الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

تعز حاميها حراميها.. حين يتحوّل رجال الأمن والجيش لمليشيات مسلحة تقتل المواطن وتنهب ممتلكاته

14 يناير 2018 الساعة 06:00
عدد من المسلحون بمدينة تعز
عاش المواطنون في تعز أعواما من الدمار والحرب والخراب، والجوع والقتل والتشريد، وتجرعوا الألم والمرارة جراء الحرب والحصار، وقدم شباب الحالمة دماء وتضحيات، على أمل أن يصلوا إلى الأمن والاستقرار، والعودة إلى أحضان الحياة من جديد، لا سيما مع دخول الجيش الوطني إلى المدينة وسيطرته على أجزاء واسعة منها.

غير أن الواقع جاء مخيبا لآمال الناس، ويحدث مالم يكن في الحسان، إذ يقوم أفراد محسوبون على الجيش الوطني بابتزاز المواطنين وأصحاب المحلات والبسطات وبائعي القات وغيرهم، وفرض أتاوات بطرق غير قانونية أثقلت كاهل الجميع، وهزت الثقة بشيء يُسمى «جيش وطني».

الكثير من المواطنين في تعز يؤمنون أن الحرب بين الشرعية ومليشيا الانقلاب أصبحت سلعة رابحة لكثير من الشخصيات الانتهازية التي تعمل على استغلال الحرب وأوضاع البلاد بأقذر وجه.. تعز أصبحت سوقا لتجار الحروب يدر عليهم الملايين من خلال استغلالهم لنفوذهم في المحافظة وفرضهم أتاوات على ساكني هذه المدينة بقوة السلاح.

*الابتزاز أو الموت

لا يقتصر الأمر على فرض الأتاوات، بل يتعداه إلى ابتزاز المواطنين والتجار والشركات بالقوة وتحت تهديد السلاح، وأسهل مصير هو الموت لمن يرفض هذا الابتزاز، كما حدث للكثيرين داخل المدينة.

حوادث كثيرة راح ضحيتها العشرات، كانت أسبابها بلطجة هذه الشخصيات النافذة والمتخذة من ستار الشرعية درعا لفرض الجباية والابتزاز على المواطنين، بالإضافة إلى انتشار السلاح بشكل كبير، والذي ساهم في خلق حالة من الفوضى.

أحد تجار المدينة يقول في حديث لـ«الأيام»: «صبرنا على واقع الحرب لفترة طويلة لعلنا نعوض بالأمن والأمان، ولكن لماذا كل ذلك؟ أما كان الأجدر بأفراد الجيش والمقاومة، أن يكونوا في جبهات القتال والشرف؟ أما كان المفترض أن يحققوا آمال المواطنين المغلوب على أمرهم؟ أم إن كل هذه الآمال كانت أضغاث أحلام لا أكثر؟!».



ويضيف: «الطريقة التي تفرض به هذه الأتاوات غير أخلاقية، فعندما يأتي مسلحون مستعرضين بسلاحهم وبانتسابهم للجيش أو المقاومة، ويرغمون التجار على الدفع، والبعض قتل بسبب رفض ابتزازهم، كما حدث للتاجر الدبعي، والتاجر الشرعبي، وغيرهما من أصحاب المحلات».

واعتبر غياب الدولة والمؤسسة الأمنية وعدم قيامها بدورها هو «ما جعل هذه الجماعات والأفراد يقومون بهذه الأفعال التي تتنافى مع أخلاق وقيم أبناء تعز، عسكريين ومدنيين».

*عزيز.. ومعاناة الابتزاز

الكثير من علامات التعجب تدور في أذهان المواطنين في تعز عن دور الجيش الوطني في حمايتهم بدلا من ابتزازهم وسلب لقمة عيشهم، ها هو عزيز مارش، أحد مواطني مدينة تعز، يعود إلى منزله منهك القوام، محبط الروح، شريد البال، بعد الاعتداء على مصدر دخله الوحيد وقوت أسرته المكونة من عدة أفراد وجميعهم من الصم والبكم.

