الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

زهرة البنفسج

3 يناير 2018 الساعة 06:00
لَم يدرِ لِم ألحت تلك الذكرى عليه في ذلك التوقيت، تريدُ أن تتحرَّرَ من سجنٍ طالما سجنها فيه وأضعفها إهمالاً ونسيانًا، ياااااه!

كم سنة مرَّتْ منذ ذلك الوقت؟! هو نفسُه لا يدري لكن تلك الشعيرات البيضاء التي غزت رأسَه، وتلك الأخاديد العميقة التي رسَمت ملامحَ وجهِه، وهذه النظرة العميقة من خلف نظَّارتِه المكبِّرة أوحَت إليه بطول تلك المدَّة.

هزَّ رأسَه لعلَّه يُبعدُ تلك الذكرى، أو يسقطها في بئرِ الزمنِ السحيق، الذي تحاولُ جاهدة أن تتشبَّثَ بحافَّته لترى النّورَ لكنَّه لم يفلح.

أراح رأسَه المتعبة على مسندِ ذلك الكرسي العتيق، أمامه كوب الشاي الساخن، وجريدتُه اليومية، وأوراقُه وأقلامُه، وعلى الحائط استقرَّتْ تلك اللوحات والنياشين التي تحكي إنجازاتِه، ألقى إليها نظرةً خاوية، تنهَّد تنهيدةً عميقة، أغمضَ عينيه وسمحَ لذكرياتِه أن تتدفَّق، يالها من أيَّام؛ تذكَّرَ طفولتَه العذبة، وتذكَّرَها، كيف له أن ينساها كلَّ هذه المدَّة!

رأى - بعينين حالمتين - تلك الحديقة التي جَمَعتهما، رأى ذلك الجمال الأخضر ذا الألوان يغطِّي الأفق؛ أفقَه الصغير، رأى زهور البنفسج التي كانت تعشقُها؛ رآه يجري ويتعثَّرُ بخطواتِه المضحكة خلف تلك الفراشة الملوَّنة، سقطَ مرارًا واتسخت ثيابُه لكنَّه لا يئس، رآها بعينِ الخيال تؤنِّبه بشدَّةٍ على اتساخه، سمع صوتَها الحنون يتردد في ذهنه:

• محمود، ألم تعدني ألا تتسخ ثيابُك! لن أصحبَك إلى هنا مرَّةً أخرى.

لكنَّه يلمح من خلف نظرات الغضب المصطنعة لمحاتِ المحبَّة والرِّضا، لم تكن غاضبة لهذه الدرجة، ثمَّ هي تعرفُ كيف يحبّ هو هذه الحديقة، وكيف تحبها هي، وتحبُ كذلك صحبةَ القمر، ومحمود، وتلعثماتِه الطفولية المضحكة، وزهورَ البنفسج، وغروبَ الشمس، ونسماتِ الهواء الباردة.

يقتربُ منها في مرحٍ حاذر، يخرج يدَه من خلفِ ظهرِه ممسكًا بزهرة البنفسج، يمدّ ذراعَه إليها متودِّدًا، صمتتْ قليلاً، ثمَّ قالت بحزم:

• كلا، لن آخذ منك شيئًا حتى تلتزمَ بتعليماتي.

توقَّفَ الزمنُ قليلاً لمحت في عينيه توسّلاً، قاومت تلك الرغبةَ في أن تستمرَّ في عقابِه، لكنَّها لم تلبث أن استسلمت له بابتسامة مشرقة.

يضحكُ ضحكةً طفولية صافية، تضمه إليها، ويستشعر دفءَ حضنها، ويتمنَّى ألا يُحرمَ منه أبدًا بعد ذلك.

حتى عندما ماتت أمه ظلَّ - لسنوات عدَّة - يزور تلك الحديقةَ ويتأمَّل تلك الخضرةَ، ويجري خلفَ تلك الفراشةِ، ويقطف زهرة البنفسج، ثم...

ثمّ يبكي عندما يتذكَّرُ أنَّها لم تعد هناك لتضمه.