الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

ظاهرة التسوّل.. حكايات مؤلمة وحلول غائبة.. أسر لجأت للتسوّل لتوفير لقمة العيش وأطفال يفترشون الطرقات

12 ديسمبر 2017 الساعة 06:00
تمر في حارات وأسواق، تجذبك مظاهر محزنة عن أسر تفترش الأرض، وأطفال ينامون على قارعة الطرقات، وعائلات وأطفال يفترشون الأرض.

تمر العاصمة عدن بانهيار تام في مختلف الجوانب الحياتية، وهذا ما انعكس سلبا على واقع الكثير من الأسر، حيث تزايدت بشكل واسع جداً ظاهرة التسول، التي تعد وصمة عار على جبين الحكومة، وكل من يتناسى الآلام العامة من الشعب.

فما أصعب أن تقعد مع أم وأطفالها لمعرفة وسماع ظروفهم المعيشية، وتستوقفك طفلة: “هل ستدخلني إلى المدرسة؟”.

نتيجة لما وصلت إليه مدينة عدن من تردٍ في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، نزلت «الأيام» إلى الشارع لتلمس الواقع عن قرب، والعمل على نقله كما هو رغم الألم الذي لمسناه أثناء هذا النزول الميداني..

«الأيام» قامت بعملية رصد سريعة لتسليط الضوء على هذا الظاهرة التي انتشرت في مجتمعنا بشكل كبير في الآونة الأخيرة.

*دافع العوز والفاقة

التقينا في بداية جولتنا بالمواطنة أم باسل سعيد، والتي خبرتنا عن مأساتها والأوضاع التي دفعتها واضطرتها إلى ممارسة التسول، قائلة: “لدي عائلة تتألف من ستة أفراد، وزوجي دخله شحيح لا يتجاوز الـ800 ريال يوميا من عمله في القطاع الخاص، وهو مبلغ لا يفي بالحد الأدنى بسد احتياجات الأسرة”، مضيفة: “اضطررت للخروج إلى الشارع، آملة من أهل البر والإحسان الإسهام في مصاريف الأسرة، وصلت لآخر درجة من الذل والمهانة جراء ما تمارسه الحكومة علينا من سياسة التجويع وقطع كل سُبل المعونا”.

وأردفت: “منذ فترة قام عاقل الحارة بتسجيلنا ضمن المستحقين للمعونات والراشن، ولكن لم نتحصل على أي شيء سوى مرة واحدة فقط، كون تلك المعونات لم يتم تخصيصها للفقراء والمحتاجين ولكن تصرف بحسب المزاجية والمحسوبية”.. وتقول والحسرة تخنق أنفاسها: “وكذلك بالنسبة في مدرسة ابنتي التي عملت جاهدة لالتحاقها بالتعليم فيها، ففي المعونات التي تصرف للمحتاجين من طلبة المدارس تُحرم ابنتي من تلك المعونة”.



وتتابع: “أبنائي يعيشون وضعا سيئاً جداً ويأكلون ويلبسون من ما يعطيه لنا محبو الخير، وذلك نتيجة لغلاء الأسعار الذي بات يشكل معضلة أمام توفيرنا للاحتياجات الضرورية، ومن يرحمنا ويشعر بحالنا هو الفقير فقط، أما التاجر لا يرحم ضعفنا وقلة حيلتنا”. واستطردت: “أنا أتسول لتوفير لقمة العيش لأطفالي، هناك أناس تتألم وتموت كل يوم من الجوع والمرض”. واختتمت حديثها قائلة: “أتسول منذ فترة، حيث أخرج بمعية أطفالي ولا أسمح لهم من المضي وراء ذاك أو ذاك كون الوضع الأمني مترديا في البلد”.

