الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

إغــراق الشمــال فــي الــصراعــات .. وتـذكــرة بريطــانيــة للـعــودة إلــى الــجنــوب

2 أكتوبر 2014 الساعة 06:00
مشهد من حشود الحوثيين في صنعاء
نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» المصرية أمس تحليلا للوضع الراهن في اليمن وما شهدته مؤخرا من أحداث ومستجدات تحت عنوان (إغراق الشمال في الصراعات.. وتذكرة بريطانية للعودة إلى الجنوب) و “الأيام” تعيد نشره.

“تبعثرت أوراقٌ وتاهت خيوطٌ كثيرة، من بين أيدي الفاعلين والمُدبِرين المركزيين وراء التطورات والتداعيات الدرامية المُتسارعة، التي أخذتها المشاهد الأخيرة لمجريات الأحداث على الأرض، وصولاً إلى العاصمة صنعاء، فيما عُرف بـ «الأزمة اليمنية»؛ وهو توصيف مخفف لوقائع انطوت في مجملها على ما هو أكبر من معطيات أزمة، وأكثر من مجرد خلاف، وأخطر مما تمظهرت وتجلت من شواهد ومشاهد. فإن المغيب والمتواري وراء الستائر والجدران وفي الكواليس؛ كوقود ومحرك للأحداث على الأرض، لا يكاد يُقارَن بالقليل من المُعلن والمعروف إعلامياً وحتى سياسياً.

**شمالاً.. جنوباً**

بينما ينجز الحوثيون أهدافهم، بسرعات ومسافات قياسية بالفعل لفتت إليها الأنظار والتساؤلات، كان جماعة آخرون على الخط، وفي دوائر عليا، يتحرون، أيضاً، أهدافاً وغايات قِيلت كثيراً وترددت مؤخراً أكثر، في تحليلات وإفادات وإحاطات إعلامية وصحفية لمحللين وكُتَاب وسياسيين، رأوا أن رجالاً فاعلين وصُنَاع قرار في أعلى هرم السلطة الانتقالية، يتوخون الإفلات من عاصمة مُجتاحة ومُتاحة للزاحفين، وباتت خاوية إلا قليلاً من أهم عتادها العسكري والأسلحة التي أخذت طريقها بوتيرة متسارعة إلى ناحية قصيَة في بلديات محلية بعينها من أبين جنوب البلاد. ولاحقاً تبعتها الطائرات. فيما معسكرات وألوية ومكونات الجيش، وأهمها قوات النخبة، كانت قد أنهكت تماماً بمعاول ما أسميت «الهيكلة».

بالتوازي استقوت جماعات الإرهاب والقاعدة، وتمدَدت في مساحات شاسعة جنوب وشرق اليمن، وباتت معفيَة من الملاحقة. ورقة أخرى استُخدمت بكثرة هي مُسميات وكيانات وظاهرة «الحراك» الذي انتهى أخيراً في عقر هادي! دعوات الانفصال ليست بمعزل عن هذا وذاك.

من معطيات كهذه، بنى مراقبون مقاربة شديدة الوضوح وشديدة الوعورة في آن: بينما تُمهد ومُهدت فعلياً الطريق إلى العاصمة أمام المد الحوثي المكتسِح، تتمهد ومُهدت، بالتزامن وبالمثل، الطريق إلى عدن، أمام طاقم وجماعة أعلى الهرم. وتواترت المعلومات والشواهد منذ مفتتح ولاية الرئيس الانتقالي إلى حميمية خاصة تتسم بها العلاقات مع حكومة بريطانيا، التي تمثل مرجعية وخلفية مُمتدة للرئيس هادي. هذا المُعطى يعني أن البريطانيين يضمنون لحليفهم إسناداً وتحشيداً بصدد الهدف الأخير.

