كفى شعارات!.. الحلم يبدأ بالنواة السليمة

نبيل خالد ميسري
أكثر من ستة عقود هي حصيلة تراكمات لحياتي الشخصية، فأولها نعمة بكل المقاييس، وآخرها نقمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وبمراجعة سريعة لما بينهما أجد أن هناك عوامل ظاهرة وخفية أدت إلى أن نفقد في كل مرحلة أشياء لم نعرها اهتمامنا حينها، لكنها بالفعل كانت ثمينة ولم نقدرها، فشتان بين الأمس واليوم. بل إننا اكتسبنا أشياء دخيلة على مجتمعنا في كل مرحلة وهي سبب مصيبتنا التي نعيشها اليوم..

السؤال: من المسؤول عن هذا التحول؟

للإجابة على هذا السؤال يفتح الباب أمامنا.. وإلى متى؟

في كتابنا المقدس آيات كثيرة تبين بشكل قاطع تجارب إنسانية لقرون ماضية والنتيجة التي وصلت إليها، ناهيك عن التاريخ الحديث والذي تعكسه كتب سطرها مؤرخون وحللها ذوو البصيرة واستفاد منها البعض الذي ينعم اليوم بحياة كريمة وآمنة.

فهل نحن قادرون على أن نقف كما سبقنا الآخرين ونستفيد من كل ذلك لنؤسس نواة عسى أن تكون انطلاقة حقيقية لعهد جديد فيه أمن وكرامة للإنسان أولاً وأخيراً؟، أم أننا حتى اللحظة تائهون ونحتاج لقرون أخرى؟!

فالعالم الذي نحن جزء منه، الغالبية العظمى منه للأسف تائه، والبعض يحاول الخروج من دائرة الفشل المستدام، والقليل بدأ بمحاولاته المتكررة، والنادر من نجح في إرساء البذرة الأولى. لهذا لابد أولاً من استيعاب كل تلك النماذج وتحديد موقعنا بينها حتى نخطو في طريق طويل جداً لكنه آمن بدلاً من السير في طرق ضبابية تعيدنا إلى أسوأ مما كنا عليه.

ولو اعتبرنا أنفسنا جزءا من الإنسانية أو من أمة الإسلام أو الأمة العربية أو حتى اليمنية، فكل ذلك يفرض علينا أن نرتب سلم خروجنا من هذا الواقع المظلم إلى مراتب تسلسلية تدريجياً لنصل إلى المبتغى.. فلا يمكن أن نقفز عن البناء السليم الذي يبدأ بالنواة الأصغر في الواقع اليمني أولاً ثم العربي، فالإسلامي والعالمي أخيراً.

والنواة الأصغر في الواقع اليمني، وفقاً للحقائق التي أمامنا والمتراكمة لعقود، أن نبدأ بجنوب اليمن الذي يمثل فرصة ليكون النموذج الفريد للبناء التسلسلي أعلاه، لما يتمتع به من خصائص تؤهله لذلك، وهذا بالطبع يحتاج إلى العودة إلى ثقافة النصف الأول من القرن الماضي، التي جعلت من مدينة عدن جوهرة عالمية يشار إليها في كل التقارير والكتب، قديماً وحديثاً.

وهنا مربط الفرس.. كيف يمكن أن تكون عدن أولاً، والجنوب عموماً، النواة الأصغر والأولى للمشروع العالمي الإنساني؟

إذا نظرنا للجنوب موقعاً استراتيجياً ومساحة وممرات مائية دولية ناهيك عن الثروات الطبيعية المعروفة والتي لا تمثل إلا الجزء اليسير مما تختزنه أرضها ومياهها لأنها أرض مباركة لقرون كما شهد الآخرون، وقارنا هذه النعمة بدول كثيرة تفتقر للحد الأدنى مما أنعم الله علينا، فاليابان مثلاً واحدة، لا تتمتع بما تحويه أرضنا ومياهنا، لكنها تميزت في عامل الذات الإنساني، وهو ما نفتقده.. فهل لنا أن نركز عليه أولاً عند بناء النواة الأولى للعهد الجديد؟

فالإنسان اليمني عموماً، والجنوبي خصوصاً، يتميز بصفات كثيرة إذا ما وجدت دولة تعي جيداً مشروعها طويل الأمد بأهدافه الآنية المتوسطة والبعيدة المدى، وكذا آليات وأدوات تنفيذه لكل مرحلة، خاصة وأن العقود الماضية- للأسف- افتقدت ذلك، ولهذا وصلنا إلى ما نحن فيه.

المثل الشائع يقول: لكل يوم شمس وريح ولكل زمان دولة ورجال.. فهل استوعبنا ذلك؟ الجواب واضح للجميع. لهذا، فلبناء عهد جديد لابد من فكر جديد يبنى على أساس نجاحات التجارب الإنسانية المتعاقبة ويتجنب تكرار أخطائها مع مراعاة خصائص ومميزات الواقع اليوم، وبنظرة مستقبلية مدروسة تراعي فيها مصالح مواطنيك وأجيالهم القادمة ومصالح الآخرين من دول الجوار وكذا على المستوى الإقليمي والدولي، من لا غنى لنا عنهم.