*نتسول لتوفير قيمة وجبة العشاء

ومن جهة أخرى روت لنا أم أحمد قصتها، قائلة: “لدي خمسة من الأبناء والبنات، وأخرج وإياهم في الصباح الباكر ونستمر حتى التاسعة مساءا لتوفير تكلفة وجبة العشاء لأسرتي”، وقالت: “زوجي يعمل بالقطاع الخاص ويتحصل على مبلغ 2000 ريال في اليوم، وهذا المبلغ نصرفه لوجبة الغداء، نحن نتعب كل يوم إثر خروجنا للشارع”. واستطردت حديثها: “قمنا بالتسجيل في الضمان الاجتماعي لتقييدنا في سجلات المعونات الخيرية، ولكن ما وجدناه أن اسمنا قد سقط سهواً”، وأضافت: “إذا استسلمنا أمام الظروف الصعبة وبقينا في المنزل من سيعطينا أنا وأولادي، من سيشبع جوعهم ويوفر علاجهم حال مرضهم”. وتابعت: “الحكومة هي من أوصلتنا إلى هذا الحال من البؤس والمعاناة”.. واختتمت حديثها بالقول: “أطالب الحكومة بالنظر إلينا بعين الرحمة وتوفير معونة شهرية تكفل لنا العيش الكريم وتعليم أبنائي”.



*نتسول لإطعام أطفال أخي المعاق

هنا وفي زواية أخرى وجدنا خمس فتيات في عمر الزهور يتسولن، وعند سؤالهن حول الأسباب التي دفعت بهن للجلوس على قارعة الطريق، أجابت واحدة منهن قائلة: “جلوسنا أمام هذا المسجد للتسول من أجل إعالة أطفال أخي المعاق، وعند حصولنا على ما تيسر من أهل الخير نأتي لهم بالحليب”. وأردفت: “وفي حال عدم حصولنا على ثمن الحليب نطعم الأطفال كسرة خبز وشاي”، واختتمت حديثها بالقول: “لو كنا مكتفين لمكثنا في المنزل ولن نلجأ إلى الذل، أناس كثير مثلنا ولا يعلم بحالها إلا خالقها”.

*نكتفي بوجبة واحدة فقط

“لدي أربعة من الأبناء والبنات، وجميعهم يعيشون على ما أكسبه من جلوسي هنا في اليوم الواحد”، هذا ما بدأت به أم سليمان في حديثها لنا، وأضافت: “خرجت بمعية ولديَّ الصغيرين لتوفير تكاليف لقمة العيش نتيجة للظروف المادية الصعبة التي نعانيها، إضافة إلى علاج زوجي المريض.. بعض الأيام نكتفي نضطر لتناول وجبة واحدة فقط”، وأردفت: “الحكومة لم توفر لنا أي شيء، ونعيش على التسول فقط، صغيرتي الرضيعة لم أجد لها قيمة الحليب”.

*واقع المعيشة صعب

أم فرح قالت: “لدي خمسة من الأبناء والبنات، زوجي يعمل صيادا، خروجي ومصيري هذا هو ما يعكس واقع معيشتي الصعبة.. حاجات وطلبات الأطفال لا تنتهي وتتزايد يوما بعد يوم”، مضيفة: “رغم هذه الظروف التي نعيشها إلا أنني أحافظ على أطفالي وأبقيهم إلى جانبي، لا يوجد لدينا دخل ثابت، ولم تصرف لنا أي إعانة”، واختتمت حديثها: “ابنتي الصغيرة مريضة وأسعى جاهدة لتوفير تكاليف علاجها”.

بحسب دراسات سابقة عن ظاهرة التسول، فهي عبارة عن مشكلة اجتماعية تضرب نسيج المجتمع، وتفكك اللُحمة الوطنية، وهي من الظواهر السلبية في المجتمع تضاف إلى حزمة من المشكلات الاجتماعية التي ترهق كاهل الوطن وتزعزع مداميك الأمن والاستقرار والسكينة الاجتماعية. حيث أصبح المتسولون علامة من العلامات المميزة لشوارعنا، ولا يكاد يخلو شارع من الشوارع منهم، فهناك من ينبش المزابل.. وثمة من أرغمه الدهر على ممارسة التسول والشحاتة رامياً بعباءة القيم الاجتماعية.

ونجد اليوم المتسولون يتجولون في الأسواق العامة، ومحطات الباصات، ومحلات الصرافة والمعاملات البنكية، والمجمعات الاستهلاكية، والمدارس والجامعات والكليات، والمشافي والعيادات الخارجية، والإدارات والمؤسسات الكبرى، والمساجد، إضافة إلى المطاعم والمتنزهات.