الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

منْ علمني حرفاً علمني ألَّا أكون عبداً

15 نوفمبر 2017 الساعة 06:00
د. شهاب القاضي
التعليم باختصار هو: نظام مدرسي.. إدارة مدرسيّة، مدرس، مناهج، إمكانيات ووسائل إيضاحيّة، وتفتيش تربوي، وطالب.. يتعزز ذلك بمنظومة وأنساق اجتماعية كالأسرة، والحي والاستقرار المجتمعي من حيث الخدمات والدخل والتبادلات السلعية والاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية، ووسائل المواصلات، وكل ما يسهم - من قريب أو من بعيد - في العملية التعليمية.

فهل تتوفر في العملية التعليمية عندنا كل تلك المقومات، أو تسهم كل تلك الشروط والعناصر في الدفع بديناميكية التعليم إيجابياً؟، أو لماذا يعاني قطاع التعليم من المظاهر السلبية التي تطال النظام التعليمي بكل مكوناته؟، وفي المقدمة منه المدرس أو المعلم، الذي يعد حجر البناء الذي يقف عليه بناء النظام المدرسي كله، وبدونه ينهار.. كما انهار التعليم في بلادنا.

وإذا عدنا إلى تجربة العملية التعليمية، في المحافظات الجنوبية، التي ورثت نظاماً مدرسياً من الفترة الاستعمارية في عدن والمحميات الغربية والشرقية.. وبعد نيل الاستقلال الوطني، وبالذات بعد خطوة 22 يونيو التصحيحية في عام 1969، فقد رفعت الحكومة الفتية شعارات التعليم المجاني أو ما سمي بـ“ديمقراطية التعليم”، الذي أستند إلى فلسفة شيوع التعليم في المدن والأرياف ووضع برنامج محو الأمية في الأحياء وفي المدن وفي مرافق العمل وفي قرى الريف المترامية الاطراف.. وهذا تطلب إلى جانب المدرسين الذين يخدمون في سلك التربية والتعليم ابان العهد الاستعماري واستمروا بعد ذلك، وجود أعداد هائلة من المدرسين، جرى توفيرهم، من إقرار الخدمة الوطنية الإلزامية للطلاب خريجي الثانوية العامة، وجعلهم يقومون بالخدمة في التدريس، إضافة إلى مدرسين من حاملي شهادات الأعدادية، وكان عددهم كبيراً، وهم من انتشروا في الأرياف وبالذات في محافظات شبوة وأبين ولحج..

وهذا كما أسلفنا كان مبنيا على فلسفة: إن التعليم مسألة وطنية، لابد من إنجازها بهمة وكفاءة عالية، من قبل المدرسين الذين تم إشراكهم في دورات تدريبية تطويرية لرفع كفاءاتهم.. وكان معدل الإحساس والشعور الوطني عاليا مع توفر الحماس والإخلاص من قبل المدرسين القدامى والجدد، فرضته ظروف المرحلة مما انعكس ذلك على المخرجات من تلاميذ المرحلة الابتدائية والمراحل اللاحقة. وهذا الأمر استمر إلى ما قبل الوحدة أو إلى ما بعد حرب 1994 بقليل.. فماذا حدث بعد ذلك؟!.

بعد احتلال الجنوب، والقضاء على المنجزات التي حققتها الدولة الوطنية في الجنوب والتي كانت تسمى (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) في الصناعة والزراعة والقضاء على الأشكال الاقتصادية الجديدة مثل مزارع الدولة والتعاونيات وعلى كل البرامج الجديدة الثقافية والتعليمية، واستبدال المنهج الدراسي البولتكنيكي الشامل لإنشاء وإعداد الشخصية متعددة الأبعاد، الذي كان يدرس في الجنوب بمنهج آخر يفتقر إلى البعد التربوي والتعليمي وإلغاء النشاطات اللاصفية كمواد الرسم والتربية المنزلية والموسيقى والمسرح وإلغاء جمعيات النشاط النوعية في المدارس..وأحس المدرسون بوجود مسافة بينهم وبين النظام أو السلطة، لم تعد فلسفة التعليم الوطنية التي تدفعهم وتدفع حماسهم وإخلاصهم في أداء مهامهم، وتنفيذ أهدافهم، هي السائدة.

