الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الصراع في اليمن والدول الخليجية.. السيناريوهات والآثار الإقليمية

6 ديسمبر 2017 الساعة 06:00
سيارة مدمرة من معارك قتل صالح رويترز
حضرت مع مجموعة من المواطنين اليمنيين المقيمين فى «برلين» الحلقة التي نظمتها مؤسسة فريدرش إيبرت، وذلك بدعوة من هذه المؤسسة القريبة سياسيا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني SPD، كما حضرها جمهور كبير من المواطنين الألمان المهتمين بالقضايا العربية عموما وبالشأن اليمني خصوصا.

ولكون القضايا التي تم طرحها في هذه الحلقة عن الشأن اليمني ذات أهمية بالنسبة لقراء صحيفة «الأيام» الغراء وللمواطنين اليمنيين عموما، فقد وددت أن أعطي القارئ صورة عن القضايا والآراء المطروحة فى هذه الحلقة.

بدأت هذه الحلقة بكلمة ترحيب بالمشاركين فيها ألقتها السيدة آريلا جروس Ariela Groß، مديرة مكتب مؤسسة فريدرش إيبرت فى اليمن، وبتقديمهم للحاضرين كخبراء متخصصين فى الشأن اليمني، وفي شؤون الدول الخليجية، وهم كما يلي:

1 - السيدة مايسة شجاع الدين، عالمة وصحفية.

2 - الدكتور عبدالله باعبود، مدير مركز دراسات الخليج، جامعة قطر.

3 - السيد Jens Heilbach ينس هايلبخ، باحث في معهد دراسات الشرق الأدنى

4 - السيد Markus Bickel، ماركوس بيكل كمدير لحلقة النقاش، صحفي ومؤلف ومدير التحرير لصحيفة Amnesty journal.

تضمنت كلمة السيدة جروس الأنشطة التي يقوم بها المكتب فى اليمن، وذلك بمشاركة نشطاء يمنيين من منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، كما تضمنت شرحا موجزا للحالة التي وصل إليها اليمن والشعب اليمني منذ بدء عاصفة الحزم في عام 2015، وذلك نتيجة لاستيلاء الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح على مقاليد الأمور فى صنعاء وما ترتب على ذلك من هروب للرئيس عبدربه منصور هادي، الرئيس الشرعي لليمن، إلى عدن، وطلبه الاستعانة بجيران اليمن والمجتمع الدولي لاستعادة الشرعية وذلك باستخدام القوة المسلحة المتمثلة في عاصفة الحزم.

هذه العاصفة، أو هذا الصراع المسلح الجاري حاليا فى اليمن الذي لايزال مستمرا حتى الآن قد جلب، كما أشارت، الدمار للبنية التحتية وجلب الجوع وانتشار الأمراض المعدية، الكوليرا وغيرها من الأمراض فى اليمن. وترتب عليه سفك دماء الآلاف من المدنيين والأطفال اليمنيين وكذا انتعاش الإرهاب فى اليمن ممثلا بالقاعدة وداعش. كما أشارت فى ختام كلمتها إلى الحصار المفروض من قبل التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية على المطارات والمونئ اليمنية وما ترتب عليه من شدة للمعاناة التى يعيشها الشعب اليمني من جراء هذا الصراع والحصار.

بعد ذلك بدأ السيد ماركوس بريكل القيام بإدارة الحلقة مرحبا بالحاضرين وبتوجيه السؤال للسيدة مايسة شجاع الدين عن ماهية الحركة الحوثية وكيفية نشوئها في اليمن.

