الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

وقفة مع الأديب عبد الله باوزير

7 يناير 2018 الساعة 06:00
الأديب عبد الله باوزير
قبل عدة سنوات وقفت على قصة قصيرة في إحدى المجلات تحمل نقدا لاذعا ولكن بأسلوب ساخر غير مباشر لكاتب تركي كما أذكر، كم سكنتني الدهشة وأنا ألتهم سطور القصة بعينيّ وأعيد قراءتها مجددا وأتمنى أن أقرأ أكثر لهذا الكاتب.. وأخذني الإعجاب أيّما مأخذ وأنا أتأمل النص المبدع في فكرته وأسلوبه ولغته وقالبه القصصي الساخر..

واليوم فقط أشعر بالأسف لأننا كنّا نملك (جبل طود شامخ) من ذات الطينة المبدعة للكاتب التركي، كان منا وبيننا، قلم ناقد، وفكر مبدع، سخَّرهما ليقول ما لابد منه وما يخشى الآخرون من قوله.. وأودعها قوالب قصصية ساخرة! ولكننا لم نمنحه الاهتمام الذي يستحقه!

*إنه الكاتب الكبير عبد الله باوزير

سبق وقرأت له مجموعته القصصية (محاولة اغتيال حلم) ولكنني انغمست في عوالم (الحذاء) و(سقوط طائر الخشب) أكثر ربما لأنني قد نضجت أكثر في جانب القصة وتقنياتها خلال هذه السنوات، عبد الله باوزير كاتب يجيد امتلاك أدواته الفنية.. ويصوغ بها عوالم لم تأت من خياله الخصب الذي يتقن به رسم حدود القصة ويأسرك في ثناياها فقط.. بل يقبسها كحفنات من تربة الواقع حوله.. وينثرها على أوراقه بلغة سهلة واضحة، وبيان ناصع متقن الحبك، وقالب فني ساخر.

فلست أدري أأعجب من اللغة البسيطة أم العقدة العميقة ؟! من شجاعة الكاتب في السخرية المريرة من واقع اجتماعي فرضته الحكومات الظالمة أم من حِسُه الفكاهي المبدع؟! أو من حبه للناس الذين يعيش بينهم ويتألم لأحوالهم، مما جعل قلمه مرآة صادقة لواقع مجتمعه تعكس ما حوله من أوجاع وتشكلها في قالب إبداعي من قصة أو رواية أو مسرحية؟!. أوليس هو القائل: “أنا رجل أنتمي للوطن وهذه الأرض الطيبة التي يتوسد في كل مناحيها القلب ونبض الجوانح فأنا إذن بدوي الثقافة والجذور”.

كم أحببت قصة حفلة تعارف على ضوء الشموع.. وضحكت مع الرجل الذي يتصل لإدارة الكهرباء يشكو انقطاعها عن كريتر ليجد على الخط مواطنا من المعلا يتصل بالتلفاز يشكو انقطاع البث ويتسلون بالحديث ثم يتصل فيجد على الخط بدلا من إدارة الكهرباء امرأة من منطقة أخرى تبادره الصراخ والشكوى ظنا منها أن على الخط موظف الكهرباء .. وهكذا تتداخل خطوط الهاتف وخطوط الوجع.. فيتعارف على ضوء الشموع حد وصفه أو في ظل الشقاء حد تعبيري أنا - إن جاز لي التعبير في حضرت كلماته - على مواطنين من مناطق عدن المختلفة كل في بلواه وشكواه!... وابتسمت بمرارة في قصة أخرى على المعركة الناشبة بين زوجين بسبب سؤال ولدهما الذي لم يستطع حله في واجبه المدرسي عن كيف تنشأ الحرب، ليستخلص الإجابة بنفسه بعد ذلك من حرب والديه!.. واندهشت مع الأديب الذي نعي في الصحف ومازال حيا فأعادته تلك الغلطة من محرر ناشئ إلى عالم الأدب، ليكون بعثا جديدا له، واستمتعت إلى حد الدهشة مع أمنية الأم العجيبة بركوب الدبابة مع ابنها المتدرب.. وأنا أرى حلمها يتحقق وضحكت حتى دمعت للأم البسيطة “التي أعطاها الله على نياتها كما يقولون” وهي تسعف ابنة أخيها الحامل بالدبابة للمشفى فتلد داخلها ثم وهي تشتري أسِّرة وتحشوها في سيارة القائد الذي ضبط الشاب يتجول بالدبابة خارج المعسكر.. وسط ذهوله! وسعدت مع ذاك الرجل المسكين الذي يشتري الدبَّة الضخمة ثم ينحشر في مصيبة حملها مع إغلاق الطرق لوصول ضيف كبير وانقطاع المواصلات مع أفواج العمال والطلاب التي جُمعت لاستقباله على الطريق فلم يجد طريقة إلا أن يناولها من بجانبه ليناولها من بجانبه، وهكذا يستغل الصفوف المنتظرة ليتحول الأمر إلى لعبة لتقاذف (الدُبّة) تتسلى بها الجماهير الشاحبة المتعبة من الانتظار.. ليصل بقدرة قادر إلى منزله محمولا على الأكتاف هو وحمله الثقيل والمدفعية تطلق إحدى وعشرين طلقة لوصول الضيف الكبير!!

ورغم السرد الواضح بلغته الساحرة وتركيبه الماتع وأسلوبه الفكاهي الساخر.. وجدت نفسي أغوص في كل قصة بحثا عن الإشارات والرموز الأعمق من مجرد ذاك السرد المباشر.. عن الأسباب المطوية بحنكة كاتب مبدع خلف الأسباب المباشرة الواضحة!

ليقف قلمي على إثرها عبر هذه السطور البسيطة وقفة إكبار وإجلال لكاتبنا الذي ولد في حضرموت وأعاقته ظروف مادية واجتماعية قاهرة عن اتمام دراسته، فاكتفى بالمرحلة المتوسطة! ليبدأ معترك الحياة في السادسة عشر من عمره، ويستقر بعد ذلك في عدن عاملا في أحد المحلات التجارية في القطاع الخاص!.