بعد الاحتلال والنهب على المكشوف والتجريف لكل شيء جميل وهدمه، تحول الإحساس بالانتماء والشعور بالجدوى، عند المدرسين كما هي معظم فئات المجتمع إلى أهمال ولامبالاة، وإلى تغليب مجموعة من القيم تعلي من شأن الاتكالية، وعدم الجدوى، ولاسيما عند الشباب الجامعي المتخرج الذي لم يكن يجد وظيفة في القطاع الحكومي أو في القطاع الخاص، مما انعكس ذلك على طلاب المدارس في مرحلة الثانوية بالذات، تجلى في فتور حماسهم للتعليم وغاياته، التعليم الذي لا يعدهم بالتغيير أو الرقي الاجتماعي.

وساهمت الأسرة، وهي أصغر نابض اجتماعي يتأثر بما حوله من أحداث ومتغيرات، في تكريس اللامبالاة وعدم الاهتمام بالأولاد والبنات في أمور دراستهم وإنجازهم للواجبات المدرسية، وكأن القيم السلبية التي ترسخت بعد حرب 1994 هي التي تتحكم، وهي التي تسود.

أنهار التعليم بانهيار طاقات الكادر التربوي، من مدرسين وإدارة وفنيين.. لم يعد المدرس إلا طاقة سالبة.. ينظر إلى ما يحدث ولا يستطيع أن يحرك ساكنا، وبالذات في عملية الغش، وهو يحيل السبب إلى منظومة المجتمع غير المستقرة والحروب والبطالة وعدم توفر الخدمات وارتفاع الأسعار والأزمات المتكررة في السلع.

المدرس لا يتمكن من إيصال المعلومة إلى الطالب، وإذا وصلت لا يستطيع أن يتحقق من ذلك.. والطالب - لأسباب مختلفة من بينها ضعف قدراته العلمية - يستمرئ الغش ويجد تشجيعا من الأسرة أو من الإدارة المدرسية أو من المدرسين الذين معظمهم للأسف أصبح مدرسا بديلا (أي مدرسا مؤقتا). أما المدرسون والمدرسات الأساسيون فهم في البيوت أو في أنشطة خاصة لا تمت للتربية والتعليم بأي صلة.

وجاءت حرب 2015 وظروف الحرب في الأيام التالية، واضطر الشباب إلى حمل السلاح، ومعظمهم من هم في سن المدرسة، أو من الخريجين أو من فئة التسرب من المدرسة، وكانوا قبل الحرب على أركان حارات مدنهم في جميع أنحاء عدن... والآن تجدهم قد انخرطوا في السلك العسكري في المنطقة الرابعة أو في الحزام الأمني أو يتم تجنيدهم على الحدود في أرض غير أرضهم.

في عدن والمناطق المحررة، لم يعد بمقدورك أن تتحدث عن التعليم، وعن دور الأستاذ أو المعلم الذي يمنح الطالب نور المعرفة وسلاح الفهم وحرية العقل. إن التعليم يتم كيفما اتفق، لأنه بات من المسلم به أن الطالب لا يأتي مستعدا ومهيئا ومحبا للتعلم والاستزادة وكسب المعارف والقدرات. كما يأتي المدرس خاليا من الهمة والحماس والاستعداد والحب للمهنة.

بين الطالب والمدرس، في العلاقة بينهما، سر أزمة التعليم في عدن والجنوب، وبتصويبها نستطيع القول: من علمني حرفا علمني ألَّا أكون عبدا.

* أكاديمي بجامعة عدن