**أكثر من معركة.. وشرعية مُغتصَبة**

وإعلامياً، كما سياسياً، راح واستمر النظام وأركانه يكيلون الاتهامات بالمسئولية على المتهم المفضَل دائماً، الرئيس السابق، في كل شيء وأي شيء. واستخدمت في السياق، أيضاً، مهمة المبعوث الدولي، بحيث بات المُلوِح الشهير بعصا العقوبات ضد من تشاء الرئاسة الانتقالية ولحساباتها الخاصة!!

لم يكن من خيار أفضل من هذا، ولا منطق وحجة ولغة تبرير أسوأ من هذه؛ للتهرُب من المسئولية اللازمة على سلطة ورئاسة، حظيت بدعم إقليمي ودولي لم يتوافر لغيرها ولسابقاتها، وإلقائها المسئولية على الرئيس السابق، والإلحاح المُستميت على منعه من العمل السياسي في إطار المؤتمر الشعبي العام، بل وحد المطالبة المتكررة إلى سفراء العشر وقادة دول وحكومات تبني مطلب إخراج صالح من اليمن. كانت تحركات جانبية، أيضاً، وفي الأثناء تمتد بأيادي الرئاسة إلى قيادات مؤتمرية، بهدف استقطابها وإخلاء المقاعد حول صالح، رئيس المؤتمر، كتعبير آخر عن رغبة مُستعِرة إلى تملُك المؤتمر ووراثة الصالح، هنا كما في الرئاسة. أكثر من معركة وخط نار صُوبت باتجاه صالح والموالين له. وأكثر من معركة كان يخوضها الرئيس الانتقالي، الذي تجاوز فترة ولايته الشرعية بداية من 21 فبراير 2014. صار رئيساً بالتمديد كأمر واقع. شرعية الأمر الواقع، هي التي تحكم لا غير. ما مِنْ شرعية أخرى، وتعطلت الانتخابات المقرَرة وفقاً للمبادرة والآلية المزمَنة. واعتمد هادي على تحالفه المُتفق والمنسق مع الإخوان وعلي محسن، محلياً لتمرير شرعية اللاشرعية. تحالفهم ذاك هو الذي أدرج اليمن تحت البند السابع ووصاية دولية مباشرة. هلل وصفَق الإخوان وإعلامهم، واحتفل هادي بنصره الخاص، وضع اليمن تحت عصا الوصاية الدولية (!!) قبل أن ينقلب السحر على السَاحر، بطريقة دراماتيكية طالت بلهبها الجميع، فيما كان صالح يمارس جدوله اليومي، ويستقبل الوفود المُندِدة بمخطط النفق الإرهابي، الذي أحبطته ذات العناية والرعاية التي أعادت الرئيس صالح من الموت في جريمة التفجير الإرهابي بجامع النهدين وجمعة رجب في يونيو 2011.

**سيناريو وليست صدفة**


تدرَج الحوثيون الزاحفون تباعاً؛ من أقصى شمال الشمال، مروراً بمواقع ووقائع دماج وكتاف وحاشد وضين ودنان وغيرها، وصولاً إلى عمران كمحطة مِفصلية حاسمة في مسار الصراع وترجيح كفة أحد الطرفين، وكان هنا هو الحوثي، قبل الانتقال منها إلى همدان فالظفير وبني مطر غرب وشمال غرب العاصمة، بالتزامن مع سِجال مُسلح وعنيف في الضفة الأخرى إلى الجوف وشيء من مأرب. وما إنْ حُسمت في الجوف حتى اشتعلت في ضلاع همدان، توغلاً إلى شملان ومنها إلى مذبح والثلاثين وجهاً لوجه مع أهم معقلين لخصومهم المتقهقرين إلى وراء أسوار مقر الفرقة الأولى مدرع (المُنْحلَة) معقل اللواء علي محسن، وجامعة الإيمان معقل الإخوان، ومنبع المتطرفين والمتشددين، كما حددهما الحوثيون هدفاً نهائياً في العاصمة صنعاء.

