صاحب (أعطني يا طير من ريشك جناح).. الأمير الشاعر والأديب الأمير صالح مهدي بن علي العبدلي

الأميرة مريم صالح مهدي العبدلي
ورحل عن دنيانا القامة الوطنية والثقافية والأدبية والكاتب المسرحي والشخصية العسكرية الأمير صالح مهدي بن علي العبدلي، طيب الله ثراه، وأسكنه فسيح جناته، في 10 مايو 1973م في مدينة عدن، ودفن في مقبرة العيدروس بكريتر عدن.

وقد ولد الأمير صالح مهدي بن علي العبدلي، رحمة الله عليه، في مدينة الحوطة عام 1910م، ومنزله بجانب قصر (دار الحجر) في مدينة الحوطة بلحج، يسمى (قصر مهدي بن علي) والد الشاعر صالح مهدي بن علي العبدلي، رحمة الله عليهم، والذي عاش فيه شاعرنا وتربى، وله فيه ذكريات جميلة.

الدراسة

درس الأمير صالح مهدي بن علي العبدلي، في المدرسة المحسنية العبدلية، والتى كانت تعد صرحا علميا وتعليميا كبيرا، ليس على مستوى لحج والجنوب العربي، بل على مستوى الجزيرة والخليج.

ثم انتقل إلى مدينة عدن في فترة الحكم والاحتلال التركي للحج، ودرس اللغة الإنجليزية في إحدى المدارس التبشيرية بعدن، فأجاد اللغة الإنجليزية نطقاً وكتابة، وكان يستعين به بعض سلاطين وأمراء العبادل في الترجمة، ومخاطباتهم باللغة الإنجليزية.

المناصب

شغل الأمير صالح مهدي العبدلي، منصب نائب قائد الجيش في السلطنة العبدلية، أي نائبا لخاله القمندان الأمير أحمد فضل بن علي محسن العبدلي، الذي كان حينها قائداً لجيش السلطنة العبدلية، رحمة الله عليه، ونظرا لاهتمامه بالجوانب الثقافية والأدبية والفنية، كان القمندان لا يهتم بأمور الحكم وتعقيداته، ومشاكله، وترك أمر قيادة الجيش لابن اخته الأمير صالح مهدي بن علي العبدلي، والذي خلفه فيما بعد في قيادة جيش السلطنة العبدلية.

وفي عهد قيادة الأمير صالح مهدي العبدلي للجانب العسكري والأمني في سلطنة لحج، شهدت لحج استقرارا أمنياً، واستطاع تأمين حدود السلطنة وتنظيم وتحديث الجانب العسكري والأمني للسلطنة، وكان قائداً عسكرياً محنكاً يحظى بالاحترام والتقدير من قبل أبناء سلطنة لحج وعاصمتها الحوطة.

ورغم أعباء المسؤولية في قيادة الجيش في السلطنة، إلا أن الأمير صالح مهدي العبدلي، ظلت اهتماماته في الجوانب الثقافية والأدبية والفنية مستمرة، حيث عاصر خاله القمندان، وكان ملازماً له ومشاركاً في ندواته الشعرية والأدبية والفنية، وفي جلساته ومقايله ومقابلاته، وتأثر الأمير صالح مهدي العبدلي، بخاله القمندان.

الأمير صالح مهدي العبدلي، رحمة الله عليه، كان متعدد المواهب، فهو شاعر مرهف الأحاسيس والمشاعر، وهو موسيقي وعازف بارع، أجاد العزف على آلة العود والكمنجة والبيانو، وهو رياضي ولاعب ماهر في لعبة التنس. وكان من المداومين والمشجعين والمشاركين للعبة الهوكي التى كانت تقام في الملعب المقابل لقصر (البراق).. القصر الذي سكن فيه هو وأولاده وبناته وأخوه أحمد مهدي بن علي العبدلي وأولاده.

وقد شجع على ازدهار المسرح في لحج ودعمه بالمال، وزوده بالمسرحيات العربية والتاريخية والاجتماعية، وقد ترجم الكثير من المسرحيات الأجنبية والعالمية إلى العربية، وبعضها حولها إلى اللهجة اللحجية، وشجع على تمثيلها في مسارح لحج (مسرح العروبة) و(مسرح الفرقة الشعبية) في مدينة الحوطة.