اعتصر الألم قلب عزيز بعد أن رأى بقالته في حي الروضة تنهال عليها الرصاص من قبل أفراد همام المخلافي، والمحسوبين على الجيش الوطني في اللواء 170دفاع جوي، وقد كان الجيش بصيص أمل علَّق عليه عزيز وآخرون آمالهم في حمايتهم، وتحسين أوضاعهم.

عزيز شاحب الوجه الذي يسكن في حي الروضة جوار مدرسة زيد الموشكي، يعيل أبناء وبنات جميعهم صم بكم، لا حول لهم ولا قوة إلا بالله، حيث انهارت أحلامه بعد رفضه لابتزازات المسلحين التابعين لهمام المخلافي، والذين أطلقوا النار بكثافة على دكان عزيز، ما سبب أضرارا في محتويات المحل، فكيف لمن ظنهم يدافعون عنه يقومون بفرض أتاوات ويجبرونه على تسليمها بقوة السلاح بدون أي وجه حق!!

كان يتمنى عزيز لو أن ذلك مجرد خيال، لكنه كان واقعا وأليما جدا، فمصدر رزقه الوحيد يُعتدى عليه، ويصاب بعدة أضرار في زجاج المحل وفي الثلاجة ودواليب المحل، بعد أن تم نهب عدد من البضائع من داخل البقالة.



وغرق عزيز في الهم متسائلا: ما الذي عليه فعله حيال هؤلاء المتبخترين بقوة السلاح؟ بعد أن قدم شكواه لعاقل الحارة وشرطة المنطقة، غير أنهم لم يصنعوا له شيئا، وقابلوا مناجاته لهم باللامبالاة، بل وصل بهم الأمر إلى الضغط على عزيز وأسرته بقبول الصلح والرضى بما حصل له، الأمر الذي جعل عزيز يفقد أمله بعدالة الأرض شاكيا ضعفه إلى عدالة السماء.

يتساءل عزيز، وقد أثقله الهم، من سينصره من هؤلاء؟ ومن سيقف معه ليعيل أسرته بعيدا عن الظلم والتجبر وأكل الحقوق بالباطل؟ داعيا السلطات الأمنية والعسكرية في تعز لضبط كل من يقوم بهذه الابتزازات والاعتداءات عليهم وتقديمهم للعدالة.

لم تكن هذه تساؤلات عزيز فحسب، إنما تساؤلات الكثير ممن يعانون من العشوائية والانفلات الأمني في تعز، متسائلين عن الوقت الذي ستستشعر فيه قيادات الجيش في اللواء 170 دفاع جوي وغيرهم بدورهم في تنظيم أفرادهم وضبط كل المخالفين، ممن يعملون على ترويع المواطنين خارج إطار القانون.

*انتهاكات متعددة

في حي الروضة أيضا توجد بقالة «الخير» لمالكها الذي يعيل أسرته، وعلى باب الكريم يفتح بقالته كل يوم، وكعادتهم أعداء الحياة يسعون لتكدير صفو حياة الكثير من أصحاب المحلات والمتاجر والبسطات.



فقد قامت العصابة التي تتبع همام المخلافي أيضا بالاعتداء على صاحب بقالة الخير، والتي فرضت عليه أتاوات بابتزاز وقوة، وعندما لم يسمح لهم رموا على محله بعدة طلقات نارية توزعت على أبواب المحل، وفي داخل المحل أصابت رصاصات زجاج البقالة وبعض الدواليب.

يقول صاحب بقالة الخير، بعد أن أخبرنا بالرصاصات التي أطلقتها العصابة، قال: «أتوا إلى المحل مدججين بالسلاح وأخذوا أشياء من البقالة دون دفع أي ريال، وعندما قمت باعتراضهم رموا بالرصاص الحي على البقالة وذهبوا».

ويضيف: «ليست هذه هي المرة الأولى التي يأخذون أشياء ويذهبون دون دفع أي مقابل للمواد التي يأخذونها بالقوة، ولكن هذه المرة قاموا برمي الرصاص على بقالتي».