وما كان لجماعة، مهما كانت من القوة والعدد والعتاد، أن تجرف أمامها مناطق ومحافظات وسلطات ومعسكرات، وأخيراً العاصمة نفسها، بهكذا سيناريو متراكض الخطى والمكاسب، إلا إذا وافق عزمها وغرضها غاية وغرضاً لدى مركز السلطة والحكم، ولكل غاية.

**تحذير سابق: «فوضى منظمة» ودوائر عليا**


«أتيحت صنعاء» وما قبل صنعاء أيضاً؛ يؤكد خبراء ومحللون يتعاطون حبوباً للإفاقة من آثار «الصدمة»، كما جاء هذا الوصف لما حدث في صنعاء على لسان رئيس جهاز الأمن القومي شخصياً.

قبل أيام على اجتياح العاصمة حذَر مسئول سياسي يمني قريب من كواليس الحدث - نشرته وكالة “خبر” في حينه، الخميس 9 سبتمبر- من «توجُه لإغراق العاصمة صنعاء في الفوضى، تديره مراكز نفوذ في هرم النظام الانتقالي»، بالموازاة عبر التحركات الميدانية والتغطية الإعلامية.

وقال المسئول، في اتصال مع “خبر” للأنباء: «إن التوجُه بدأ بتقديم تسهيلات للمسلحين لدخول العاصمة صنعاء»، لافتاً إلى أن «دوائر عليا، تدفع باتجاه الاشتباك مع وحدات من الجيش، لحسابات خاصة».

أوضح المسئول اليمني لوكالة “خبر”، أن التوجُه (محل التحذير) يركز على دفع الوضع باتجاه الصدام المسلح داخل صنعاء، عبر تمكين مجاميع مسلحة من تنفيذ هجمات متقطعة واستفزازية، على مواقع عسكرية داخل صنعاء، ترافقاً مع حملة تغطية إعلامية وإخبارية تسارع إلى تقديم تفسيرات مضللة دون معطيات من الواقع أو شواهد معلوماتية مثبتة، وتوظيفها، حصراً، للنيل من صالح وأقاربه وقيادات المؤتمر الشعبي، كهدف أول وُضع على رأس قائمة أولويات مكتب إعلامي مُخصَص للغرض، يديره نجل الرئيس.

وفي ضوء وقائع ومُعطيات يومية متصاعدة؛ تعتمد متوالية الأحداث بتدرُج ملحوظ؛ إتاحة تسهيلات على الأرض للتحركات الميليشاوية داخل صنعاء، بالتوازي مع اعتماد خط إعلامي يتصنَع الخصومة مع تلك التحرُكات، ويصعد اتهامات بالمسئولية ضد قيادات وشخصيات عامة ومسئولين سابقين، كجزء من تصفية حسابات خاصة وخصومات مكرسة.

تحذيرات كثيرة كهذه ذهبت أدراج الرياح.. وحدها النوافذ والأبواب، على مصراعيها، أشرعت أمام رياح الزاحفين من الشمال.

وكان مصدر مسئول في المؤتمر الشعبي العام استهجن، (يوم الخميس نفسه الذي حذر المسئول اليمني من توجُه لإغراق العاصمة في الفوضى)، حملة تحريض وتضليل تستهدف قياداته من قِبَل مواقع تتبع جلال هادي، النجل الأكبر للرئيس.

وفي تصريح لوكالة “خبر”، استنكر المصدر «سُعار الحملات التحريضية المنفلتة، والتي تسعى، ومَنْ وراءها، إلى خلط الأوراق، وبث الفتنة، وإثارة الكراهية والأحقاد، الأمر الذي يهدد السلم العام، وحياة الأفراد والقيادات، وممارسة التضليل المُغرض والتخريبي».

واعتبر المصدر، أن ما تقوم به تلك الوسائل والمواقع الإليكترونية من تحريف وادعاءات، إنما هي دعوة صريحة للقتل.

وحمَل المصدر، الدولة ورئيس الجمهورية والنائب العام، مسؤولية الحفاظ على أمن تلك القيادات وحياتها وأُسَرِها، معتبراً هذا بلاغاً عاماً للنائب العام والسلطات الأمنية والقضائية والعدلية.