وكان أباً مثالياً يرعى أسرته ويهتم بأولاده.

كان والدي ديمقراطياً في تربية أولاده، وكان حريصاً كل الحرص على إسعادهم وإعطائهم حرية الاختيار في دراستهم وحياتهم العامة والخاصة، وكان يعامل أولاده الخمسة (للأمير صالح مهدي العبدلي خمسة أولاد: ذكران وثلاث بنات) فلا يفرق بينهم، وتعامل معهم وكأنهم أصدقاؤه، وشجعهم على التعليم ومواصلة الدراسة، وأحضر لهم معلمين ومعلمات في قصر (البراق- قصر الشكر) لتدريسهم اللغة الإنجليزية، وحفزهم على دراسة اللغة الإنجليزية وغيرها، وكنا حينما نقابله كان يتكلم معنا باللغة الإنجليزية، وذلك لمعرفة مدى استيعابنا للدروس، ويحفز من يبرز منا في دراسته بشراء الجوائز والتحفيز المادي والمعنوي، كان أباً حنوناً.

وكان والدي الأمير صالح مهدي بن علي العبدلي، لديه مكتبة عامرة بالكتب القيمة في مختلف التخصصات، البعض منها باللغة الإنجليزية، وكان يعطي كل منا كتابا لقراءته وتلخيصه، ويحدد لكل منا موعدا لمناقشته، وذلك ليعرف مدى الاستفادة من الكتاب الذي كلف كل واحد منا بقراءته.

كان الأمير صالح مهدي العبدلي، رحمة الله عليه، مثقفا واسع الاطلاع والمعرفة، يمتاز بالذكاء.. موسوعة ثقافية ملما بالعلوم العسكرية والأمنية، ولديه معرفة بالنوتة الموسيقية ويعزف عليها.

مكتبته العامرة في قصر (الشكر) زاخرة بالكتب القيمة، ومنها ما يخص تاريخ العبادل والسلطنة العبدلية.. وتاريخ سلطنات وإمارات ومشيخات الجنوب العربي.. وكتابات الأمير القمندان، التي كانت تضمها مكتبة كبيرة ومرتبة ومفهرسة في قصر (البراق).. ومع الاستقلال، وخروجنا مجبرين من عدن، من قبل النظام الجديد، تم العبث بالمكتبة ونهبها باعتبارها من مخلفات العهد السلاطيني البائد، كل شيء في قصر (البراق) تم نهبه، وتدميره، وكان بالإمكان الاستفادة من هذه المكتبة العامرة بالكتب القيمة، وهي تاريخ وتراث.. ولكن هكذا كانوا يفكرون، ويقومون بممارسات خاطئة، تفكير بدون وعي ندفع ثمنه حتى اليوم. والدي الأمير صالح مهدي بن علي العبدلي، والذي رفض الخروج معنا مفضلاً البقاء في مدينة عدن..قد قال لنا كلمته المشهورة حينما حاولنا إقناعه بالخروج معنا، والتى أتذكرها حتى اليوم: (عشت في هذه المدينة الجميلة عدن، أحلى سنين عمري، ولن أتخلى عنها، وسوف أكمل ما تبقي من حياتي فيها حتى أُلاقي ربي).. حتى القصر الذي عاش فيه الأمير صالح مهدي أجمل حياته وذكرياته، أخرجوه منه ونقلوه إلى إحدى غرف منزل السيد محمد علي الجفري..(إقامة جبرية)، وبعد تدخل الناس الطيبين تم إعادته إلى القصر وأعطيت له غرفة صغيرة في قصر(البراق)، وكانت حالته الصحية قد تدهورت، ولم يمكث كثيرا في هذه الغرفة حتى وافته المنية بسكتة قلبية، نتيجة للقهر والظلم الذي لحق به.

وعن إبداعاته الثقافية والفنية والشعرية، كان والدي الأمير صالح مهدي من أشد المعجبين والمغرمين بالموسيقى الكلاسكية، وكان لديه العديد من الأسطوانات لأشهر الفنانين والموسيقيين العرب والعالميين، وكان من أشد المعجبين بموسيقار الأجيال الفنان الراحل محمد عبدالوهاب وسيدة الغناء العربي أم كلثوم.

