الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

قصص واقيعة لفتيات ونساء يكابدن شقاء العيش في قطعاع غزة "سعدية" تعيش في غرفة جدرانها وسقفها من "الزينجو" وهي فارغة تماماً إلا من فرشة وبعض الأواني

31 ديسمبر 2017 الساعة 06:06
لا تملك من الزمن الحاضر سوى عقربي "وقت" في ساعة يدٍ صغيرةٍ وقديمةٍ ترتديها بيدها الخشنة المليئة بالتشققات وآثار التراب و"شحبار" النار التي تستخدمها للطهي والتدفئة وتسخين ماء الاستحمام.. الحاجة "سعدية" تصحو وتغفو.. وتغفو وتصحو.. وكأن الكرة الأرضية حولها ثابتة لا تتحرك.. والحياة راكدة لا تتغير.. فلا وجود لـ"حماس" و"فتح" هناك.. ولا دردشة في وقت العصرية حول المصالحة الوطنية وفلسطينية ولا دراية بثورات التغيير التي تجتاح العالم العربي والاسلامي الآن.. ما يشغل يومها هو تجميع الحطب وإطعام الخروفين.. والحفاظ على لفّة السكر وربطة الملح المعلّقتين في سقف "الزينجو" من الرطوبة والحشرات.. ونظافة أواني الطبخ الثلاث الوحيدة التي تملكها "البراد.. الطنجرة..

المقلاة.." وعندما يحلّ الليل تخلد للنوم، بينما قد يخلد قبلها ثعبانٌ بالقرب من فرشتها البالية.. "سعدية" التي يبدو أن عمرها تجاوز خمس وخمسون عاما؛ حيث لا تدري كم من العمر بلغت بالضبط، تعيش في منطقةٍ مهمّشة من قطاع غزة وبالتحديد في رفح منطقة شمال غرب رفح، هي وعدد من الأسر الفلسطينية تحيطهم أشجار الصبّار المسكونة بالثعابين والحشرات الزاحفة.. ويبعد عنهم كل شيء يتعلق بالصحة أو التعليم أو أي مظهر حضاري على الإطلاق.. ويزيدهم الجهل والفقر المنتشر بينهم انغلاقاً وبعداً عن العالم.. كما وينتشر بينهم زواج الأقارب والزواج المبكر. وتعدد الزوجات تقول "سعدية" (وهي لاجئة من بئر السبع): "تزوجت وعمري 16 عاماً، وعندي ولدان وأربع بنات جميعهم تزوّجوا ويعيشون حولي، كما فقدت ابنةً لي عمرها 7 شهور، حيث ماتت من شدّة البرد".



وتضيف: "..أبوي وأمي ما علّموني.. ولما أبصم على ورقة بأخاف.. لأني ما بعرف على إيش بأبصم.. كان نفسي أتعلم ..كان بأمسك الدنيا كلها بإيديا الاثنتين". وتعيش "سعدية" في غرفة جدرانها وسقفها من "الزينجو" وهي فارغة تماماً إلا من فرشة وبعض الأواني الملقاة هنا وهناك، ومرآةً صغيرةً معلّقةً بسقف الغرفة، ويجاورها أولادها في غرف صغيرة، وتعتمد "سالمة" على تربية الخراف في الإنفاق على حياتها وعلى حياة أولادها؛ حيث كلما كبر خروف باعته، كما تقوم بالاستدانة في كثير من الأحيان كي تؤمّن قوت يومها". تعاني "سعدية" من انزلاقٍ غضروفيٍ في ظهرها، كما تعاني من الضغط والسكر، ولأن الخدمات الصحية لا تتوفر في مكان سكنها تُضطر للذهاب للمركز الصحيّ في المدينة؛ والذي يبعد خمسة كيلومترات تُضطر لسيرها في كثيرٍ من الأحيان ما لم تجد وسيلة نقلٍ تُقلّها من مكانها النائي خارج حدود الحياة المدنية.