والفكر الجديد لا يعني إلغاء الآخرين وإنما جذبهم لمشروع شامل يحقق أحلامهم جميعاً سواء أكانوا زعامات أو مكونات سياسية أو اجتماعية لمكونات تقليدية أو حديثة. فالفكر يقدم ثقافة جديدة سليمة تجمع ولا تفرق، وتعالج أمراض الماضي كلها، وتلقح مبكراً من أي أمراض محتملة في القريب العاجل.. ومن هنا تبدأ الحكاية.

عدن تحتاج أن تقدم مشروعا شاملا يبدأ فيها أولاً ويعمم التطبيق التدريجي في الجنوب نظراً لعوامل متداخلة يعلمها الجميع. ولكي يدعم الجميع هذا المشروع الشامل لابد من تقديم رؤية متكاملة لهذا المشروع تؤسس لبناء النموذج الأصغر في المشروع الأوسع لاحقاً. كذلك وضع الآلية الملائمة لنجاح الرؤية وكذلك الأداة المميزة والتي تمثل الأولوية في مصير المشروع مستقبلاً.

عدن النموذج يمكن أن يكون إقليما مستقلا لكي تنجح التجربة فيه أولاً ومن ثم تعمم على المحافظات الجنوبية الأخرى. ولكي نبدأ بتطبيق توسيع السلطة وتوزيع الثروة اللتين هما سبب كافة الصراعات للعقود الماضية، فلابد من الإقرار بالتقسيم الإداري القائم على اعتبار عدن ثمان دوائر إدارية (مديريات) وتسمى محافظات أو ولايات أو بلديات، فالتسمية لا تهم أكثر من المضمون لإدارتها بأسلوب أمثل مما كانت عليه المركزية الشديدة.

والخطوة الأولى المؤسسية هي إقرار المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية بموجب قانون خاص يتم الاتفاق على أسس قيامها للمرحلة الحالية والانتقالية التي لا تزيد عن 5 سنوات.. ولتحقيق ذلك فلابد من مشاركة مواطني التقسيمات الإدارية الثمان على ثلاثة مستويات هي:

الأول: المستوى السياسي، ويشمل كافة القوى السياسية التقليدية والحديثة والمستحدثة وفقاً لبرنامج يختارها المواطن وفقاً لمصالحه.

الثاني: المستوى الاجتماعي، ويشمل النقابات ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية وفقاً لبرنامج مختلف عن برنامج المستوى السياسي،

الثالث: المستوى المستقل عن المستويين أعلاه على أساس برنامج مختلف عن البرنامجين للمستويين السابقين.

توسيع المشاركة للمستويات الثلاث وبحيث يشارك في كل مستوى كافة الأجيال والجنسين ومن مختلف الاتجاهات على أساس البرنامج المتفق عليه لكل مستوى.

البرنامج لكل مستوى يشمل كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمدة المحددة وفقاً للقانون.

والقانون يعد مشروعا أوليا يتم تعديله في أول اجتماع للسلطة التشريعية ليصبح بعد ذلك ملزماً للجميع وأساساً للوائح والقرارات.

وبالعودة إلى المستويات الثلاث السابقة فلابد من القناعة أن بناء عهد وفكر جديدين يحتاج لقناعة بتجميد مؤقت لأي مكونات سياسية أو إجتماعية للمرحلة الحالية والإنتقالية، ليسمح بنشوء مكونات المرحلة والتي يمكن أن يكونوا جزءاً رئيسياً فيها إذا رغبوا في ذلك. فالمستويات السياسية والاجتماعية والمستقلة لابد أن تتفق على أن يكون التنافس فيما بين كل مستوى أولاً، ثم مع المستويين الآخرين، وهذا يعني أن تتقبل المستويات الثلاثة وأن ينقسم كل مستوى إلى ثلاثة اتجاهات، كما هي تجارب العالم، بحيث تكون متنافسة ومترابطة بنفس الوقت وهذه الاتجاهات هي: اتجاه محافظ - اتجاه معتدل - اتجاه علماني.

وبإرساء هذه الاتجاهات الثلاثة الرئيسية والتي تؤمن ببعضها البعض وكذا تقر للآخر باتجاهه وتضمن حياة تنافسية لصالح المواطن وعدن عموماً.يمكن الاستعانة بخبرات دولية لإغناء الفكرة وتوسيعها لصالح المشروع الشامل، وكذا التقييم الدوري المستمر ضماناً لنجاح التجربة بالنواة الأولى.

قوله الله تعالى: ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.

*سفير اليمن بأسبانيا ​