*مصابون دون سبب

يقول أحد سكان الحي، الذي توجد فيه بقالة الخير: «أصيبت سيارتي بعدة طلقات راجع، أثناء رمي المسلحين على بقالة الخير، وهي الآن تحتاج إلى سمكرة إصلاح»، مضيفا: «لا نعرف ما الذنب الذي اقترفناه ليصنع بنا كل هذا، ويطلق الرصاص على أصحاب المحلات دون وجه حق».

ويضيف: «أصيب أحد الشباب في الحي بشظية خلف رأسه بسبب الطلقات النارية التي اصطدمت في أبواب بقالة الخير، ولم يقم المسلحون بإسعافه أو فعل أي شيء جراء جريمتهم».

*ابتزاز في قلب المدينة

أحد بائعي القات في شارع جمال لديه بسطة بجوار طقم تابع للمحور، بعد أن غادر سوق ديلوكس بسبب الابتزاز الذي تفرضه عليه جماعة غزوان المخلافي وأخيه صهيب.

يقول رضوان المقطري، الذي يبيع القات في بسطته في شارع جمال: «إن ثلاثة من المسلحين قدموا إليه، وأخذوا عشرة علاقيات قات، وبعد أن طالبهم بالقيمة، أشهروا عليه السلاح، وهددوه بالقتل إن طالب بقيمتها، ثم لا ذوا بالفرار».



وأضاف في حديثه لـ«الأيام»: «إن الثلاثة المسلحين يتبعون غزوان المخلافي وأخاه صهيب، وقد كانوا يأخذون علينا القات بالقوة ونحن في سوق ديلوكس، وبعد انسحابي أنا وبعض المقاوتة إلى شارع جمال، هاهم يلحقون بنا إلى مكان رزقنا، والمشكلة أن الطقم التابع للمحور الذي يجلس بجوارنا كل يوم لم يحرك ساكنا».

وأوضح المقطري أن «هذه ليست الحادثة الأولى الذي يتعرض فيها للابتزاز من قبل المسلحين، وهناك حوادث كثيرة حدثت لرفاقه من المقاوتة دون أي رادع أو ضبط من قبل السلطات الأمنية».

وتساءل المقطري: «كيف لمسلحين بعز الظهر يقومون بهذا العمل في شارع جمال، قلب المدينة، وبجوار طقم عسكري تابع لمحور تعز؟!».

*نهب وبلطجة

قبل أسبوع اعتدى مسلحون على صاحب بقالة «النهضة» في شارع محمد علي عثمان، المتفرع من شارع جمال عبدالناصر قلب مدينة تعز، وكعادتهم يطلقون النار ويعتدون على المحلات في وضح النهار.

وأثناء إطلاق النار على البقالة ونهب بعض محتوياتها، راح مالك المحل إلى منزله المجاور لبقالته وأخذ سلاحه وباشر بإطلاق النار عليهم حتى فروا وأصيب أحدهم، والذي ظل ينزف حتى أشيع أنه مات، وفي يومها أغلق أصحاب المحلات في نفس الشارع محلاتهم جميعا، احتجاجا وتضامنا مع مالك بقالة النهضة.

لم يكتفِ أفراد العصابة بجريمتهم، بل أفادت مصادر لـ «الأيام» أنه «في اليوم الثاني قاموا بقتل أحد شهود العيان الذي شهد جريمتهم في نفس الشارع، ولم تحرك السلطة الأمنية ساكنا إثر الحادثة، بل قامت بسجن صاحب بقالة النهضة، بعد أن أشيع مقتل أحد أفراد العصابة التي عرفت لاحقا، وتم التبرير لها من بعض قيادات عسكرية أنهم لم يأتوا للنهب، وإنما صاحب البقالة من باشرهم بإطلاق النار دون وجه حق».


قضايا كثيرة حدثت وتحدث في تعز في ظل وضع أمني مترهل وغياب لدور السلطة الأمنية والعسكرية وواجبها الأخلاقي في حفظ الممتلكات والحقوق، وحماية رأس المال للتجار الذين يُعدون ثروة اقتصادية للمدينة.. ويبقى المواطن يتساءل متى سيأتي اليوم الذي ستشهد فيه المدينة الأمن والأمان، بعيدا عن العصابات وتجار الحروب؟!