كان لديه غرفة خاصة به وفيها آلاته الموسيقية، العود والكمنجة والبيانو.. يعتكف فيها، وما ندري إلا وقد خرج لنا بقصيدة من قصائده الغنائية الجميلة والخالدة، وكان الموسيقي الكبير الأمير محسن بن أحمد مهدي العبدلي يعيش معنا في (قصر الرزميت)، وهو ابن أخ الأمير صالح مهدي وصهره، زوج ابنته، يتسلم القصيدة ويقوم بتلحينها.. ومن أجمل القصائد الرائعة والخالدة التي خرجت من قصر (الشكر- قصر البراق) في عدن، وهي من إبداعات وكلمات الأمير صالح مهدي بن علي العبدلي.

والتى لحن الكثير منها الأمير محسن بن أحمد مهدي العبدلي، رحمة الله عليهم:

(ليه يا هذا الجميل، يقولوا لي نسى حبك، على الحسيني سلام، يا ربيب الحب، جود يا مضنون جود، ناجت عيوني عيونه، ابن الهوى يا غبونه، ليتني نسمة على وجه الحبيب، جمعت فنون الغزل، صغير السن ياغالي، عيون سهرانة، حبيته وعذبني، صدفة التقينا، ان قلت باتوب، يواعدني وينساني، على شانه على شانه).

غنى له كبار الفنانين الأساتذة منهم:

(الشهيد فضل محمد اللحجي، محمد صالح حمدون، أحمد يوسف الزبيدي، سعودي أحمد صالح، عبدالكريم توفيق، مهدي درويش، محمود محمد ناصر، علي سعيد العودي، فيصل علوي، عوض أحمد، سيلان، الربان عبود خواجه، أحمد فضل، وعلوي فيصل علوي).

كما غنى له عدد من الفنانين من عدن مثل الأساتذة: عبدالرحمن باجنيد، أغنيته المشهورة (أعطني ياطير من ريشك جناح). ياسين فارع، أغنيته المشهورة (يا ناعس الطرف). محمد عبده زيدي (أحلف بحسنك). أمل كعدل، أغنيتها المشهورة (يقولوا لي الهوى قسمة).

وفي ذكرى رحيل والدي الأمير صالح مهدي بن علي الـ 45 أعلن بأن هناك قصائد وطنية وعاطفية جميلة وكثيرة لم يتضمنها ديوان (على الحسيني سلام)، لازلت محتفظة بها، وعند إعادة طباعة ديوان (على الحسيني سلام) سوف أضمنه تلك القصائد.

(على الحسيني سلام) وهو عنوان ديوانه، والذي طبع في مطابع (دار الهمداني) للطباعة والنشر عام 1985م.. ونتمنى من أ.د الخضر ناصر لصور، رئيس جامعة عدن، والذي يعد داعما رئيسيا للمبدعين وأعمالهم الثقافية والفنية، وهو بعمله الطيب هذا، يحافظ على المؤروث الثقافي والفني والأدبي والإبداعي، لعدد من القامات الوطنية والثقافية، وقد سبق وأن قام مشكوراً بطباعة كتاب التأبين للسلطان الثائر علي عبدالكريم العبدلي، على حساب الجامعة وفي مطبعة جامعة عدن، وحالياً مطبعة جامعة عدن وبتوجيه من أ.د الخصر ناصر لصور، تقوم بطباعة أعمال الأستاذ عبدالله هادي سبيت، طيب الله ثراه.

عائلة العبدلي تتقدم بالشكر الجزيل والعرفان لرئيس جامعة عدن على تعاونه في تكريم قامات لحج الثقافية، من خلال إعادة طباعة أعمالهم الشعرية، مع تمنياتنا لشخصه الكريم بالتوفيق والنجاح، فإن ما يقوم به يعد عملا إنسانيا ووطنيا وتكريميا لتلك القامات الثقافية والأدبية، والتي أثرت في حياتنا بأعمالها الإبداعية الجميلة، وكم نتمنى أن تحظى أعمال والدنا الأمير صالح مهدي العبدلي، برعايته واهتمامه والتوجيه بإعادة طباعة ديوانه (على الحسيني سلام). ​