الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

في كريتر .. البناء العشوائي يطمس هوية المدينة التاريخية

7 سبتمبر 2014 الساعة 06:00
طمس المعالم التاريخية وتدميرها والبناء العشوائي وأعمال تخريبية أخرى طالت كل معالم مدينة عدن القديمة (كريتر)، بدءاً بمسجد أبان مروراً بالصهاريج وقلعة صيرة وغيرها الكثير والكثير، منها ما طالها الطمس بالكامل ومنها ما غير ملامحها وأخرى لم ياتِ دورها بعد.. طمس ممنهج تقوده قيادات نافذة في الدولة، وأخرى برعاية رسمية منها، غير آبهة بفداحة ما تقدم عليه في انتهاك صارخ لأكبر رصيد لأية دولة متمثل في رصيدها التاريخي.

إن معظم البناء العشوائي الذي تشهده هذه المدينة يقوم به نافذون في الدولة سخروا مسؤلياتهم وسلطتهم لنهب الأراضي والبسط عليها دون وجه حق، مستغلين في ذلك سلطاتهم ونفوذهم وغياب الرقابة والقانون الرادع المغيب، الأمر الذي جعل إشكالية البناء العشوائي في اتساع مستمر في هذه المدينة لاسيما عدن القديمة (كريتر).

**بسط وطمس للهوية**

عمليات البسط والبناء العشوائي هذه طالت جميع أماكن ومساحات المدينة وتلالها كجبل شمسان الذي يحيط بمدينة عدن من أكثر من جهة، بكل ما فيه من مواقع ومعالم أثرية كصهاريج عدن التي تعد من أبرز المعالم التاريخية والسياحية في عدن، حيث يعود تاريخ إنشائها إلى العهد السبئي، وبهذا تكون هذه الصهاريج أول صهاريج لحفظ المياه في الجزيرة العربية.

ورغم ما تعرضت له هذه الصهاريج من إهمال وهدم وطمس لمعالمها ولم يبق منها سوى ثمانية عشر صهريجاً من أصل اثنين وخمسين صهريجاً إلا أنها مازالت تحظى بزيارة الزائرين المحليين والسياح الأجانب، باعتبارها أحد المعالم السياحية الشهيرة ليس في عدن وحسب بل في البلاد ككل، وذلك لما تمثله من قيمة حضارية وسياحية عريقة.

سعار طمس الهوية طال أيضاً المجال العمراني بتغيير معالم كثيرة من المباني التاريخية والأثرية واستحداثه ببناء عصري حديث، ومن أبرز تلك المعالم مسجد أبان التاريخي وغيره الكثير من المساجد والمدارس، في مسعى لتغيير معالم هذه المدينة في كل رصيدها التاريخي وتحويلها إلى قرية.

**قلعة صيرة**
البناء العشوائي


تعد قلعة صيرة التاريخية من أهم معالم عدن التاريخية، ويعود تاريخ تشييدها إلى القرن الحادي عشر الميلادي وبالتحديد عام 1150م على يد أخي صلاح الدين توران شاه، وبهذا تعد هذه القلعة واحدة من أشهر القلاع التاريخية في البلد.. وعلى الرغم مما تمثله هذه القلعة من إرث تاريخي إلا أنها لم تلق أي اهتمام من قبل الجهات المعنية، حيث طالتها يد الإهمال والعبث ولم تشهد أي أعمال ترميم لبنائها، فبدت التشققات فيها واضحة وجلية، فضلاً عن عمليات الحفر الواسعة التي تشهدها القلعة أسفل الجبل الذي تربض فوقه مما يشكل تهديداً مباشراً لها في ظل غياب الجهات المعنية لحمايتها.

**وقفة غضب**

دفعت عمليات طمس المعالم التاريخية والمعالم الأثرية المستمرة في عدن كثيرا من منظمات المجتمع المدني والمهتمين والناشطين إلى تنفيذ عدد من الوقفات الاحتجاجية للتعبير عن رفضهم لعمليات الطمس والمطالبة بإيقافها ومحاكمة كل من يعمل على تشويهها أو الإضرار بها من خلال تغيير معالمها أو البناء العشوائي، وكذا الحفر العشوائي عبر (الكسَّارات) كما هو حاصل في محيط قلعة صيرة، وكذا مطالبة الجهات المختصة بالعمل الجاد على إعادة ترميم وبناء هذه المعالم بالشكل الذي يحفظ نمطها المعماري القديم، والمحافظة على ما تبقى من الطمس والتغيير المتعمد من قبل الكثيرين.