وفي إشارة، ذات دلالات عميقة، قال المصدر: «إن ذلك يأتي في سياق التستر على علاقة جهات في السلطة، بالأحداث الأخيرة التي وقعت في مناطق شمال صنعاء، وما تلاها شمال وجنوب العاصمة، إلى جانب مساعٍ لاستثماره، إلى جانب استغلالها لتحريض وحدات عسكرية على بعض الجهات».

**بين هادي والأحمدي**

في «لمح البصر»، كما قال رئيس الأمن القومي لـ “السياسة” الكويتية، أو في مفاجأة غير متوقعة أبداً، كما قال بنعمر، أو «مؤامرة» غامضة، كما يقول هادي.. أخذ الحوثيون صنعاء، بأيسر ما يكون، وتهاوت قلعة علي محسن في ليلة، بينما كان المرحوم القشيبي صمد أشهراً. توافق بنعمر وهادي والأحمدي وغيرهم على وصف ما حدث بالصدمة والبغتة وغير المفهومة والمفاجأة. لكن هادي يقول، إن صنعاء لم تسقط، وينفي هذه الصيغة جملة وتفصيلاً.

بينما الأحمدي يشدد أن صنعاء سقطت، بل احتلت، بل حدث انقلاب كامل على الشرعية والمبادرة والتسوية. لم يجد الأحمدي من واجبه أن يقول لليمنيين كيف ولماذا حدث كل هذا إذاً؟؟ وأين كانت الرئاسة والسلطة والأمن القومي ومؤسسات الحماية وغيرها؟ الواقع يفيد أن صنعاء أتِيحتْ أولاً وسُلمتْ آخراً إلى الزاحفين من أقصى الشمال، وتسلموا كل شيء في صنعاء يمت للسلطة وللدولة بصلة. الأمن والحماية أيضاً. كل هذا ويخرج هادي بخطاب جنائزي مُحبط ليحدثنا بطريقة مدهشة عن مؤامرة من وراء الحدود. هو حتى لا يذكر أية حدود بالضبط؟ معلق قال، يومها، إن هادي يغمز السعودية أكثر مما يعني إيران، كما يتبادر أولاً.

وبعد يومين، لا أكثر، كان هادي يأمر بالإفراج عن خبراء إيرانيين وعن طاقم سفينة الأسلحة الإيرانية جيهان، وتفاصيل أخرى غير مسرَبة ضمن صفقة قادتها وساطة عاصمة خليجية مع طهران.

تعزز يقين المعلق السابق بأن هادي لا يعني إيران بالحديث عن مؤامرة. فلا أحد يتهم ويدين طرفاً بالتآمر ثم يمنحه كل هذه التنازلات والامتيازات، ويغلق ملفات تحقيق لم يكتمل، ولم تعلن نتائجه، ولم يعرف اليمنيون، أبداً، ما الذي يحدث هنا؟ كما لا أحد يفيد شيئاً: ما هو المقابل؟ مقابل ماذا أفرج عن هؤلاء؟؟

**الساعات الأخيرة قبل تهاوي أسطورة من رماد**

كيف تهاوى وانهار علي محسن وجبهته ومعقله العتيد، الذي حِيكَتْ حول سطوته ورهبته الأساطير، وتبخَرت كلها في لحظة واحدة، وانكشف غطاء ومستور الجنرال العجوز، الذي قدَم نفسه وقدمه أصحابه وإخوانه، الإخوان، كمحارب صنديد وقائد جبهة الحرب ضد الحوثيين، أو كما قالوا ويقولون «الروافض» وحلفاء إيران الذين هوَل محسن والإخوان من خطرهم على حدود المملكة الجنوبية وأمنها، واستخلصوا بهذه الذرائع والروايات «الانتهازية المحترفة»، كما وصفها كاتب عربي، أموالاً وتمويلات طائلة من خزانة مال المملكة التي دفعت، مؤخراً، لعلي محسن ملياري ريال؛ لإخماد حركة الحوثيين. وها هو يفر إلى السعودية بجله هرباً من الحوثيين الذين اخذوا معاقله وقصوره في قلب العاصمة، وبالكاد نجا منهم بجلده.

