عظيماً قرار الرئيس علي ناصر محمد بإقامة المهرجان السنوي للشاعر القمندان، وكم كان قبيحاً وجاهلاً إلغاء هذا المهرجان السنوي، وسيأتي يوم يعاد التكريم للشاعر القمندان ومدينته الجميلة لحج.