الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

نحو من الأدب واللغة والنحو (لغة العيون)

7 يناير 2018 الساعة 06:00
العين مجلى الجمال.. وسر الفتنة.. ونبع السحر.. منهما الاثنتين تفيض الصبابة.. وينهمر الوجد.. ولغتهما لغة الهوى والجمال..

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت

عيني في لغة الهوى عيناك

و هما اللتان..

يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به

وهن أضعف خلق الله إنسانا..

ألا ما أقساهما من ضعيفين لذيذين.. هما مشعلتا الحب

وما الحب إلا شعلة قدحت بها

عيون المها باللحظ بين الجوانح

وجالبتاه للغافل اللاهي

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

فلا غرو إذن أن يبكي المقتول على القاتل، فهذا جائز في منطق العشق وقانون الغرام..

خليلي في ما عشتما هل رأيتما

قتيلا بكى من حب قاتله قبلي

وإنما صحة القلب ومرضه منهما

مرضي من مريضة الأجفان

ومن عجب أنك لاتجد مريضا قويا.. إلا العينين، فإن المرض فيهما ادعاء لا حقيقة..

آه على دعد وما خلقت

إلا لتعذيب لنا دعد

وكأنها وسنى إذا نظرت

أو مدنف لما يفق بعد

بفتور عين مابها رمد

وبها تداوى الأعين الرمد

فإن ترحَّل متيَّم عن مضاربه، وفارق مضطر عشيرته تفطر قلبه، ونازعته عيناه إلى إلفه..

ولما رأيت البشر أعرض دوننا

وجالت بنات الشوق يحنن نزعا

بكت عيني اليسرى فلما زجرتها

عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

فيصبح القلب غرضا لأثر العين.. فيلذعه وجع لاينتهي..

وتلفتت عيني فمذ خفيت

عني الطلول تلفت القلب

فهما القاتلتان الجاحدتات

يامن جحدت عيناه دمي

وعلى خديه تورده

خداك قد اعترفا بدمي

فعلام جفونك تجحده

فإن تكتم مستهام، فادعى التصبر وأظهر الجلد ..

بقلبي شكاة تكتمها

وقد كتم القلب حتى صبر

فضحته عيونه، وأبدت ما يخفيه.

الصب تفضحه عيونه

وتنم عن وجد شؤونه

أنى تكتمنا الهوى

فالداء أقتله دفينه

تلك هي مزع من لغة العيون في الأدب، فما لغة العيون في النحو?

قال ذو الرمة:

وعينان قال الله كونا فكانتا

فعولان بالألباب ماتفعل الخمر

و من خبر هذا البيت أن الفرزدق حضر مجلس عبدالله بن أبي إسحاق فقال ابن أبي إسحاق للفرزدق: كيف تنشد هذا البيت؟ وأنشده بيت ذي الرمة. فقال الفرزدق هو ذاك، فقال: ما ضر لوقلت: فعولين. فقال: لو شئت أن تسبّح لسبّحت، وانصرف. وإنما أراد الفرزدق أن نصب (فعولين) يقتضي إعرابهما خبرا للفعل الناقص، فيؤول المعنى إلى أن الله أمرهما أن تفعلا بالألباب ما يفعل الخمر، ومن اعتقد ذلك فقد أعظم على الفرية. وقد تفطن ذو الرمة لهذا الأمر وتخلص منه بجعل (كونا وكانتا) تامتين و(فعولان) خبرا لمبتدأ محذوف، فقطع الاتصال بما سبقه وأنشأ كلاما جديدا على سبيل القطع والاستئناف.

هذا هو الحدس الشعري الجميل لذي الرمة والبديهة المسعفة الأنيقة للفرزدق.