بعد معارك ضلاع وشملان ومذبح، وصل الحوثيون إلى أسوار الفرقة وجامعة الإيمان. استمرت الاشتباكات عن بُعد، وازدادت عنفاً يوماً عن يوم. خلال هذه الفترة كان هادي يبطل اتفاقاً لإنهاء الأزمة، أبرمه الإرياني وهلال مع العزي والمشاط. ثم يقرِر، فجأة، تسليم الملف لجمال بنعمر. نُقل عن الدكتور الإرياني قوله لبنعمر: سنحملك مسئولية الحرب. نحن يمنيون وأدرى بظروف ومصالح بلادنا. لكن هادي أصر.. وكانت المسئولية تلقى على كل من محسن والإصلاح وابنه جلال لرفض الاتفاق. ثم وصل بنعمر ومرافقين إلى صعدة وبقي هناك أياماً، بينما تقترب النيران من صنعاء، ووصلت قبل أن يتمخض المفاوضون في صعدة عن اتفاق. نقل مراسل لوسيلة إعلام خارجية، يرافق بنعمر في صعدة، أن خلاصة قِيلت، بوضوح وصراحة ويعرفها الجميع هناك: لا اتفاق أو توقيع اتفاق قبل إنجاز المهمة على الأرض في صنعاء، وهكذا كان.

في الليلة السابقة على اقتحام الفرقة مدرع، اتصل علي محسن بهادي مشككاً في مقدرة وكفاءة قائد المنطقة العسكرية السادسة الذي يتواجد داخل مقر الفرقة في التصدي للمهاجمين. ودخل محسن الفرقة بأوامر هادي، الذي اتصل بالحاوري وقال له سيأتيك علي محسن وذلك للتعاون في مواجهة الحوثيين وإخراجهم وإرجاعهم إلى مران!!

ذهب محسن إلى الفرقة، وبحوزته أموال سعودية، جزء من المليارين سعودي التي استلموها من أجل مواجهة الحوثيين. ترجح معلومات ومعطيات متواترة، أن جملة ما صرفه محسن للقبائل والمليشيا الحزبية والمقاتلين الذين جلبوهم من مناطق مختلفة، يصل إلى 500 مليون ريال سعودي. وفي تلك الليلة صرف مبالغ مالية لشخصيات قبلية كانت معه في مقر الفرقة، وهم قيادات محلية كبيرة في حزب الإصلاح، من الجوف ومأرب وأرحب، إضافة إلى المجاميع التي تواجدت وأدخلت للمعسكر.. كما صرف، طبقاً لمعلومات من مصادر حضرت الواقعة، 5000 بندقية آلي.

برغم كل هذا وكل شيء، عجز محسن ومن معه في فعل أي شي أمام تقدم واقتحام مسلحي الحوثيين، الذين اقتحموا البوابة والأسوار، ولم يفلح من في الداخل ومن جاء لردهم إلى مران صعدة، في صدهم أو وقف أو إعاقة تقدُمهم. انتهت الأساطير على محك امتحان عملي مباشر. هنا، وهكذا سجَل نظام «هادي/ محسن» نهايته وانهار، ما بقي منه مجرد غبار في مهب رياح الشمال.

آجلاً أو عاجلاً سينصرف هادي، وهو يدرك الآن أكثر من غيره وأكثر من أي وقت مضى، أنه وصل إلى نهاية السِكة، لا مفر، لن تحتمل اليمن، بعد الآن، أكثر مما احتملت، ومن غير المتوقع، أبداً، أن يقبل اليمنيون المضي في التيه واغترابهم عن الدولة واغتراب الدولة عن حياتهم.