وقد قامت السيدة م. شجاع الدين بإعطاء صورة للحاضرين عن هذه الحركة وتطورها والكيفية التي نشأت بها علاقتها بإيران وبحزب الله في لبنان، دون أن تشير إلى أن هذه الحركة هي أساسا من صنع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي شجع وأعطى الدعم لما سمي آنذاك بـ«الشباب المؤمن» بهدف إيجاد منافس سياسي لـ«حزب الحق» الذي كان ضمن الأحزاب المعارضة لنظام الرئيس علي عبدالله صالح. كما أنها، عند استعراضها لتطورهذه الحركة، لم تشر إلى الحروب التي شنها الرئيس السابق عليها بتمويل ودعم من المملكة العربية السعودية، وكيف استخدم الرئيس السابق هذه الحروب للتخلص من أخيه غير الشقيق علي محسن الأحمر كمنافس لابنه أحمد فى تولي السلطة عند انتهاء ولايته كرئيس لليمن. فقد كان هم الرئيس السابق هو إعداد ابنه لتولي السلطة بعده أسوة بما جرى فى سوريا وبما كان سوف يجري فى مصر أثناء حكم الرئيس محمد حسني مبارك لو لم تندلع رياح ما سمي بالربيع العربي، الرياح التي أطاحت بكل من الرئيسين السابقين لمصر واليمن.

انتقل مدير حلقة النقاش بعد ذلك إلى توجيه السؤال للدكتور عبدالله باعبود كي يعطي الحاضرين صورة عن الآثار الإقليمية لهذا الصراع، لا سيما آثاره على دول مجلس التعاون الخليجي.

بدأ د. عبدالله باعبود الحديث عن سياسة الدول الخليجية تجاه اليمن، فأشار إلى أن هذه الدول، لاسيما المملكة العربية السعودية، ترتكز سياستها على التدخل المستمر فى الشأن اليمني، الأمر الذي وجد تعبيرا له في عاصفة الحزم، بتدخل هذه الدول عسكريا في هذا الشأن. فعند اندلاع ثورة 11 فبراير عام 2011 تدخلت هذه الدول سياسيا في الشأن اليمني عن طريق المبادرة الخليجية. فهذه المبادرة تشكل، من وجهة نظره، ذروة هذا التدخل بهذا الشأن. كما أشار إلى أن المبادرة الخليجية أدت إلى استبدال الرئيس علي عبدالله صالح بنائبه عبدربه منصور هادي، الذي لا يحظى بشعبية لا في الشمال ولا في الجنوب، وكذا إلى تكوين حكومة توافقية مناصفة بين المؤيدين للرئيس السابق ومعارضيه، وعلى رأسهم حزب الإصلاح، برئاسة الأخ محمد سالم باسندوة. ولم يشر د. عبدالله باعبود عند استعراضه للمبادرة الخليجية إلى أن أحد أهداف هذه المبادرة هو الحيلولة دون نشوب صراع مسلح بين أنصار الرئيس السابق من جهة، ومعارضيه، وعلى رأسهم حزب الإصلاح وأخيه غير الشقيق علي محسن الأحمر، الذي كانت تخضع لقيادته ألوية عسكرية مدرعة لا يستهان بها، من جهة أخرى. كما انتقد عند استعراضه للمبادرة الخليجية، باعتبارها ذروة التدخل في الشأن اليمني، سياسة الدول الخليجية تجاه اليمن، مشيرا إلى أن هذه السياسة تهدف أيضا إلى الحيلولة دون نشوء نظام سياسي ديقراطي في اليمن يهدد، بهذه الدرجة أو تللك، الأنظمة الملكية الأوتقراطية السائدة فى دول الخليج.

وانتقل بعد ذلك مدير الحلقة إلى توجيه السؤال للسيد ينس هلباخ ليعطي صورة مختصرة للحاضرين عن تاريخ اليمن الشمالي منذ اندلاع ثورة 26 سبتمبر والحرب التى نشأت بين الجمهوريين والملكيين وما تلاها من أحداث أثرت بهذه الدرجة أو تلك في مجرى الحرب الدائرة حاليا باليمن.

ولكون موضوع النقاش في هذه الحلقة ليس فقط الصراع المسلح الجاري باليمن حاليا، وإنما أيضا الآثار الإقليمية لهذا الصراع، فقد قام د. عبدالله باعبود بالإجابة عن الأسئلة التى وجهت له بهذا الشأن من مدير الحلقة والحاضرين.

