الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

بلفقيه.. بين تريم وعدن

18 ديسمبر 2017 الساعة 06:00
صورة نادرة من الخمسينات تجمع بين الشاعر الغنائي عبدالله هادي سبيت والعازف الراحل صلاح ناصر كرد والفنان يحيى مكي والفنان أبوبكر سالم في إحدى الجلسات الفنية
رشاد ثابت
طبيعي أن تكون مدينة تريم، بالنسبة لأبوبكر سالم بلفقيه، مكانا مغروسا في القلب والعقل والذاكرة والوجدان، ومتغلغلا في أوردتها وشرايينها، فهي الميلاد والطفولة والصبا والنشأة والحلم والذكرى والتاريخ، أما عدن فقد كانت سحرا آخر لأبوبكر، كونها الانطلاقة الفنية والمدرسة وأعز سنوات الشباب وفترة الحب والجمال، وهي الذكريات الغائرة له في القلب والذاكرة، وحبه لها حتى قبل وفاته، ظل شلالا جارفا لا يقاوم حبها، وأيضا عدن وأهلها تبادله تلك المشاعر من الحب والتقدير.

وغنى الفنان الراحل الكثير من الأغنيات على النمط الغنائي الحديث لهذه المدينة، ومن ألحانه وكلمات لطفي جعفر أمان ود. محمد عبده غانم. وغنى للطفي ( وصفوا لي الحب) و(أعيش لك) و(زمان كانت لنا أيام)، (سمعت الشوق من الهاتف) وغيرها، أما أبرز أغنيات د. محمد عبده غانم هي (مين علمك ياكحيل العين) و(قولوا له ليش ما يكلمنا) وهي من ألحان سالم بامدهف، (قل باتوب).

وكتب أبوبكر سالم ولحن على نفس الطابع (ماتستهلش الحب)، (خاف ربك)، (ياحبيبي ياخفيف الروح)، (كل شي معقول إلا فراقك ياعدن)، (ياطائرة طير على بندر عدن)، (وتسلمي ياعدن يا أعز مكان)، إضافة إلى (ياورد محلا جمالك)، و(انت ياحلوة)، و(الحلاوة كلها من فين)، ومجموعة كثيرة، كما لحن أيضا على نفس ذلك (أقبلت تمشي رويدا)، (التقينا وافترقنا)، (خطوة خطوة) للطفي وأحمد قاسم بلحن آخر وغيرها من الأغاني، كما خصص في غربته ألبوما خاصا بعدن في أوائل التسعنيات بعنوان (رسائل مغناة)، وفيه أغنيات مثل (في سواحل عدن)، (حيا زمان أول)، (ياظبي رامي) وغيرها، كلها من ألحانه وكلماته.

وظلت عدن هي الهاجس والحب والعشق الأبدي، والربيع الدائم له، ففي آخر زيارة له للوطن عام 2003م، وحينها كرم بدرجة الداكتواره الفخرية من جامعة حضرموت، أقام يومين فقط بالمكلا وزار وادي حضرموت وتريم مسقط رأسه في أقل من يوم، وكانت أسرته قد أعدَّت له بيتين بتريم للإقامة وللضيوف، لكنه زار أقاربه وخالاته بمدينة تريم، وقال لهم: لن أستطع الآن الجلوس. وقالوا له: وأين تريد الآن؟ قال: عدن فهي معشوقتي. وفعلا جلس فترة طويلة أكثر من أسبوع في عدن، على الرغم من أنه كان يُراد له أن يزور صنعاء ويكرمه الرئيس السابق علي عبدالله صالح، لكنه فضل البقاء في عدن لإشباع حنينه وشوقه وغربته عنها، وذهب إلى صنعاء ليومين فقط، وغادر بعدها إلى الرياض.

وكان الراحل يضع لعدن مكانة كبيرة بقلبه لا تقل عن مدينة تريم، مسقط رأسه، وحينما يتذكر ذكرياته في عدن تنساب دموعه، أو من يذكره، فقد ظل محبا ومخلصا ووفيا لعدن، أما تريم فكانت الفلة الخاصة (العمارة) بمدينة الرياض بالسعودية جعل لأقسامها أسماء مثل تريم، والنويدرة، وهي (أحد أحياء مدينة تريم)، والذي ولد وتربى ونشأ فيها، ومكان آخر اسمه (الغنّاء)، وهو لقب مدينة تريم، وكل أثات فلته من أبواب ونوافذ استقدمها من تريم، حيث تتميز مدينة تريم بهذه الفنون، الزخرفات والنقوش والفنون، وحتى الخضار بعضها تأتيه من تريم وحضرموت، ومنها (الضدح)، وهو شبيه (بالبقل)، وهو خضار مسهل للبطن، وهو ما يتميز وما يشتهربه أهل وسكان (منطقة القرن) بمدينة سيئون، والتي تغنى بها المحضار: (يالقرن ياريتك تقع لي وطن) ويأتيه (اللخم) كذلك من حضرموت.

وكان لايستطع أن يغني إطلاقا في مدينة سيئون وتريم، لأن الكثير من أقاربه وأهله في هاتين المدينتين، ولا يحب الغناء فيهما، ولكن غنى لهما من الخارج ومن كلمات المحضار، وكان يتمنى في نهاية حياته أن يزور تريم وحضرموت حتى ثلاثة أيام، لكن أبناءه كانوا يرفضون بسبب حالته الصحية، إذ أصبح عنده فشل كلوي، واعتلت صحته أكثر، وكان أيضا يتمنى في وصيته أن يقبر بمدينة تريم بمقبرة (زنبل) حيث أبيه وأجداده، إذا كان لدى الأبناء الاستطاعة، ما لم في المدينة حيث النبي، صلى الله عليه وسلم، ولكن قُبر بمدينة الرياض.

والفنان الكبير الراحل كان معتزا كثيرا بحضرميته، وباليمن على الرغم من أنه متجنس بالجنسية السعودية. الفنان الكبير أبوبكر سالم بلفقيه الشاعر والملحن والصوت الكروان الساحر، غنى لكبار شعراء العربية، في اليمن للطفي أمان ومحمد عبده غانم والمقالح وصالح بن علي الحامد وأبوبكر بن شهاب وعبدالله باحسن، وأسماء أخرى، إضافة إلى محترفي كتابة الأغنية كالمحضار وحداد الكاف، وعدد آخر.

والأجدر هنا أن نذكر بعض الأغنيات التي هي من كلماته وألحانه، وهي: (ياورد محلا جمالك)، (24 ساعة)، (امتى انا شوفك)، (تسلى ياقليبي)، (يامسافر على الطائف)، (غيار)، (مافيش للحب داعي)، (يامروح بلادك)، (هي هي السنين)، (تصافينا ماعلينا ياحبيبي)، (يهناك الحب الجديد)، (من نظرتك يازين)، (اش تبي عاد)، (مرحيب يامرحيب)، (والله ما يحلى السمر إلا بصوت الدان)، (أنا سبب نفسي بنفسي)، (لا نا بنايم ولانا بصاحي)، وكم كثير يصعب حصرها الآن في هذه المساحة الضيقة.