**غنائم الحوثيين.. ترسانة أسلحة**


لكن لم تنته القصة هنا.. لنحصي ما غنمه الحوثيون من أسلحة وترسانة حقيقية في مقر الفرقة الأولى (كان يفترض أنها مُنحلة بقرار القائد الأعلى، لكنها بقيت رغماً عنه ولم تنفذ مذبحة الهيكلة، عن عمد، إلا ضد قوات النخبة المؤهلة المهنية والحرفية، الحرس والخاصة ومكافحة الإرهاب).

توافرت قائمة شبه أنموذجية بما غنمه وأخذه الحوثيون من الفرقة، كما يلي:

11 دبابة - 15 مصفحة مدوبلة والتي جاءت من أفريقيا

11 مدرعة بي إم بي 1

20 مدرعة بي تي آر

24 مدفعاً عيار 23

12 مدفعاً عيار 14.5

200 رشاش معدل 14.5

200 رشاش 12.7

200 آر بي جي 7

100 صاروخ بي تي إس

كلها مع ثلاثة إلى أربعة خطوط نارية استلمها “أنصار الله” كغنيمة بعد فرار علي محسن من الفرقة.

وهنا، أيضاً، ما غنموه من منزله الشخصي:

800 صاروخ لو

400 صاروخ سام 2

5000 بندقية آلي

5 ملايين طلقة آلي

3 ملايين طلقة شيكي

**على سبيل الإجمال**

إجمالي ما يملك الحوثيون اليوم:

200 دبابة ما بين 55 و 66

300 عربة مصفحة

250 طقماً مسلحاً ما بين 12.7 و 23

**بين الفرقة والقيادة العامة**

الزحف الحوثي المتسلسل من صعدة إلى هنا، كان هدفهم المحدد والواضح هو جامعة الإيمان والفرقة الأولى؛ هنا حيث تتواجد ميليشيات الإخوان المسلمين كمعاقل رئيسية ورمزية أيضاً.

البقية ليست بأفضل حال لمحسن، انهار الوضع من حوله، فما كان منه، ودون تردد، إلا أن يهرب إلى القيادة العامة، هناك اجتمع مع حسين المقداد، وحثه بالقول إن عليه ومن معه أن يفتحوا المخازن الآن، وأن يهربوا إلى قراهم. طبقاً للروايات نفسها، فقد رفض المقداد ولم يقتنع واتصل بوزير الدفاع الذي أكد بدوره أن ينفذ ما طلب منه علي محسن، وفي تفسير لهذه التوجيهات وموافقة الوزير لمحسن فيما يطلب، يلفت خبير عسكري وضابط كبير في الجيش، إلى أن التوجيه ينطوي على ما عُرف وقِيل عن الوزير ناصر والذي يعتقد ويرجح حينها وفي موقف كهذا؛ أن أفراد اللواء 314 والذين كانوا، دائماً، موضع تشكك وهواجس، كونهم شماليين وموالين أو تابعين لـ (النظام الأسبق) أي نظام صالح، على اعتبار أن (النظام السابق) بات هو نظام هادي ومحسن.

ثم حدث المتوقع في هذه الظروف، فُتحت المخازن وباشر جنود بأخذ الأسلحة الخفيفة من مخازن السلاح، قبل أن يصل الحوثيون وتوجهوا من فورهم إلى الاستيلاء على الأسلحة الثقيلة، وهي وفقاً لتقديرات وشهادات المطلعين عن قرب: أكثر من 30 دبابة، وأكثر من 20 مدرعة (بي إم بي 2) و (بي تي آر)، وأكثر من 100 طقم مسلح بمعدل رشاش 12.7، و20 طقماً مسلحاً بـ 23، وقد تم سحبها إلى الجراف وقرية القابل.