تطرق د. عبدالله باعبود إلى أن عاصفة الحزم أدت إلى إيجاد شرخ في بنية مجلس التعاون الخليجي، لكن هذا الشرخ من وجهة نظره لم يكن مستبعدا، فلكل من هذه الدول سياسته الخاصة النابعة من مصلحته بالذات، فالسعودية همها يرتكز أساسا على الحيلولة دون امتداد النفوذ الإيراني على حدودها الجنوبية وذلك عن طريق استخدام الحوثيين كأداة لهذا الامتداد، كما هو الحال في لبنان التي امتد إليها النفوذ الإيراني عن طريق حزب الله. فالسعودية لا تريد حزب الله جديدا في اليمن يهدد حدودها الجنوبية. وأشار، عند استعراضه للآثار الإقليمية لهذا الصراع إلى أن السعودية لم تقطع علاقتها بالإخوان المسلمين لأن لها مصلحة في استخدامهم كأداة لتحقيق سياستها في اليمن وفي البلدان العربية الأخرى عندما تنشأ الحاجة لذلك، وبالمقابل فإن الإمارات قد قطعت علاقتها بالإخوان المسلمين وتعتبرهم أعداء ينبغي عدم التعامل معهم ومحاربة أي نفوذ لهم باليمن. كما أن الإمارات شاركت بقوة في عاصفة الحزم، وهي الدولة الوحيدة من أعضاء مجلس التعاون الخليجي التي لها قوات برية في اليمن، لا سيما في اليمن الجنوبي. وهي بالإضافة إلى محاربتها لامتداد النفوذ الإيراني في اليمن، لها أيضا «أطماع» في اليمن الجنوبية، ثم استبدل كلمة أطماع بالقول إن للإمارات مصلحة استراتيجية في اليمن الجنوبي بوجه خاص. فهي ترى أن اليمن الجنوبي يشكل عمقا استراتيجيا لها بحكم موقعه المتحكم في مدخل البحر الأحمر.

كما أشار إلى وجود تنافس على الموانئ في المنطقة: ميناء جيبوتي، دبي، وعدن... إلخ، كل من هذه الموانئ يريد أن يحتل المرتبة الأولى في الحركة الملاحية وفي النقل البحري للبضائع إلى المنطقة وإلى الخارج. وفي سياق حديثه عن سياسة الإمارات باليمن الجنوبي أشار إلى أن الإمارات قد غدا لها وجود في جزيرة سقطرة وكذا وجود سياسي بعدن.

ثم انتقل إلى وضع دولة قطر في مجلس التعاون الخليجي ومشاركتها في البداية بعاصفة الحزم ثم انسحابها منها وانتقادها لهذه العاصفة، واستمرار الحرب في اليمن دون أن يتطرق إلى أسباب الحصار المفروض على قطر من قبل الدول المشاركة في التحالف العربي من قبل السعودية والإمارات بالذات.

وذكر أن سياسة دولة قطر قد فشلت في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى تنازل أمير دولة قطر عن السلطة لابنه تميم.

وفي نهاية حديثه عن سياسات دول مجلس التعاون الخليجي في اليمن انتقد بشدة سياسة هذه الدول القائمة على التدخل في الشأن اليمني، وعلى صرف المليارات من الدولارات لتمويل الصراعات المسلحة في هذا البلد الذي يشكل جزءا لا يتجزء من شبه الجزيرة العربية بدلا من صرفها على التنمية فيه. فاليمن لا يحتاج إلى التدخل في شؤونه سياسيا أو عسكريا، وإنما يحتاج إلى الاستثمارات في بنيته التحتية بدلا من تدمير هذه البنية، يحتاج إلى التنمية والعمل على رفع مستوى حياة شعبه وتأهيله اقتصاديا كي يكون عضوا في مجلس التعاون الخليجي.

وفي نهاية الحلقة أعطى مدير الحلقة الفرصة للحاضرين لتوجيه الأسئلة والتعليقات على مجريات النقاش. وقد سأل عدد من المواطنين الألمان عن دور ألمانيا في إنهاء الصراع المسلح الجاري حاليا باليمن، لاسيما وأن ألمانيا تعد من الدول التي تصدر الأسلحة للسعودية.