**المسجد المنسي**

مسجد أبان بن عثمان بعدن القديمة يعد من أقدم المساجد الإسلامية، إذ يعود وضع أساسه ـ وفق بعض الروايات ـ إلى زمن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على يد الصحابيين الجليلين معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضوان الله عليهما، ليتم بناؤه بعد ذلك في القرن الثالث الهجري على يد الحكم بن أبان بن عثمان، واستمر على حالته القديمة، ليتم تغييره في عهد الدولة الأموية على الطراز الأموي ثم رمم في عهد الدولة العباسية ترميماً جذرياً ليحافظ المسجد على طرازه خلال هذا الفترة الطويلة حتى عصر الدولة الأيوبية، والذي فيه حدثت بعض الترميمات في المسجد، ليحافظ المسجد على نمطه حتى تم النيل منه وطمسه بالكامل حديثاً.

**يجب محاسبة المخربين**
المباني العشوائية تزحف صوب الآثار في منطقة العيدروس حيث القلاع التاريخية


الدكتور صالح اليافعي ـ ناشط في مجال الحفاظ على التراث ـ يتحدث عن حماية هذه المعالم من الطمس بالقول: “هناك مطالبات من قبل نشطاء ومنظمات في هذا الخصوص، وقد لقيت تجاوبا من قبل جهات ذات العلاقة في السلطة المحلية”، وأشار اليافعي إلى أن “هناك توجيهات صدرت قضت باتخاذ إجراءات حماية وصيانة عاجلة لهذا المعلم التاريخي ومحاسبة المتلاعبين والمتسببين في عملية التخريب المدبرة لطمس آثار المدينة”.

**حُمّى البسط**

أكاديميون ومختصون في التاريخ والتراث اليمني حذروا من خطر تصاعد النشاط العمراني العشوائي على طمس وتشويه ملامح الإرث التاريخي المتميز لمدينة عدن، في ظل استمرار العبث والتعامل بجهل مع مكونات الموروث للآثار، وتقاعس الجهات الرسمية عن القيام بدورها.

مدرس التاريخ في مدرسة البيحاني محمد سعيد أحمد أوضح في ورشة عمل بهذا الخصوص أن “انتشار حمى البسط على الأراضي المحيطة بجزيرة صيرة واللجوء إلى البناء فيها أضر بخصوصية هذه الجزيرة ذات السمات البيئية والسياحية المتميزة والقلعة التاريخية الموجودة فيها”.

وواصل حديثه بالقول: “إن مثل هذه الممارسات الممنهجة والعبثية التي طالت هذا الموروث المعماري تسببت في إتلاف أجزاء كثيرة منها، كما طالت مكونات أثرية أخرى بعدن من خلال هدم بعض المدارس القديمة مثل مدرسة مدرم بكريتر (مدرسة عقبة حاليا) إلى جانب هدم المعابد اليهودية والفارسية والهندوسية في المدينة أو تحويلها إلى ملكيات خاصة”.

**شكاوى عدة**
هكذا بدت معالم الطمس بالمدينة التاريخية


من جهتها أوضحت الباحثة لارا الموشجي أن “السلطة المحلية في المحافظة قد تلقت عددا من الشكاوى من مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني حول مخاطر الحفر والبناء العشوائي على قلعة صيرة، وبدورها وجهت السلطة باتخاذ إجراءات عاجلة لوقفها، بالإضافة إلى عزمها على عمل ترميمات وسور للحفاظ على القلعة وإعطائها صورة أفضل مما هي عليه اليوم”.

**مطالبات بحماية المعالم**

أما المهندس جمال أنور أحمد فأدلى بدلوه في هذا الخصوص حول ما تتعرض له معالم عدن التاريخية من طمس وعبث بالقول: “إن السلطة المحلية بالمحافظة لا تنظر بعين المسؤولية تجاه هذه المعالم القيمة والعمل على الحفاظ عليها من خلال حمايتها وترميمها ومحاسبة من يعمد إلى العبث بها، مما شجع أولئك المتنفذين والعابثين على التطاول على هذه المعالم، غير آبهين بفداحة ما يقومون به”.. مشددا على “ضرورة مواصلة منظمات المجتمع المدني لجهودها في الضغط على السلطة المحلية في المحافظة للعمل على حماية هذه المعالم التاريخية والمواقع الأثرية ومحاسبة العابثين”