خارج نطاق الخدمة يؤكد "محمود" (الابن الأصغر لسعدية، ويبلغ من العمر23 عاماً، ومتزوج من إحدى قريباته في الخامسة عشرة من عمرها) أنه بالكاد يحصل على عشرة شواقل مقابل راضي، خلّوني أسيب المدرسة من الصفّ العاشر". وترتدي "ريم" تنورةً طويلةً قديمةً ذات ألوانٍ مزركشةٍ، وبلوزة زرقاء، وواضح جداً أنها كبيرة عليها، وترمي إشارب على رأسها وعلى رقبتها بشكلٍ مهملٍ وغير منظّم، وترتدي قبقاب مقطّع وبالٍ يمسك بعضه بعضاً". سألتها: "عمرك يا ريم رحتي هناك..؟ بعيد..؟ أرأيتِ غزة..؟ فنظرت نظرةً بعيدةً كلها أملٌ وشوقٌ قائلةً بملء فيها بتنهيدة طويلة: "لا". يُذكر أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يستبيح هذه المنطقة كلما قام بعمليةٍ عسكرية واسعة أو ضيقة في قطاع غزة، حيث يقوم الجنود الإسرائيليون بتمشيط المنطقة والسير فيها مشياً على الأقدام، والقيام بعمليات المراقبة من خلالها. كما تعاني المناطق المهمّشة والحدودية للقطاع من وجود نسبة كبيرة من النساء الأميّات، ونسبة بالكاد تُذكر من الحاصلات على الشهادة الجامعية أو الدبلوم، وسبب تراجع التعليم في تلك المناطق هو انتشار الفقر، وتفضيل زواج الفتاة على تعليمها، وجهل الأهالي، وعدم الوعي بأهمية التعليم، وبُعد المدارس عن المنازل. أيام متشابهة لم يكن هناك باب دار لندقّه أو جرسٌ لنقرعه، بل كل ما هنالك صفيحة من الحديد ملقاة على الأرض بالعرض، رفعناها ونادينا ومشينا بضع خطواتٍ حتى خرجت لنا "تمام . م" تلك المرأة التي لم تتجاوز الأربعين عاماً، وتعيش في هذه المنطقة الفقيرة هي وأسرتها المكوّنة من (9) أفراد أكبرهم (23) عاماً وأصغرهم طفلة لم تتجاوز الأربعة أشهر، وجميعهم لم يتلق التعليم ما عدا ابنة وحيدة هي "كفاح" البالغة من العمر (19) عاماً، حيث درست حتى الصف الحادي عشر، ومن ثمّ تركت الدراسة بعد زواجها من أحد أقاربها منذ (20) يوماً.



تقول "كفاح": "تركت الدراسة لأن زوجي طلب مني ذلك، وأنا تشجعت لذلك لأنه فِشّ مادة، والمدرسة بعيدة جداً، ولا يوجد مواصلات في المنطقة". وتعتبر "كفاح" أن أجمل شيء حدث في حياتها هو ارتداؤها "البدلة البيضاء" التي منذ رأتها تمنّتها ودفعت ثمنها 200 شيكل، حيث عُقد قرانُها في غرفة صغيرة في بيت أهلها. أما والدتها فتعبّر عن مللها من الأيام "التي تشبه بعضها بعضاً" وتقول: "أنا خايفة على بنتي من الفقر.. إحنا العجايز بندبّر حالنا، بس هما اللي زيهم جهلة". وهل تعتبرين نفسك "عجوزة"..؟ سألتها فأجابت: "والله ما أنا عجوزة؛ بسّ الوقت خلاّني عجوزة".وتعتمد أسرة "تمام" -التي تمتد جذورها لبقايا العائلات الفلسطينية في شبه جزيرة سيناء "المصرية" جنوب قطاع غزة- على تربية بضعة أغنام في تدبير مصاريف حياتهم اليومية. "تمام" وبقية أفراد أسرتها التفّوا حولنا وأصرّوا إلا أن نحتسي الشاي معهم، هم لم يريدوا تركنا نمضي، فقد تآنسوا بنا -كما علّقت تمام- وشعروا بالتغيير في ظل روتين حياتهم "القاسي" الذي كُسر بهذه الوجوه الجديدة.

قمر ضهير