**الجناة يوزِعون الاتهامات**

هي انتكاسة لا سابق لها، ولا يريد أحد أن يسأل أين ذهبت السلطات والقيادات والقيادة العليا ومؤسسات الحماية والاستخبارات والأمن القومي و..و..و.. ولا أين ذهب الرئيس القائد الأعلى، وما هو دوره وما هي وظيفته أصلاً إذا كان سوف يحدث انهيار هرمي وأفقي للسلطات بهذه المعطيات الكارثية ثم لا يتحرج هادي، على الإطلاق، أن يجمع القيادات والمسئولين في اليوم التالي، ليلقي كلمة مليئة بالغرائب والمضحكات/ المبكيات، ويتحدث فيها عن جسارته في تحمُل المسئولية والتعهد مجدداً بتحملها (..) كأنه يحتفل بمناسبة سعيدة؟؟ سأل، بإنكار، طالب جامعي وهو يشاهد الكلمة متلفزة، وعلق في نهايتها: الرئيس هادي يقول إنه يحكم ويسلم للحوثيين ويقترح علينا أن نذهب لنسأل الرئيس السابق ونحاسبه!

لا يقتنع بحُجة وتبريرات وتهرب الرئيس وقادة إلى جواره، من مسئولياتهم وتحميلها على الآخرين، خصوصاً الذين كانوا هم من بنى وكوَن وراكم وطوَر ككل هذا البناء والمخزون الذي يبيحه ويبدده الرئيس الانتقالي، الذي لربما بالفعل تصح مقاربة القائلين، بثقة، إنه يكاد يصل في هذه المرحلة من السيناريو المنفذ، إلى حزم الحقائب والمغادرة جنوباً معتمداً على إسناد وتغطية ودعم بريطاني بالدرجة الأساس. بينما يكون قد أوصل شمال اليمن والشماليين اليمنيين إلى الحافة: صراعات وحروب وثارات مشتعلة في كل مكان وجهة، ولا دولة أو مؤسسات ولا أمن ولا ميزانية ولا ولا ولا ولا، ولا أحد من اليمنيين سيغفر لمن جنى وجر كل هذه الخسائر والدماء والصراعات والآلام بحق اليمني واليمنيين وبحق حاضر ومستقبل أبناء وأحفاد اليمنيين.

**ذكريات نظام صالح**

بعد كل هذا العرض الطويل ولكنه، أيضاً، لم يستوفِ حقه والصورة من جوانبها، لابد وأنه من حق ذلك المواطن الذي توقف بمرارة يسأل: أليس يقول كل ما مر وحدث خلال أعوام أربعة أن جميع من تولوا الحكم بعد خروجهم المرتب والمبيت على حكم ونظام علي عبدالله صالح، كانوا على اتفاق وتفاهم مُسبق لتقويض نظام صالح وهم كانوا أعمدة في النظام وصاروا النظام الجديد الذي قوض كل شيء يمت للنظام بصلة، وبات صندوق الانتخاب وممارسة عملية ديمقراطية، هي من الذكريات، ومن حكايا ومرويات نظام صالح ووحدوية اليمن والنظام الذي كان؟

إخوان اليمن.. ومصر

يجدر التذكير، أن تقارير أمنية وشهادات استخباراتية متواترة، كانت أكدت تدفق مئات المقاتلين إلى سيناء المصرية؛ من جامعة الإيمان، ومتشددين مرتبطين بإخوان اليمن واللواء الأحمر المعروف بتبني الجهاديين.

وكانت صحف مصرية تداولت، في وقت سابق، مذكرة الأحمر للمرشد العام للإخوان بعد ثورة 30 يونيو وتجديد الولاء وحثه للانتقال إلى قطر.

هذا فيما أحجم الرئيس الانتقالي هادي، عن القدوم لتهنئة الرئيس عبدالفتاح السيسي، في القاهرة، بضغوط من جماعة الإخوان، الذين فرضوا سيطرتهم على نظام هادي، وحددوا خطوط تحرُكه وحدوا منها، واستسهل الرجل بدوره تخفيض التمثيل إلى تكليف وزير الزراعة اليمني الذي كان يتواجد في مهمة أخرى بالقاهرة، وأضاف له هادي تكليفاً لتهنئة السيسي بحفل التنصيب.