لقد أعطت هذه الحلقة للحاضرين، لاسيما للمواطنين الألمان المهتمين بقضايا العالم العربي، صورة عن هذا الصراع المسلح، لكن هذه الصورة لم تكن كاملة لأن المشاركين الأساسيين في الحلقة لم يتمكنوا من توضيح جوهر هذا الصراع المسلح الذي يكمن جوهره في الصراع الإقليمي الجاري حاليا بالمنطقة، بين السعودية وحلفائها من ناحية، وإيران وحلفائها من ناحية أخرى، والذي غدا ضحيته الشعب اليمني.

فإيران تسعى لمد نفوذها في جنوب شبه الجزيرة العربية وذلك من خلال استخدام الحوثيين كأداة لمد هذا النفوذ.. فكما استطاعت إيران أن تمد نفوذها في المنطقة، في لبنان، من خلال حزب الله، وفي سوريا والعراق، مستغلة في ذلك الحروب التي جرت ولازالت تجري بهذه الحدة أو تلك في هذين البلدين العربيين الواقعين شمال شبه الجزيرة العربية، أي في شمال المملكة العربية السعودية، فإنها تسعى حاليا عن طريق تقديم الدعم العسكري للحوثيين، عن طريق تزويدهم بالصواريخ الباليستية والخبراء العسكريين إلى مد نفوذها فى جنوب شبه الجزيرة العربية في اليمن.

وإن تمكنت، لا قدر الله، من مد نفوذها إلى اليمن، فعندئذ ستصبح السعودية بين فكي كماشة، سوف تصبح محاصرة من الشمال والجنوب. وهذا يشكل خطرا كبيرا للسعودية وتهديدا لأمنها. ولذلك فإن السعودية محقة في مواجهة هذا الخطر على أمنها فهي لاتريد حزب الله جديدا على حدودها الجنوبية، حزب يشكل دولة داخل دولة، كما هو الحال فى لبنان. فعاصفة الحزم هدفها القضاء على الحوثيين كقوة مسلحة، كمليشيا مسلحة بالأسلحة الثقيلة، بالصواريخ وغيرها من الأسلحة الحديثة، وليس هدفها العدوان على اليمن، كما يدعي الحوثيون، والقضاء على الحوثيين كقوة مسلحة، كحزب الله جديد، كدولة داخل دولة في اليمن يصب أيضا في مصلحة الشعب اليمني الذي يريد أن يبني دولة واحدة على أسس جديدة على أرضه، دولة جديدة تربطها علاقات أخوية جيدة مع جيرانها في شبه الجزيرة العربية، مع السعودية وبقية الدول الخليجية.

إن الشرخ الذي أوجدته عاصفة الحزم في بنية مجلس التعاون الخليجي، بانسحاب دولة قطر من هذه العاصفة ومن التحالف العربي، وما ترتب على ذلك من قطع للعلاقات الدبلوماسية مع الكثير من الدول الداخلة في هذا التحالف والحصار الاقتصادي المفروض على هذه الدولة من قبل السعودية والإمارات على وجه الخصوص، والسرعة التي بادرت بها إيران وتركيا في تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لدولة قطر، يبين بوضوح أن هاتين الدولتين اللتين كانتا الدولتين الرئيسيتين بعد انهيار الدولة العربية الإسلامية في الشرق الأوسط والأدنى، (الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية)، تسعيان وتتنافسان من جديد، في ظل الظروف الدولية السائدة حاليا، على مد نفوذهما في شبه الجزيرة العربية.

هذا الشرخ وتداعياته لم يجر توضيحه من قبل د. عبدالله باعبود، لضيق الوقت المحدد لحلقة النقاش، كما أنه لم يجر أيضا توضيح الجهود التى بذلها المجتمع الدولي، لا سيما مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ولد الشيخ أحمد لإيجاد حل سياسي لهذا الصراع المسلح والمبادرات التى قدمت في هذا الشأن، مبادرة وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري على سبيل المثال. وبالرغم من هذه النواقص التى رافقت هذه الحلقة لضيق الوقت، فإنها تشكل مساهمة كبيرة من قبل مؤسسة FES تستحق كل الشكر والتقدير لتوضيح الصراع المسلح الجاري حاليا في اليمن للمواطنين الألمان الذين حضروا هذه الحلقة.

تقديم د. محمد جعفر زين